ملخص
كل البلاد التي تقع خارج نطاق المناطق الاستوائية تعرف الشتاء، فهو يكشف عن نفسه في كل منطقة مناخية بطريقة مختلفة قليلاً، لكن الملاحظ أن شتاء الوقت الراهن بات أقل برودة وأقل إنتاجاً طبيعياً للثلج والجليد من الشتاء الذي لطالما عرفه العالم. أما أعياد الميلاد المكسوة باللون الأبيض فتزداد ندرة.
في كتابه "الشتاء: تاريخ وفلسفة الفصل الأكثر غموضاً"، يقدم الكاتب الألماني بيرند برونر، لمحة عن الشتاء في الأساطير، وكيف ألهم العديد من الفنانين والأدباء، وأثَّر عميقاً في حياة الناس، وهو يعكس التناقض بين الظلمة والضوء، وبين العزلة والتجدد، ليقرر في النهاية أن الشتاء ليس مجرد أحد فصول السنة، بل هو قوة غامضة أثرت على البشر على مر العصور، ولم يقل أحد بعد الكلمة الأخيرة والحاسمة عنه. وبيرند برونر (1964) تتميز كتبه بالجمع ما بين الأدب والعلوم والتاريح. وتشتهر بسعيها إلى استكشاف العلاقة بين الإنسان وكل ما يبدو بسيطاً في ظاهره، ومنها: "القمر في التاريخ والأساطير وأثره على النساء"، و"الرمان"، و"فن الاستلقاء: لماذا ننام، لماذا نستيقظ، لماذا نعيش؟"، و"الليل: عالم مواز". وصدر كتابه "الشتاء" مترجماً من الألمانية إلى العربية بواسطة سمر منير عن دار "العربي" في القاهرة.
ولاحظ برونر أنه على الرغم من أن شهر ديسمبر (كانون الأول) هو أحد الشهور التي تشهد تساقطاً للأمطار في أوروبا الوسطى، إلا أنه غالباً ما لا يكون بارداً حقاً، حتى لو كانت الثلوج قد تساقطت قبل ذلك ببضعة أسابيع. كما أن سقوط الثلج عشية عيد الميلاد بات نادراً، خاصة في السهول، "وحتى مدينة ميونخ صاحبة أعلى احتمال لسقوط ثلوج فيها في عيد الميلاد، لا تشهد سوى غطاء من الثلج في عامين من كل خمسة أعوام".
قوة حاسمة ً
في الشمال، سواء في الدول الاسكندنافية أو سيبيريا أو ألاسكا أو كندا، يتجلى الشتاء بأكبر درجة من القتامة، على الرغم من جميع الاختلافات الجغرافية، فيستمر تساقط الثلج لمدة تتراوح بين أربع إلى خمسة أشهر، وتكاد تكون الأشجار أيضاً محملة بالثلوج. وهكذا يشكل الشتاء في تلك المناطق قوة حاسمة تجبر الحيوانات والنباتات على اللجوء إلى كل الطرق الممكنة للتكيف معها. في القطب الشمالي تبلغ كمية هطول الأمطار سنوياً نصف كميتها في أوروبا، وتسود فيها درجة رطوبة منخفضة للغاية. وفي كثير من الأحيان تكون الأجواء هادئة ومبهجة أكثر مما قد يظن البعض. ولأن الهواء البارد لا يمكنه امتصاص سوى القليل جداً من بخار الماء فقد أظهرت التجربة أن القليل جداً من الثلج يتساقط عندما يكون الجو بارداً للغاية، وعندما تهدر العواصف يظل الثلج موجوداً لفترة طويلة بسبب البرد القارس الذي لا يسمح له بالذوبان. ينطبق هذا الأمر بشكل خاص على القارة القطبية الجنوبية التي تحتوي في صفائحها الجليدية السميكة على أكثر من ثلثي المياه العذبة على كوكب الأرض، ولكنها لا تتلقى سوى كميات صغيرة جداً من الأمطار سنوياً بسبب درجات الحرارة المنخفضة للغاية، ومن ثم فإن البرد يسود في تلك القارة طوال العام.
وبقدر ما ينظر إلى الشتاء على أنه مرادف للثلج، فإن الحقيقة – كما يؤكد برونر - هي أنه لا يوجد بينهما ارتباط وثيق، إلا في شمال أوروبا وفي المناطق الجبلية الأوروبية. أما لو انتقلنا نحو الجنوب، فإن طبيعة الشتاء تتغير بشكل مثير. ففي وقتنا الحاضر لا تشهد بعض مناطق وسط أوروبا تساقط الثلج على الإطلاق خلال فصل الشتاء، "وفي البحر الأبيض المتوسط وجنوب الولايات المتحدة الأميركية، يكون الصيف أكثر سخونة وأطول وقتاً، في حين يكون الشتاء أقصر وقتاً وأكثر اعتدالاً عن ذي قبل" ص 17.
أثر الجليد
وفي خلاصة تأملاته في هذا الصدد يرى برونر أن "الشتاء مريح للحواس، فهو يجمع كل شيء في مساحة واحدة تحت إيقاع هادئ" ص24. أما الثلج فهو "مادة ذات وجود عابر"، وندف الثلج "فراشات بيضاء". فبمجرد انخفاض نسبة الهواء في كتلة الثلج إلى النصف يطلق عليه "الثلج الحُبيبي"، وإذا استمر التكاثف فإنه يتحول إلى جليد. يصبح الهواء أنظف عند تساقط الثلوج؛ "لأن أصغر قطرات من الماء تتحد مع جزيئات الغبار وكذلك مع حبوب اللقاح والجراثيم الفطرية والبكتريا والكائنات وحيدة الخلية، ثم تتجمد" ص 26. كبار السن يتذكرون اليوم فصول الشتاء الباردة المميزة إبان الحرب العالمية الثانية والعقود التالية لها والتي كان البعض ينظر إليها آنذاك – حتى لو بدا هذا الأمر غير قابل للتصديق اليوم – على أنها مؤشر على بداية عصر جليدي جديد.
قبل 20 أف عام، اجتاح "شتاء" هائل الأرض طوال العام: لقد كان آخر عصر جليدي عظيم يستحق أن يطلق عليه هذا الاسم حقاً. وفكرة العصر الجليدي طرحت للمرة الأولى بواسطة عالم النباتات الألماني كارل فريدريش عام 1837، ما فتح الباب أمام تقديس فكرة البرودة، إذ كتب فريدريش نيتشه في كتابه "ها هو الإنسان" 1889: "تتمثل الفلسفة، حسبما فهمتُها وعشتُها حتى الآن، في الحياة عن طيب خاطر في الجليد والجبال العالية". وفي 1953 كتب الأديب الألماني إرنست يونغر مسترجعاً بداية القرن العشرين: "كان الجليد واحداً من أعظم معلمينا، تماماً كما هو حال فصل الشتاء حتى اليوم، فقد تناسب مع هدفنا الاقتصادي والأخلاقي، كما عزز إرادتنا وعلمنا أن نفكر". وتحدث عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر عن ضرورة الالتزام بـ"حمّام الفكر البارد"، فيما رأى الرسام الأميركي جورج غروز أننا لدينا "شخصية من الجليد المتكتل". وصاغ المهندس النمسوي هانز هوربيغر في عام 1913 ما يسمى بنظرية الجليد العالمي؛ حيث إنه كان مقتنعاً بأن "معظم الأجسام الموجودة في الكون مكونة من الجليد" صـ 200.
أعياد الميلاد
يصعب التكهن متى كان ميلاد المسيح بالضبط، لكنه مرتبط على أية حال بالشتاء عند مختلف طوائف المسيحيين. وترجع أول أدلة على استخدام شجرة عيد الميلاد مع الزينة والأضواء، إلى القرن الـ 15 في الأوساط الأرستقراطية في منطقة الألزاس الفرنسية. وشقَّ هذا الطقس طريقه إلى الطبقات المتوسطة ومنها إلى النطاق الشعبي في إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية والدول الإسكندنافية، في القرن التاسع عشر. أما الكاثوليك فظلت لديهم تحفظات على شجرة الميلاد، حتى حلول القرن الـ20.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي مدينة كينورا الكندية، ترتبط أمسية عيد الميلاد بعادة وضع "شموع الثلج" على قبور الأقارب المتوفين. وفي سياق أدب الرحلات الشتوية كتب النمسوي أدالبرت شتيفتر "الغابة البافارية". فيما اكتسب السويسري روبرت فالسر لقب "شاعر الشتاء الكلاسيكي". وستحضر الروسي ألكسندر بوشكين في قصته "العاصفة الثلجية" رحلة عبر روسيا في الشتاء. وللروسي فلاديمير سوروكين كتاب بالعنوان نفسه، لكنه يتسم بطابع سريالي. إن الشتاء الذي يصفه الروائي الإيطالي كورزيو مالابارته في روايته "كابوت" هو أكثر من مجرد فصل مألوف من فصول العام، إذ إنه يصير بمثابة قوة، تحول كل شيء بطريقة جميلة للغاية. واليوم، بعد أن فقد الشتاء رعبه الوجودي، صرنا نشهد افتتاناً جديداً بما هو شتوي وبارد. إن الأمر يتعلق بالتجربة الفعلية؛ أي تجربة الشتاء الملموسة، حيث يود الكثيرون أن يدعوا الشتاء ليأتي إليهم. ولعل البعض يرى في الفنادق الجليدية التي صارت تتمتع الآن بنوع من الشعبية، شكلاً مستلهماً من القصور الجليدية.
منذ بداية القرن الحادي والعشرين، أخذت الأنهار الجليدية في الذوبان بوتيرة قياسية، ويرى الخبراء أن هذا يعد المؤشر الأكثر وضوحاً على تغير المناخ. فقد فقدت الأنهار الجليدية في آسيا الوسطى قرابة ربع حجمها خلال الخمسين سنة الماضية. وفي الوقت الحاضر صار نهر الرون الجليدي يُغطى بالقماش المشمع في الصيف لإبطاء ذوبانه. وتشير الأبحاث إلى أن هناك اتجاهاً عاماً لتناقص الغطاء الثلجي في نصف الكرة الأرضية الشمالي، حيث توجد مؤشرات على أن الشتاء سيكون أقصر في العديد من الأماكن.
زراعة الثلج
إن المثل الفرنسي القائل بأنه إذا تمكنت من بيع الثلج فستصير غنياً، لم يعد ينطبق إلا بقدر محدود وسوف يؤثر هذا الأمر أخيراً وليس آخراً – يقول برونر - على المتزلجين الذين يعتمدون على الثلج. وصار من الضروري اليوم تغطية العديد من المنحدرات في جبال الألب بالثلوج، فيما تواجه منتجعات الرياضات الشتوية مشكلة اقتصادية عندما تظل مسارات التزلج الاصطناعية ومنحدرات التزلج وتلال القفز أثناء التزلج بدون ثلوج. فالثلج الاصطناعي مكلف، إلى حد أن البعض بدأ يتحدث عن ضرورة الحفاظ على ثلوج الشتاء أثناء الصيف، فيما اتجه آخرون إلى "زراعة الثلج". اليوم لا يعرف الكثير من الشباب فترات البرد القارسة الحقيقية إلا من القصص أو من خلال التلفزيون، ففي الماضي كان الشتاء يمثل تعطيلاً لمسارات الحياة المنتظمة أكثر بكثير مما هو عليه الحال اليوم. وحتى لو لم يعد الشتاء يمثل التحدي الوجودي الذي كان عليه من قبل، فإنه - كما يقول برونر - يوضح لنا أن هناك عالماً مضاداً للصيف.
ثم يتساءل المؤلف: أليس من المفزع تصور وجود الصيف بشكل دائم؟ وكيف يمكننا الاستمتاع بالصيف إذا لم نختبر قبل ذلك الشتاء بكل قسوته؟ ألا يحتاج الصيف إلى الشتاء كثقل موازن حتى يمكن إدراكه باعتباره صيفاً؟ وكيف يمكن لفصل الربيع أن يطور تأثيره القوي حقاً لو كان الشتاء السابق عليه معتدلاً للغاية لدرجة أن النباتات والحيوانات لا تعود قادرة على الوصول إلى مرحلة الراحة الأيضية؟ هل وصلنا إلى النقطة التي يجب علينا فيها أن نعيد تعريف الفصول على المستوى الفينولوجي؟