ملخص
وفق ما جاء في القانون الجديد، فإنه يمكن عقد اتفاق بين وكيل الجمهورية والشخص المعنوي سواء صاحب أو مسير الشركة، لتأجيل المتابعة القضائية، مما يشجعه على التعاون مع التحقيقات وتقديم الأموال والممتلكات المنهوبة، ويسهم في استرجاع الأموال، في إطار تسوية القضايا الجزائية المتعلقة بالأشخاص المعنويين بطريقة سريعة وفاعلة.
لا يزال موضوع الفساد يشغل بال الحكومة في الجزائر، ولا سيما ما تعلق باسترجاع الأملاك والممتلكات المنهوبة، ولعل إعلان إرجاء المتابعة الجزائية لبعض الأشخاص، خطوة تندرج في سياق طي ملف فساد النظام السابق.
تفعيل إجراء
وأوضح وزير العدل الجزائري لطفي بوجمعة خلال افتتاح أشغال الملتقى الوطني الموسوم بـ"الأمن القانوني وأثره في التنمية الاقتصادية"، أن إجراء جديداً فُعل يتيح إرجاء المتابعة الجزائية لبعض الأشخاص المعنويين في حالات محددة، مقابل إرجاع الأموال والممتلكات والعائدات المنهوبة سواء في الجزائر أو المهربة خارج البلاد، أو ما يعادل قيمتها، ودفع كامل المبالغ المستحقة عن الجرائم المنسوبة، مؤكداً أن هذا التوجه يندرج ضمن السياسة الرامية إلى إرساء توازن بين حماية المال العام وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي.
وأكد الوزير أنه جرى توجيه النواب العامين في جميع المجالس القضائية لضمان تطبيق موحد وسليم لأطر تحريك الدعوى العمومية، مع التركيز على مسيري المؤسسات العمومية الاقتصادية والصناعية والتجارية، مع التقيد بشرط الشكوى المسبقة من الهيئات الاجتماعية وإخطار الجهات الوصية بحسب كل حالة.
يد ممدودة
ولم تتوقف الجهات المعنية عن البحث في أليات استرجاع ما يمكن من الأموال المهربة وحماية المال العام منذ 2019، وأدرجت في يونيو (حزيران) الماضي للمرة الأولى أدوات قانونية وعملية توفر آلية التسوية الودية، اعتبرتها أطراف تطوراً لافتاً في المنظومة التشريعية لاسترجاع الموجودات، بينما وصفتها أخرى بـ"يد الدولة الممدودة إلى الذين أساؤوا استعمال السلطة وصلاحياتهم وانتهكوا التشريعات".
ووفق ما جاء في القانون، فإنه يمكن عقد اتفاق بين وكيل الجمهورية والشخص المعنوي سواء صاحب أو مسير الشركة لتأجيل المتابعة القضائية، مما يشجعه على التعاون مع التحقيقات وتقديم الأموال والممتلكات المنهوبة، ويسهم في استرجاع الأموال، في إطار تسوية القضايا الجزائية المتعلقة بالأشخاص المعنويين بطريقة سريعة وفاعلة، مع ضمان استرجاع الأموال والممتلكات والعائدات المتصرف فيها أو المحولة إلى خارج التراب الوطني، أو ما يمثل قيمتها ودفع كامل المبالغ المستحقة للخزانة العمومية والأطراف العمومية المتضررة من الجرائم المنسوبة إليه، من أجل المصلحة العامة من خلال تجنب المحاكمات الطويلة، مع الحفاظ على العدالة وحماية حقوق الخزانة العمومية.
أدوات وخيارات وشروط
ويكون هذا الإجراء مشروطاً بحسب نص المادة 99 مكرر، بتوصل التحقيق الابتدائي إلى جمع أعباء كافية تجعل إدانة الشخص المعنوي أي الشركات، مرجحة في حال متابعته، وإذا كان خيار إرجاء المتابعة يحقق النتيجة المرجوة من المحاكمة ويوفر الوقت الذي قد يستغرقه التحقيق القضائي أو كانت المصلحة العامة وتحصيل حقوق الخزانة والأطراف العمومية المتضررة أكثر جدوى من العقوبات الأخرى التي قد تسلط على الشخص المعنوي، وكذا في حال أبدى الشخص المعنوي تعاونه من أجل وضع حدّ للجريمة، أو اتخذ الشخص المعنوي إجراءات تأديبية ضد الشخص الطبيعي الذي ارتكب الجريمة باسمه أو لمصلحته وبلغ السلطات القضائية به.
ولم يغفل التشريع أدوات تتيح حماية المال العمومي باستئناف المتابعة القانونية في حق المتورطين الذين لم يظهروا حسن نية في التزام التسوية الودية، ووضعت الدولة أليات إضافية وتكميلية لحماية مصالحها عبر آلية حجز الممتلكات على سبيل التحفظ، على ضوء تجربة قيام متابعين في قضايا الفساد ونهب الأموال العامة ببيع ممتلكاتهم أو التنازل عنها لمتصرفين آخرين ويرفع الحجز في حال عدم المتابعة.
ويكون إرجاء المتابعات القضائية مشروطاً بخضوع الشخص المعنوي لالتزامات عدة أهمها دفع غرامة للخزانة العمومية لا يمكن أن يتجاوز مبلغها 30 في المئة من متوسط رقم الأعمال السنوي للأعوام الثلاثة الأخيرة، وكذا دفع تعويض للطرف العمومي المتضرر في حال ما إذا كان معنياً بالاتفاق.
خطوة جريئة
وفي السياق، تقول الحقوقية لطيفة ديب إن إرجاء المتابعة الجزائية مقابل إعادة الأموال والممتلكات المنهوبة خطوة قانونية جريئة لمواجهة الفساد الذي استشرى في وقت سابق، وأوضحت أن الخطوة تعتبر توجهاً صحيحاً للمشرع الجزائري، إذ إن إعادة الأموال والممتلكات تصنف ضمن المصلحة العامة، كما أن الذي تقع عليه المسؤولية الجزائية يستفيد من حرية الاختيار بين إعادة الاموال والممتلكات وتخفيف الأحكام القضائية، مما لم يحدث سابقاً.
قوة ودفع رغم الفشل
من جانبه اعتبر الإعلامي المهتم بالشؤون السياسية كريم بن زيتوني أن السلطات في الجزائر تحاول منذ أعوام التعامل بجدية مع ملفات الفساد المالي والإداري التي ظهرت بقوة خلال حقبة الرئيس الراحل بوتفليقة، موضحاً أن ملفات الفساد لم تعُد قضايا رأي عام تسوّد صورة الدولة وتعبث بمقاربات السلطة وخطابها الذي يؤكد مراراً على القطيعة مع ممارسات تتجاوز القانون، بل أصبحت الظاهرة تهدد وجود الدولة ككيان بصورة أحدثت أزمات مالية واقتصادية انعكست سلباً على المواطن وأفرزت حال احتقان وسخط عام.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وشدد بن زيتوني على أن النوايا نزيهة في التعاطي مع مكافحة الفساد الذي تحول إلى سلوك شبه عام يحكم تصرفات الإدارة ومسؤوليها، مشيراً إلى أن اعتماد إجراءات جديدة يراد منه وعبره إعطاء قوة ودفع لمحاصرة ظاهرة الفساد التي ترى جهات أن السلطة فشلت فيها على رغم حجم وعدد القضايا المعالجة.
إنهاء عملية استرجاع الأموال والممتلكات المنهوبة
وسبق أن أعلن وزير العدل الجزائري لطفي بوجمعة أن الدولة أنهت عملية استرجاع جميع الأموال والممتلكات المنهوبة داخل البلاد والتي كانت محل تحقيقات واسعة منذ عام 2019، في أعقاب الحراك الشعبي الذي أطاح بالرئيس الراحل عبدالعزيز بوتفليقة، موضحاً أن الأموال والمصانع والعقارات التي جرت استعادتها كانت نتاج صفقات غير قانونية ونهب واسع للمال العام قبل عام 2019. وأضاف أن الدولة استعادت السيطرة على ثروات هائلة كانت محتكرة من قبل الكارتل المالي ورجال الأعمال المقربين من النظام السابق، مبرزاً أن السلطات لم تكتفِ بمصادرة الأملاك بل عملت على إعادة تأميمها وتشغيلها من جديد.
وكانت الحكومة أنهت في أغسطس (آب) عام 2024 الإجراءات القانونية الخاصة بنقل ملكية 23 مصنعاً وشركة كانت مملوكة لرجال أعمال مرتبطين بنظام الراحل بوتفليقة، وأوضحت وزارة العدل حينها أن القرارات جاءت بعد صدور أحكام نهائية قضت بمصادرتها بسبب تورط أصحابها في قضايا فساد وتبييض أموال.
توجيه 54 طلباً لـ 11 دولة واستعادة 30 مليار دولار
أما في ما يتعلق بالأموال المهربة إلى الخارج، فأكد بوجمعة أن الجزائر تواصل مساعيها عبر القنوات القضائية والدبلوماسية لاسترجاعها، وقال إن "عدداً من الدول أبدت تعاوناً ملموساً في هذا المجال، في حين لا تزال أخرى في طور دراسة الطلبات الجزائرية"، وكشف عن توجيه السلطات القضائية 54 طلباً نحو 11 دولة لديها أموال محولة إلى الخارج بهدف استرجاعها.
وكان الرئيس عبدالمجيد تبون أشار في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي إلى أن الجزائر تمكنت من استعادة ما يقارب 30 مليار دولار من الأصول والمصانع والعقارات المهربة إلى الخارج، مشيراً إلى تعاون دول مثل إسبانيا التي سلمت الجزائر فندقاً فخماً من فئة خمس نجوم كان مملوكاً لأحد رجال الأعمال.