ملخص
في الـ28 من ديسمبر هتف آلاف العلويين مطالبين بحكم لا مركزي والإفراج عن المعتقلين. لم يدم احتجاجهم سوى ساعة قبل خروج تظاهرة مؤيدة للحكومة. وفضت قوات الأمن ذلك الحشد بإطلاق أعيرة نارية، وحدث في احتجاج آخر الشهر الماضي رفع مطالب مماثلة.
وبدأت السلطات محاكمات علنية في شأن أعمال العنف في مارس، وتعد نتائجها اختباراً حقيقياً للمساءلة في سوريا الجديدة.
كان يريد خير الله ديب وعداً بالعفو حتى يخرج من مخبئه. وكان ديب، وهو علوي، اختفى عن الأنظار لأسابيع بعدما شن مسلحون علويون انتفاضة في مارس (آذار) ضد الحكومة السورية الجديدة. لم يحمل سلاحاً وساعد في حماية قوات الأمن الحكومية. وتسببت انتفاضة الموالين للرئيس المخلوع بشار الأسد في مقتل ما يربو على 200 من قوات الأمن وأشعلت فتيل أعمال انتقامية استمرت أياماً، وهو ما جعل ديب يعيش في خوف.
وأدت عمليات نفذتها قوات تابعة للحكومة إلى مقتل ما يقارب 1500 علوي، ودفعت عشرات الآلاف إلى الفرار خوفاً على حياتهم. وانهارت مع هذه الأحداث العلاقة الهشة بين العلويين، الطائفة التي ينتمي إليها الأسد، والحكومة الجديدة.
تدارك الضرر
ومنذ ذلك الحين تحاول الحكومة الجديدة تدارك الضرر من خلال منح العفو لأشخاص مثل ديب وغيره ممن انجرفوا إلى أعمال العنف في مارس، وتقديم مساعدات اقتصادية محدودة للطائفة العلوية بصورة عامة.
رافقت "رويترز" فريقاً من أعضاء اللجنة الحكومية المشكلة للإشراف على هذه العملية في محافظتي اللاذقية وطرطوس الساحليتين، وتحدثت إلى عشرات العلويين الذين تلقوا دعمها، وإلى 15 مسؤولاً أمنياً سابقاً من العلويين يعملون حالياً مع الحكومة السورية. وتعرف هذه الهيئة رسمياً باسم اللجنة العليا للحفاظ على السلم الأهلي.
وتحدثت اللجنة والمستفيدون منها عن محاولة ناشئة ومثيرة للجدال لكسب ولاء العلويين في سوريا، الذين عانى كثر منهم الفقر تحت حكم الأسد على رغم تمتعهم بامتيازات في الوظائف الحكومية نظراً إلى انتمائهم الطائفي. ويمكن أن يسهم كسب ولائهم في تمكين الحكومة الجديدة من بسط سيطرتها على المنطقة وإظهار تقدم صوب تحقيق تعهد الرئيس أحمد الشرع خدمة جميع السوريين.
ويدير هذه المبادرة قادة سابقون في طرفي الحرب السورية التي دامت 14 عاماً، وتقدم المبادرة مساعدات مالية وفرص عمل وخدمات طبية لمئات العلويين بمن فيهم عشرات حاصلون على عفو مقابل تعهدهم بعدم القتال مجدداً أو بالمساعدة في ثني آخرين عن حمل السلاح.
سعي إلى تحقيق التوازن
رداً على أسئلة من أجل هذا التقرير قال حسن صوفان عضو اللجنة العليا للسلم الأهلي إن الحكومة تسعى إلى تحقيق التوازن في جهودها تجاه العلويين والحاجات الواسعة للشعب السوري عموماً، بمن فيهم السنة المتضررون من نظام الأسد. وأضاف "هناك توازن يجب أن نحققه" للتأكد من أن يشعر الجميع بالمعاملة العادلة. وأقر صوفان بوجود بعض الغضب الشعبي إزاء تعاون السلطات الجديدة مع أعضاء من المؤسسة الأمنية للرئيس المخلوع، لكنه قال إن القيادة السورية ترى الأمور من منظور أوسع. وأضاف "يجب على الشعب السوري أن يمضي قدماً. هذا لا يعني قبول الجرائم الكبرى التي وقعت. يجب محاسبة من ارتكبوا جرائم خطرة، لكن الغالبية العظمى من السوريين أبرياء".
وكان ديب أحد المستفيدين من هذا النهج المتسامح، ونفى مشاركته في أي أعمال عنف خلال انتفاضة مارس، وقال إن دوره اقتصر على التواصل وإنه ساعد أيضاً في إنقاذ حياة العشرات من قوات الأمن الذين احتجزهم المسلحون رهائن، وتوسط في عودتهم. وأكد مسؤول حكومي مطلع على جهود وساطته روايته.
وقال ديب من مقهى افتتحه في القرداحة، مسقط رأس الأسد، بأموال من اللجنة "قررت أن أفعل شيئاً من أجل المستقبل".
صناع سلم غير متوقعين
القائمون على اللجنة لديهم تاريخ في ميادين القتال. فصوفان، وهو سني من اللاذقية، قائد سابق في صفوف المعارضة المسلحة. وخالد الأحمد، الذي ساعد الأسد على استعادة أراض خلال الحرب عبر اتفاقات استسلام قبل أن يدب الخلاف مع الرئيس المخلوع وفي النهاية قرر دعم الشرع، صديق طفولته.
أما رجل الأحمد على الأرض فهو فادي صقر، العلوي الذي قاد مجموعة مسلحة موالية للأسد سيئة السمعة تعرف باسم قوات الدفاع الوطني، والتي اتهمتها منظمات حقوق الإنسان بارتكاب مجازر وجرائم نهب وانتهاكات. وأدرجت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي صقر في قائمة للعقوبات لدوره في مذابح وقعت خلال الحرب.
ونفى صقر أي دور له في تلك الجرائم، لكنه أحجم عن الإجابة عن مزيد من الأسئلة. وأقر صوفان بأن الحكومة السورية تتعاون مع صقر قائلاً إنه ساعد في منع إراقة الدماء عند سقوط الأسد.
وأثار التعاون مع صقر انتقادات للجنة بوصف ذلك بأنه محاولة سطحية من الحكومة الجديدة لترسيخ حكمها، بينما تسمح لشخصيات النظام السابق سيئة السمعة بالإفلات من العقاب.
"ملفات قيصر"
وقال أسامة عثمان، الذي ساعد قبل أكثر من عقد مضى في تسريب آلاف الصور، المعروفة باسم "ملفات قيصر"، لمعتقلين قضوا نحبهم في سجون الأسد "من أنتم لتسامحوا من قتل أبناءنا بأبشع الطرق. وبالعكس، تجعلونهم رموزاً للسلم الأهلي".
وتقول الحكومة إن المرشحين لنيل العفو يخضعون للتدقيق لضمان عدم العفو عن أي شخص ارتكب جرائم خطرة خلال الحرب الأهلية. إلا أن العملية نفسها تتسم بالغموض.
وتقول "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" إن سلطة اللجنة في منح العفو والإفراج عن المعتقلين تقوض الشفافية والمساءلة واستقلال القضاء.
وقال غريغوري ووترز الباحث البارز في برنامج سوريا التابع للمجلس الأطلسي "أسهمت جهود فادي صقر بصورة كبيرة في الحفاظ على السلام الظاهري، لكنها لم تسهم بالقدر الكافي في تهدئة المخاوف وبناء الثقة وسط السكان المحليين مقارنة بمبادرات شعبية أخرى تعمل مع المسؤولين المحليين".
ويعارض عمل اللجنة كثر من أفراد الطائفة العلوية ومنهم أصحاب مواقف متشددة يرون التعاون مع السلطات السورية ذات التوجه الإسلامي خيانة عظمى. وأفاد أفراد على صلة باللجنة بأنهم يدركون أنه من المحتمل أن يستهدفهم مسلحون علويون. واغتيل مرشح علوي في انتخابات برلمانية نظمتها الدولة في سبتمبر (أيلول).
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مخططات "قذرة"
وفيما كانت "رويترز" تغطي عمل اللجنة في الدالية، وهي قرية جبلية نائية وخلابة انطلقت منها انتفاضة مارس، قالت صفحة علوية مناهضة للحكومة على "فيسبوك" إن صقر جلب الصحافيين إلى هناك ضمن مخططات "قذرة". وتعقبت سيارة ذات نوافذ معتمة الصحافيين إلى خارج القرية قبل أن تحذرها دورية أمنية حكومية في نهاية المطاف.
ولم يكن صقر موجوداً في مهمة التغطية الصحافية، لكن أعضاء فريقه المعني بالسلم الأهلي كانوا على مقربة من المقابلات التي أجريت مع السكان. وتواصلت "رويترز" لاحقاً مع هؤلاء السكان عبر الهاتف.
جهود رمزية
وسط هذه الأجواء قال سكان علويون في منطقة الساحل إن الجهود المبذولة ضئيلة للغاية لمعالجة الأضرار الجسيمة التي خلفتها أحداث الساحل، فضلاً عن الفقر المستشري وانعدام الأمن المستمر في المناطق الساحلية. وأقر صوفان بوجود قيود مالية.
وبعد مرور أكثر من تسعة أشهر على أعمال العنف، تقول اللجنة إنها لم ترمم سوى أقل من 10 في المئة من نحو 1000 منزل متضرر.
وبدأت اللجنة إجراء إصلاحات أساسية في بعض منازل أقاربه، لكن بعد زيارة "رويترز" في سبتمبر قال طوير إن أعمال الإصلاح توقفت تماماً. وأضاف أن المخاوف من تجدد العنف تجعل السكان يتجنبون التردد على ورشته ما أدى إلى انخفاض دخله بصورة كبيرة.
وسلطت تظاهرات العلويين في الأيام الماضية والشهر الماضي الضوء على التحديات التي تواجهها اللجنة.
حكم لا مركزي
ففي الـ28 من ديسمبر (كانون الأول) هتف آلاف العلويين مطالبين بحكم لا مركزي والإفراج عن المعتقلين. لم يدم احتجاجهم سوى ساعة قبل خروج تظاهرة مؤيدة للحكومة. وفضت قوات الأمن ذلك الحشد بإطلاق أعيرة نارية، وحدث في احتجاج آخر الشهر الماضي رفع مطالب مماثلة.
وبدأت السلطات محاكمات علنية في شأن أعمال العنف في مارس، وتعد نتائجها اختباراً حقيقياً للمساءلة في سوريا الجديدة.