ملخص
من مذهب ديني مرتبط بالشيعة الاثني عشرية إلى طائفة مستقلة استقرت في جبال الساحل السوري وريفها الشرقي والجنوبي، ثم إلى مخزون اجتماعي استفاد منه نظام الأسد الأب والابن على مدى عقود لتثبيت وتسيير حكمهما في البلاد، يواجه العلويون لحظة تاريخية حرجة من دون أفق واضح يخلصهم من عملية انتقام قد تطول.
ارتبط اسم العلويين في سوريا بنظام الأسد خلال العقود الأخيرة، وتأزم هذا الربط خلال أعوام الحرب السورية التي أخذت بعداً طائفياً وسياسياً معقداً تداخلت فيها عوامل محلية وإقليمية ودولية استفادت من التناقضات الموجودة في المجتمع السوري، الأمر الذي أطال عمر الأزمة السورية بسبب تعقيداتها الجيوسياسية والاجتماعية.
لا يعتبر الوجود العلوي في سوريا طارئاً كأحد المجتمعات المحلية في الخارطة الجغرافية السورية، إذ يعود تاريخ وجودهم إلى نحو 1000 عام في البلاد، وأكثر من 800 عام في مناطق الساحل السوري، فيما تذهب بعض السرديات التاريخية إلى أن وجود بعضهم يعود إلى عهود قبل الإسلام، لكن المعروف وفق الدراسات التاريخية أنهم أتباع مذهب إسلامي شيعي اثني عشري، وشكل هذه الطائفة محمد بن نصير النميري الذي كان من أتباع الإمام الحسن العسكري في القرن التاسع الميلادي، وعليه فهم معروفون أيضاً في الأدبيات والمرويات الشعبية بـ"النصيرية".
طائفة غير مرغوبة
استطاعت هذه الطائفة الانتعاش في زمن الدولة الحمدانية بحلب، لكن ضاقت بهم الحال بعد سقوط هذه الدولة واضطروا إلى الاستقرار في جبالها وتحصنوا بها بسبب مناعتها الجغرافية، إلا أنهم لم يسلموا من الصراعات المحلية كصدامهم مع الطائفة الإسماعيلية وكذلك مع الصليبيين، لكن ازداد الخناق عليهم كطائفة غير مرغوب فيها مع وصول المماليك إلى الحكم وصدور فتاوى باعتبارهم "مرتدين عن الإسلام"، وجرى تكفيرهم وعدم التعامل معهم، وانسحب الأمر عليهم زمن الإمبراطورية العثمانية، وهو ما زاد في عزلتهم وعدم تبوئهم مناصب رسمية بسبب اعتبارهم فئة "ضالة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
استمر ذلك الوضع حتى أواخر عهد السلطان عبدالحميد الثاني الذي شهد محاولة لإعادة دمجهم وإشراكهم في مفاصل الدولة محلياً، لكن تلك المحاولة لم تؤتِ أي نتائج تذكر، ليكون الانعطاف والفرصة في زمن الانتداب الفرنسي الذي فتح المجال لانضمام شباب الطائفة العلوية إلى الجيش المشكل حديثاً في سوريا، الذي عرف بـ"جيش المشرق"، فأصبح ذلك فرصة للتوظيف والانخراط في سلك الدولة، خصوصاً أن فرنسا قسمت سوريا المعروفة حالياً بحدودها إلى أربع دول، منها دولة العلويين إلى جانب دولة حلب ودولة دمشق ودولة الدروز.
انخراط في الجيش
شكل هذا الانخراط لاحقاً رافعة ليكون العلويون أكثر انخراطاً في سلك الدولة، خصوصاً بعد خروج فرنسا من البلاد عام 1946 وبدء تشكل الحكومات الوطنية التي ترافقت مع سيطرة العسكر من خلال انقلاباتهم على بعضهم بعضاً، كذلك ازداد انضمام شباب الطائفة ومثقفيها إلى الأحزاب القومية والاشتراكية، لا سيما حزب البعث العربي الاشتراكي الذي وصل إلى السلطة بانقلاب أعضائه العسكري في مارس (آذار) 1963، ثم تشكل اللجنة العسكرية التابعة لحزب البعث، التي كان أعضاؤها البارزون ضباطاً علويين هم صلاح جديد ومحمد عمران وحافظ الأسد، إذ ظهر صراع بينهم انتهى بانقلاب حافظ الأسد على رفيقه صلاح جديد بعدما أطاحا بعمران قبل ذلك بأعوام، لتبدأ مرحلة جديدة في حكم سوريا، وتدخل الطائفة العلوية مرحلة جديدة من تاريخ وجودها في البلاد.
استطاع حافظ الأسد الاستفادة من العوامل المحيطة به لتثبيت حكمه وسلطته الفردية من خلال أذرع تحكم بها على مستويات عدة داخل الدولة، فقد كان الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي الذي حكم البلاد عقوداً وفق الدستور في مادته الثامنة، التي تنص على أن الحزب هو قائد الدولة والمجتمع، ورتب فيها حافظ الأسد الشخصيات والشرائح في المجتمع السوري بما يضمن الولاء له، وفي هذه الذراع كان لشخصيات علوية مقربة منه مكاناً وسطوة تؤمن للأسد الولاء والسيطرة، في حين أن الموظفين والمعلمين والعاملين في سلك الدولة بما فيه الجيش والقوى الأمنية كان غالبيتهم ينتسبون إلى الحزب باعتباره قائداً للدولة والمجتمع، وبمثابة شرط لحسن السلوك والولاء.
المنافسة والغلبة
لكن الانضمام الأكبر للشبان العلويين كان للجيش والقوى الأمنية، فإلى جانب الحاجة إلى تأمين العمل والمرتب الشهري، وكذلك المستوى الاقتصادي المتدني للمجتمعات العلوية في جبال الساحل بمحافظتي طرطوس واللاذقية وأرياف حماة وحمص، الذي بدوره أفرز مجتمعاً ريفياً فقيراً عانى التهميش والإقصاء قروناً طويلة في محيطه الاجتماعي والسلطوي، كانت المنافسة شديدة في الخفاء مع المكونات السورية الأخرى، لا سيما المكون العربي السني الذي كان الأكثر عدداً في مرتبات الجيش والأجهزة الأمنية، إذ ينحدرون من بيئات ومحافظات سورية مختلفة، فضلاً عن انخراط كل من الدروز الذين كان لهم حضورهم في كل من حزب البعث والجيش السوري منذ تأسيسه، إلا أن نظام الأسد وحتى قبل تسلمه السلطة استطاع تقويض وجودهم وتحجيمه في الجيش.
كذلك كان للمكونات الأخرى حضورها ومشاركتها كالإسماعيليين والمرشدية وكذلك المسيحيون والتركمان والشركس بنسبة أقل، ومعظم هؤلاء لم يتبوأوا المناصب القيادية إلا في ما ندر، وذلك لصالح المنتمين إلى الطائفتين العلوية والسنة الذين كانت لهم حظوة لدى نظام الأسد وفق معايير الولاء الخاصة به.
وكان المكون الكردي الغائب الأبرز عن أجهزة الدولة، لا سيما الجيش والأمن، وكان استبعادهم لأسباب سياسية تتعلق بهوية الدولة وتشكيلهم خطراً على أمنها وفق التقييمات الأمنية الداخلية، إضافة إلى استمرار سياسات عنصرية تجاههم منذ خمسينيات القرن الماضي.
وقود الحرب
خلال أعوام الحرب السورية ضربت أمواج عاتية من العنف والقتل سكان الساحل السوري من العلويين، وكانوا رأس الحربة في حرب النظام ضد الفصائل المعارضة، خصوصاً بعدما تحولت إلى صراع مسلح اتخذ بعداً طائفياً بشكل غير معلن وغذته أجندات إقليمية ودولية، فتحول الصراع الداخلي البيني إلى صراع على سوريا كحلقة من مشاريع متضاربة الأهداف والمصالح، وأصبح السوريون مرتين ضحية في الحرب، مرة بسبب تناقضاتهم الداخلية التي تحمل أبعاداً اجتماعية وتاريخية وطائفية ومصلحية، ومرة عندما أصبحوا أطرافاً وأدوات وعوامل صراع إقليمي واسع.
وتقدر بعض الإحصاءات أن أكثر من 100 ألف رجل من الطائفة العلوية قتلوا في الحرب التي بدأت في 2011 وحتى سقوط الأسد العام الماضي، في حين أن عشرات الآلاف تمكنوا من الهجرة هرباً من الحرب، كذلك اعتقل الآلاف منهم بعد سقوط النظام كأسرى حرب وما زال مصيرهم غير محدد حتى الآن، وتطالب عائلاتهم بإطلاق سراحهم.
على رغم خلفية عائلة الأسد المتواضعة اجتماعياً بين العلويين باعتبارهم عائلة غير معروفة بين أوساطهم وجاءت إلى المنطقة من تركيا، وروايات أخرى تقول إنهم من العراق ولكن تزوجوا وتصاهروا مع عائلات وعشائر علوية معروفة واستطاعوا تبوء المكانة الاجتماعية الرفيعة بينهم، خصوصاً خلال القرن الماضي وصعود حافظ الأسد على سلم السلطة، رابطاً مصير الطائفة بحكمة عبر وشائج عدة، لكنه لم يتح المجال لهم، سواء بواجهات اجتماعية وقبلية معروفة، أو بتنظيمات سياسية مغايرة لحزب البعث بين العلويين، فقد كان أشد فتكاً بهم من أقرانهم السوريين الآخرين، وعلى رغم انتشار الفكر اليساري في بعض أوساط العلويين في سوريا، فإن ناشطي ما عرف بـ"حزب العمل الشيوعي" من العلويين قضوا أعواماً طويلة في السجون، بعضهم من دون محاكمات، وآخرون بقوا مخفيين قسراً، ولعل أبرزهم عبدالعزيز الخير الذي عرف بمعارضته النظام قبل اندلاع الاحتجاجات في 2011 وأثناءها، وما زال مصيره مجهولاً حتى الآن، في حين فرّ آخرون خارج البلاد خوفاً من البطش والتنكيل.
لحظة الانتقام
شكل سقوط النظام في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024 صدمة مدوية لدى المجتمع العلوي في سوريا، الذي وجد نفسه وحيداً في مواجهة عملية انتقامية متوقعة جراء أعوام الصراع التي غذتها أفعال وخطابات طائفية من المتحاربين، ناهيك بحالات قتل على الهوية، وعلى رغم فرار الآلاف من العسكريين إلى مناطق غير معروفة حتى الآن، وتسليم آخرين أنفسهم وسلاحهم، فلم يسلم المجتمع العلوي من الانتقام ولو بدا محدوداً في مارس (آذار) الماضي، إذ راح ضحيته نحو 1500 شخص غالبيتهم من المدنيين، بعدما اجتاح مناطقهم عشرات الآلاف من المسلحين المحسوبين على السلطة الحالية عقب مقتل عدد من أفراد قوى الأمن العام، الذي انتشر حديثاً وقتها في المنطقة من قبل عدد من المسلحين الموالين للنظام السابق بحسب روايات رسمية.
بعد الحادثة بساعات قليلة برزت نداءات في جوامع محافظات عدة، لا سيما القريبة من الساحل كإدلب وحلب وحماة وحمص، للقتال ضد "النصيرية"، الأمر الذي أدى إلى مجازر عدة في المدن والقرى الساحلية التي يقطنها العلويون، ناهيك بحالات إخراج كثير من عائلاتهم من مساكنها في محيط دمشق وحمص وغيرهما.
شكلت هذه الحادثة نقطة مفصلية في الشارع العلوي، إذ ظهر على أثرها عدد من الجهات التي تتحدث باسم العلويين، أبرزها المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر برئاسة الشيخ غزال غزال، الذي يحظى باحترام ملحوظ في الشارع العلوي، وكذلك مجلس وسط وغرب سوريا، وهذان الطرفان يدعوان إلى اتخاذ الفدرالية نظاماً سياسياً لا مركزياً يؤمن للعلويين في مناطقهم إدارتهم الخاصة وحمايتهم المستقلة، في حين ظهرت أصوات أخرى تتحدث باسم العلويين وتتوجه إليهم برسائل سياسية وخطابات، ومحسوبين على النظام السابق كرامي مخلوف ابن خال الرئيس السابق بشار الأسد.
لا شك أن العلويين في سوريا يمرون بفترة تاريخية حرجة من عمر وجودهم في سوريا، فبعد عقود من البروز كطائفة وازنة في واجهة السلطة يواجهون مصير الانتقام، ولعل مشهد ازدحام طريق حمص - طرطوس والطوابير الطويلة للسيارات الممتدة على طول الطريق بين دمشق ومدن الساحل السوري ساعة هروب بشار الأسد، أعادت عقارب الساعة إلى زمن قد يشبه مثيله قبل أكثر من 100 عام، عندما لجأوا إلى جبال الساحل وقراه، ولكن هذه المرة الأسلحة مصوبة إلى رؤوسهم باسم جهات مختلفة توجهها خلافات عقائدية ومذهبية، وتاريخ مثقل بروح الانتقام التي لا يمكن لجمها إلا بمعجزة تدعى المصالحة الوطنية الشاملة.