Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تسقط التدخلات العربية نظرية المؤامرة الغربية على العرب؟

منذ عام 2011 طرحت هذه القضية بشدة مع اندلاع ثورات "الربيع العربي"

أعاد المشهد السوداني التساؤلات حول حقيقة تدخلات الدول العربية في شؤون بعضها بعضاً (أ ف ب)

ملخص

لا يبدو أن نظرية المؤامرة قد غادرت المخيال الشعبي والخطابات السياسية في العالم العربي الذي يعج بالتناقضات السياسية والأمنية والدبلوماسية.

تثير الاتهامات التي يوجهها الجيش السوداني بقيادة عبدالفتاح البرهان لدول عربية بإذكاء صراعه مع قوات "الدعم السريع" بقيادة محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي" تساؤلات حول حقيقة تدخلات الدول العربية في شؤون بعضها بعضاً.

لا تعد المسألة وليدة اللحظة، فمنذ عام 2011 طرحت هذه القضية بشدة مع اندلاع ثورات ما يسمى  "الربيع العربي"، إذ اتهمت دول عربية بدعم أطراف سياسية معينة على غرار جماعات الإسلام السياسي في دول مثل مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا.

وحتى قبل أحداث "الربيع العربي" نشبت خلافات حادة بين دول عربية مثل الجزائر والمغرب في شمال أفريقيا، بسبب دعم الأولى جبهة بوليساريو التي تسعى إلى الانفصال عن المملكة المغربية مما أدى إلى قطيعة حادة بين البلدين، وهي قطيعة لم يفلح كثير من الوساطات في إنهائها مما يكرّس مشكلات عربية معقدة رغم حجم الثروات الهائلة التي تزخر بها الدول العربية.

 

نقاش جاد

وأدت حروب ونزاعات إلى ترسخ شبه قناعة داخل الشارع العربي مفادها وجود مؤامرات غربية ضد الدول العربية، التي بات كثير منها يئن تحت وطأة أزمات مزمنة على غرار اليمن والسودان وليبيا وسوريا، وشهدت تلك الدول حروباً أهلية اختبرت بالفعل مدى صدقية المؤامرة الغربية، فعلى رغم وجود عوامل خارجية تذكي الصراعات فإن هناك بصمات عربية خالصة في تلك النزاعات.

في السياق رأى الباحث السياسي الموريتاني سلطان ألبان أن "تدخل الدول العربية في شؤون بعضها بعضاً يعكس منظومة معقدة من الدوافع السياسية والاقتصادية والأمنية، ويطرح نقاشاً جاداً بالفعل حول صدقية نظرية المؤامرة حول الشؤون العربية خصوصاً عندما يكون الفاعل عربياً لا خارجياً".

وأوضح ألبان أن "الدوافع الأساسية للتدخل العربي أولها البعد الأمني، فمثلاً مصر تعتبر ما يحدث في ليبيا والسودان قضية أمن قومي، بسبب طول الحدود والتدخلات السكانية والتبادلات بين هذه الشعوب، وهناك أيضاً دوافع اقتصادية، فالتنافس بين دول الخليج وتركيا حول مصادر الطاقة والأسواق والمنافذ البحرية أحد أبرز العوامل"، مشيراً أيضاً إلى أن "هناك دافعاً ثالثاً، وهو الصراعات الأيديولوجية والدينية، إذ يدعم كل بلد خارجي الطرف المحلي القريب من توجهاته الأيديولوجية والدينية لضمان صعود حلفاء إلى هرم السلطة".

وشدد الباحث السياسي الموريتاني على أنه "لا شك أن هناك عاملاً آخر مرتبطاً باعتبارات سياسية كالانتقال الديمقراطي، وهذا أيضاً له تأثيرات في استقرار أنظمة الحكم في دول مجاورة مثلما حدث عند سقوط عمر البشير في السودان، ومن ثم التدخلات العربية - العربية أصبحت جزءاً من أدوات التنافس والنزاع الداخلي العربي، ولم تعد حكراً على الفواعل الغربية أو الأجنبية، مما يفرغ بالفعل نظرية المؤامرة من مضمونها لغياب اللاعب الغربي المباشر".

وبين ألبان أن "هذا الغياب يظهر عدم صدقية أن كل أزمة داخل البلدان العربية تدار من وراء البحار، وحقيقة التنافس العربي - العربي باتت واضحة في ادعاءات سياسية تخدم أطراف المنطقة أنفسهم". لافتاً إلى أنه ''على رغم استمرار وجود أبعاد نظرية المؤامرة في الخطاب الشعبي والنخبوي فإن واقع التدخلات العربية يفرض قراءة أكثر تعقيداً وواقعية لفهم تفاعلات المنطقة، فالأدبيات الأكاديمية تشير إلى أن الفشل في الانتقال الديمقراطي هو المحرك الرئيس والمحدد للصراع، وأن التدخل العربي عادة ما يكون من أجل تصدر الأزمة وتوزيعها وحماية مصالح أنظمة الحكم، لذلك لا يمكن اعتبار التدخلات العربية سقوطاً لجوانب نظرية المؤامرة كافة، لكنها بطبيعة الحال تقوض السردية الوحيدة التي تقول إن الغرب هو سبب انهيار العرب".

 

موضوع معقد

يحيط الغموض كثيراً من الدول العربية التي تواجه انقسامات حادة على غرار السودان الذي يشهد منذ نحو عامين حرباً داخلية محتدمة بين قوات "الدعم السريع" والجيش، وسط اتهامات لدول عربية بالتدخل لفائدة طرف على حساب آخر، وبات مشهد التراشق الدبلوماسي بين دول عربية وأخرى بسبب تدخلات مزعومة أمراً مألوفاً أكثر من أي وقت مضى، مما يثير تساؤلات جدية حول دلالات ذلك وتأثيره في صدقية نظرية المؤامرة الغربية.

الباحث السياسي السوداني عثمان عبدالرحمن سليمان رأى أن التدخلات العربية في الشؤون الداخلية لدول عربية أخرى تعد موضوعاً معقداً يتداخل فيه كثير من العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وقال "بحجة الأمن القومي يمكن أن تتدخل بعض الدول العربية في شؤون الدول الأخرى لحماية أمنها القومي من خلال التدخل في دول الجوار التي تعاني عدم الاستقرار".

وأبرز سليمان، في تصريح خاص، أن "هذه التدخلات تعتبر وسيلة للحد من انتشار الفوضى أو التهديدات الأمنية، وهناك كثير من الأمثلة لذلك نجد أن السودان محاط بدول جوار لديها نظرة بأن أي توترات عسكرية فيه ستؤثر في أمنها القومي، وهنا يتفق كثير من الآراء والنظريات المنطقية وهو أحد أكثر التدخلات شيوعاً".

وأكد سليمان أن "التحالفات السياسية تبرز التحالفات الإقليمية كدافع رئيس، إذ تسعى دول إلى دعم حلفائها في مواجهة خصومهم، مما يمكن أن يؤدي إلى تدخلات عسكرية أو سياسية لدعم أطراف معينة، وأيضاً المصالح الاقتصادية تؤدي دوراً كبيراً، إذ تسعى الدول إلى تأمين مواردها أو أسواقها من خلال التأثير في الأحداث في دول أخرى"، ولفت الباحث السياسي السوداني إلى أنه "قد تكون هناك دوافع أيديولوجية، إذ تسعى دول عدة إلى نشر رؤيتها السياسية أو الثقافية في المنطقة، لذلك يمكننا القول إن نظرية المؤامرة لا تسقط".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ضعف هيكلي

وهذه التدخلات العربية تعود في الواقع إلى عقود سابقة، وأحياناً تكون دوافعها شخصية أو بسبب طموحات مشتركة لم تتحقق على غرار ما حدث بين تونس وليبيا إبان حكم العقيد الراحل معمر القذافي والزعيم الحبيب بورقيبة، فالرجلان اتفقا على إقامة "الجمهورية العربية الإسلامية"، وهي اتحاد بين تونس وليبيا قبل أن يتراجع بورقيبة، مما أدى إلى صراعات بالوكالة ومحاولات من القذافي لإطاحة نظيره التونسي، وتجسد ذلك خلال هجوم قفصة عام 1980 الذي شنه معارضون لنظام بورقيبة تلقوا تدريبات في ليبيا، وردت تونس باتهام ليبيا بالوقوف خلف الهجوم من خلال التخطيط ودعم المعارضين التونسيين، وردت الحكومة التونسية آنذاك باستضافة معارضين ليبيين مما عكّر صفو العلاقات بين البلدين الجارين.

لذلك رأى الباحث السياسي التونسي هشام الحاجي أن "تدخل الدول العربية في شؤون بعضها بعضاً ليس أمراً مستحدثاً، وهو من السمات التي ظلت حاضرة منذ استقلال الغالبية الساحقة للدول العربية، ذلك أن الدول العربية تشكو من ضعف هيكلي يجعلها تحاول أن تغطي عليه بإثارة مشكلات مع جيرانها".

وأضاف الحاجي "لا شك أن الأعوام الأخيرة شهدت تعمق هذا التدخل بخاصة مع ميل بعض الدول إلى لعب دور الوكالة وتنفيذ المخططات الدولية، خصوصاً الأميركية، لكن يجب الإشارة إلى أمر مهم وهو أن نظرية المؤامرة في السياسات الدولية موجودة وتعد مكوناً مهماً من مكوناتها"، وتابع "في اعتقادي التدخلات العربية في شؤون دول عربية محددة تعتبر جزءاً من مؤامرة دولية وتأثيرها سلبي للغاية في الاستقرار في الدول المستهدفة".

تآكل المنظومة العربية

على رغم وجود جامعة الدول العربية فإن الخلافات الدبلوماسية والسياسية تطغى الآن على العلاقات بين الدول العربية، في تطور يكرس حالاً من التباعد بينها ويدحض بصورة كبيرة نظرية المؤامرة التي ظلت أعواماً تتسيد المشهد، إذ يرجع الشارع العربي أي أزمة أو مشكلة إلى أيادٍ غربية.

وقال الباحث السياسي المغربي المهتم بالشأن العربي عبدالمالك أهلال "في البداية لا بد من الإشارة إلى أن ظاهرة تبادل الاتهامات العلنية بين دول عربية بالتدخل في الشؤون الداخلية ليست مجرد خلافات دبلوماسية عابرة، بل هي مؤشر إلى تحول هيكلي عميق في المشهد الإقليمي".

وفي تقدير أهلال لفهم أبعاد هذه الظاهرة "يجب تفكيكها إلى مستويين متداخلين، أولاً، على مستوى الدلالات الجيوسياسية، نحن نشهد نهاية حقبة وبداية أخرى، وأيضاً، لقد تآكلت بصورة كبيرة المنظومة العربية التقليدية القائمة على فكرة الأمن القومي العربي المشترك والمجاملات الدبلوماسية، التي كانت تجد في جامعة الدول العربية إطارها الرمزي، ويحل محلها اليوم نظام إقليمي جديد تتصرف فيه كل دولة كفاعل مستقل تحركه مصالحه الوطنية البحتة".

وأضاف أهلال في تصريح خاص أن "هذه الاتهامات هي التعبير الصريح عن هذا الواقع، وهي تحمل كثيراً من الدلالات، فهناك أزمة الشرعية الداخلية، ففي كثير من الأحيان يكون التصعيد الخارجي انعكاساً لأزمات داخلية، إذ عندما يواجه نظام ما تحديات اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، يصبح تصدير الأزمة عبر خلق عدو، حتى لو كان عربياً، استراتيجية فعالة لصرف الانتباه، وحشد الرأي العام المحلي تحت راية الدفاع عن السيادة والوطنية''.

مواجهة إعلامية

بحسب الباحثين المتخصصين فإن هناك أدوات تسخرها الدول العربية من أجل التدخل في نظيرتها مثل الخطاب الإعلامي الذي يستهدف تلك الدول وأنظمتها، ولفت أهلال إلى أن "هناك نوعاً من الانتقال من الدبلوماسية الهادئة إلى المواجهة الإعلامية، إذ أصبحت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي ساحة جديدة للصراع، ولم تعد الاتهامات تقتصر على القنوات الدبلوماسية المغلقة، بل أصبحت جزءاً من خطاب سياسي شعبوي يهدف إلى تشكيل الرأي العام وتشويه صورة الخصم أمام شعبه وأمام العالم".

وبحسب المتحدث ذاته فإن "هذه المواجهة تشكّل انعكاساً لصراعات الوكالة، فهذه الاتهامات اللفظية ليست منفصلة عن الواقع الميداني، إنها في الغالب الغطاء السياسي لصراعات نفوذ حقيقية تدور رحاها بالوكالة في دول أخرى، حيث تدعم دول عربية مختلفة أطرافاً متناحرة".

نظرية المؤامرة

مع ذلك، لا يبدو أن نظرية المؤامرة قد غادرت المخيال الشعبي والخطابات السياسية في العالم العربي الذي يعج بالتناقضات السياسية والأمنية والدبلوماسية، إذ قال عبدالمالك أهلال "على المستوى الثاني، وعلاقة ما سبق بنظرية المؤامرة، فإن هذا الوضع لا يلغيها، بل العكس يطورها ويجعلها أكثر تعقيداً وقوة".

وتابع "يمكن القول إننا انتقلنا من المؤامرة الخارجية الكلاسيكية التي يكون مصدرها غالباً قوة غربية أو إقليمية غير عربية إلى المؤامرة البينية العربية، وهذا التحول له خطورته الخاصة التي تكمن في إضفاء الصدقية على المؤامرة. عندما يأتي الاتهام من دولة شقيقة تتشارك معها اللغة والثقافة والتاريخ، فإنه يكتسب صدقية أكبر لدى الرأي العام المحلي مقارنة بالاتهام الموجه لعدو تقليدي بعيد".

وذهب الباحث السياسي إلى أبعد من ذلك من خلال القول إن "الأخطر هو أن هذه الاتهامات تستند أحياناً إلى وقائع حقيقية مثل تمويل معارضة أو استضافة شخصيات معارضة، لكنها تضعها في إطار تآمري كلي يهدف إلى تدمير الدولة أو في الأقل إضعافها، مما يطمس الخط الفاصل بين التحليل الجيوسياسي للمصالح المتضاربة والخطاب التجييشي القائم على المؤامرة".

وختم "في المحصلة أعتقد أن هذه الاتهامات ليست مجرد زوبعة في فنجان، بل هي العرض الأكثر وضوحاً لتفكك النظام الإقليمي العربي القديم، وصعود نظام جديد قائم على التنافس الحاد والمصالح الوطنية الضيقة، وهي لا تلغي نظرية المؤامرة، بل تعيد إنتاجها في نسخة داخلية، مما يزيد من عمق الانقسامات ويسمم الفضاء العام العربي، ويجعل أي محاولة مستقبلية للمصالحة أو العمل المشترك أكثر صعوبة وتعقيداً".

المزيد من تقارير