ملخص
تأتي خطوة "البوليساريو" بعد توجهات محتملة من المجتمع الدولي لحل أزمة الصحراء بصورة نهائية، وذلك بضغط من الولايات المتحدة وبدعم الدول الأوروبية التي سبق لها إعلان اعتمادها الطرح المغربي لطي الملف.
أعلنت جبهة البوليساريو استعدادها الدخول في مفاوضات مباشرة مع المغرب، من أجل إيجاد حل سلمي لنزاع الصحراء، بعد عقود من المناوشات العسكرية المتقطعة والمحدودة بينها والمملكة على رغم توقيعهما اتفاقاً لوقف النار خلال سبتمبر (أيلول) عام 1991 برعاية الأمم المتحدة.
وكانت المملكة طرحت اقتراحاً لحل النزاع عام 2007، تمنح من خلاله الحكم الذاتي لإقليم الصحراء تحت السيادة المغربية، لكن الجبهة ترفض ذلك الطرح وتطالب بحق الصحراويين في تقرير مصيرهم عبر تنظيم استفتاء برعاية الأمم المتحدة، إذ أكدت ذلك في اقتراح التسوية الذي قدمته للأمم المتحدة خلال العام نفسه.
عود على بدء
قامت جبهة البوليساريو لعقود بالتلويح بإعلان الحرب على المغرب، إذ خاض الطرفان مواجهات حربية متكررة، واعتباراً للظروف الحالية التي تعرف رغبة المجتمع الدولي في حل النزاع، أقدمت البوليساريو مرة أخرى على الإعلان عن استعدادها للتوصل إلى حل سلمي، إذ قال زعيم الجبهة إبراهيم غالي في رسالة موجهة للأمين العام للأمم المتحدة، إنه "كبادرة حسن نية واستجابة لقرارات مجلس الأمن، قدمت الجبهة مقترحها إلى الأمين العام للأمم المتحدة خلال الـ10 من أبريل (نيسان) 2007، والذي أحاط مجلس الأمن علماً به في قراره رقم 1754 (2007) والقرارات اللاحقة"، مشيراً إلى أن المقترح يهدف إلى تمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير، من خلال استفتاء تحت إشراف الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي.
وعبر إبراهيم غالي عن استعداده للتفاوض مع المملكة المغربية على إقامة علاقات استراتيجية وذات منفعة متبادلة بين البلدين، موضحاً أن البوليساريو "بتقديمها مقترحها الموسع تظل مستعدة لتقاسم ’فاتورة السلام‘ مع الطرف الآخر، إذا توفرت لديه الإرادة السياسية لفعل الشيء نفسه بهدف التوصل إلى حل عادل وسلمي ودائم"، بالتالي فإن الجبهة مستعدة للدخول في مفاوضات مباشرة وجادة مع المملكة المغربية.
موقف ضعف
يوضح مراقبون أن رسالة زعيم البوليساريو بمثابة إعادة للاقتراح المطروح عام 2007، وأنه لا جدوى منها. ويقول العضو السابق في الجبهة مصطفى سلمى لـ"اندبندنت عربية"، "من حيث التوقيت، فإن مقترح الجبهة لا يمكن قراءته إلا على أنه استجابة للضغط الدولي، وهذا يظهرها في موقف ضعف"، مضيفاً أن الرسالة من حيث الجوهر لا تختلف عما قدمته البوليساريو منذ 2007، والمتعلق أساساً بتقاسم الثروات وحفظ مصالح المغرب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأكد أن "الغاية هي التشويش على الزخم الحاصل المتعلق بدعم الحكم الذاتي، ومحاولة لكسب الوقت أملاً في تغير موازين القوى الدولية، فعلى الأرض لم تستطع البوليساريو تحقيق أي مكسب منذ إعلانها العودة للحرب قبل خمسة أعوام، وتحالفاتها الدولية في تقهقر".
في المقابل، دافع مسؤول الشؤون الخارجية بجبهة البوليساريو، محمد يسلم بيسط، عن مبادرة الجبهة قائلاً إنه" اقتراح شامل وديمقراطي ويسترشد من الخيارات الممكنة، في إطار تصفية الاستعمار وممارسة الحق في تقرير المصير، بما فيها الاستقلال أو الاندماج في الدولة المغربية، أو غيرها من الخيارات الواردة في قرارات الجمعية العامة ذات الصلة (القرار 1514 لعام 1960 والقرار 2625 لعام 1970)".
وأضاف أن "البوليساريو" تدافع عن خيار الاستقلال الوطني، لكنها ستحترم إرادة الشعب الصحراوي وخياره الحر مهما كان، ولن تسمح بفرض أي خيار عليه، معتبراً أن" الاقتراح الصحراوي نابع من تطلعنا كشعب أفريقي ومغاربي للأهمية الاستعجالية، وضرورة تسريع الاندماج المغاربي والتكامل في شمال القارة الأفريقية، انسجاماً مع تطلعات شعوب المنطقة ورؤية الاتحاد الأفريقي".
بدوره، يؤكد المتخصص في القانون الدولي صبري الحو أن مبادرة البوليساريو لا تعدو أن تكون إعادة للاقتراح القديم نفسه، موضحاً أنها أصبحت متجاوزة لأنها تركز على الاستفتاء كحل وحيد لتقرير المصير تحت إشراف الأمم المتحدة، فإضافة لكون آلية الاستفتاء، التي تمت إعادة تكرارها ضمن "الاقتراح الموسع"، غير ممكنة بسبب الفشل في التوافق على الركن الأساس فيه، وهو تحديد القاعدة الانتخابية التي تجاوزتها الأمم المتحدة ومجلس الأمن بالانتقال إلى المقاربة السياسية، فضلاً عن كون مبدأ تقرير المصير لم يعد مرتبطاً بآلية تحديده التقليدية في الاستفتاء، بل بالاتفاق السياسي التوافقي وبدور ومسؤولية الأطراف.
دعم غربي
تأتي خطوة "البوليساريو" بعد توجهات محتملة من المجتمع الدولي لحل أزمة الصحراء بصورة نهائية، وذلك بضغط من الولايات المتحدة وبدعم الدول الأوروبية التي سبق لها إعلان اعتمادها الطرح المغربي لطي الملف، وبعد عمل إدارة الرئيس الأميركي ترمب على التوصل إلى اتفاق إنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة، ومحاولته الضغط من أجل وقف الحرب الروسية - الأوكرانية، تتجه إدارته حالياً إلى حل واحدة من أقدم النزاعات داخل القارة الأفريقية.
منذ إعلان ترمب عام 2020 عن سيادة المغرب على إقليم الصحراء، توالى دعم بعض الدول وخصوصاً الأوروبية للمقترح المغربي كأساس لحل النزاع، إذ أكدت فرنسا عام 2024 تبنيها المقترح، عندما قال رئيسها إيمانويل ماكرون عام 2024 إن المخطط "يشكل، من الآن فصاعداً، الأساس الوحيد للتوصل إلى حل سياسي عادل ومستدام ومتفاوض في شأنه، طبقاً لقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة". وأكدت بريطانيا أن الاقتراح المغربي يعد أكثر جدية وبراغماتية لحل الأزمة، وخلال الـ13 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن "مخطط الحكم الذاتي يمكن أن يكون حلاً ناجحاً إذا حظي بموافقة الأطراف المعنية، وأشرفت عليه هيئة الأمم المتحدة".
مشروع قرار حاسم
يروج تسريب لمسودة محتملة لمشروع قرار أميركي من المرتقب أن يعرض على مجلس الامن خلال جلسة نهاية الشهر الجاري، تخلص فيه إلى أن المقترح المغربي يشكل "الأساس الأكثر صدقية والإطار الوحيد للمفاوضات"، وبذلك يكاد المغرب يضمن اعتماد المجلس لمشروع القرار المحتمل، بالنظر إلى دعم كل من أميركا وفرنسا وبريطانيا لمقترحه، وتفادي في الأقل اعتراض كل من روسيا والصين بواسطة الفيتو.
من جانبها، عبرت الجبهة عن رفضها الشديد لمضمون مسودة مشروع القرار الأميركي المحتمل، إذ قال مستشار زعيم البوليساريو محمد البوخاري إن الولايات المتحدة "تريد تسليم الصحراء الغربية للمغرب"، مضيفاً أن "مجلس الأمن ليس لأميركا ولا لفرنسا وحدهما، ولن يقبل أن يتحول إلى مقاولة لبيع الأراضي أو توزيعها"، ومشدداً على كون مقترح الحكم الذاتي لن يكون قاعدة للحل "ولو أشرقت الشمس من مغربها".
ما المقترح المغربي؟
يمنح مقترح الحكم الذاتي لسكان إقليم الصحراء داخل الحدود الترابية للجبهة، ومن خلال هيئات تنفيذية وتشريعية وقضائية، اختصاصات عدة كالإدارة والشرطة المحلية والمحاكم، ومجال التنمية الاقتصادية والتخطيط الجهوي، وتشجيع الاستثمارات والتجارة والصناعة والسياحة والفلاحة، إذ تتوافر جهة الحكم الذاتي للصحراء على الموارد المالية الضرورية لتحقيق تنميتها في المجالات كافة، وتتكون من الضرائب والرسوم والإسهامات المحلية المقررة من لدن الهيئات المتخصصة للجهة من عائدات استغلال الموارد الطبيعية.
من جانبها، تحتفظ الدولة المغربية باختصاصات حصرية متعلقة بمقومات السيادة والأمن الوطني والدفاع الخارجي والوحدة الترابية والعلاقات الخارجية والنظام القضائي.
وأبدى الأمين العام للأمم المتحدة ضمن تقريره السنوي بخصوص الوضع في الصحراء الغربية، الصادر أمس الأربعاء "قلقاً بالغاً إزاء الوضع وتصلب المواقف، وحث جميع الأطراف على دعم العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة من أجل حل عادل ودائم يستند إلى تقرير المصير"، ودعا إلى وقف فوري للأعمال العدائية والعودة الكاملة إلى اتفاق وقف إطلاق النار، وكذا إلى رفع جميع القيود المفروضة على عمليات البعثة الأممية (المينورسو) وحرية حركتها، وأوصي بتمديد ولايتها لمدة عام واحد، وأعرب كذلك عن قلقه العميق إزاء الأزمة الإنسانية في مخيمات اللاجئين بتندوف التابعة للبوليساريو.