Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إيران تختنق والنظام يدفع شعبه نحو الهرب الجماعي

على رغم أمل أفراده بالتغيير لكن كثيراً منهم لا يزالون يرون في احتمال تثبيت الوضع القائم أمراً مقلقاً مما يدفعهم إلى درس طرق الهجرة

يفرض الحرس الثوري سيطرات في العديد من المدن الإيرانية خاصة خلال الحرب (وسائل التواصل الاجتماعي)

ملخص

لا توجد إحصاءات دقيقة لعدد الإيرانيين في الخارج، لكن تقديرات غير رسمية تشير إلى وجود ما بين 7 و 8 ملايين منهم في مختلف أنحاء العالم، يتوزعون بصورة رئيسة في أميركا الشمالية وأوروبا وأستراليا ودول الخليج وتركيا.

بعد الهجوم الجوي الأميركي والإسرائيلي على مجمع القيادة في طهران ومقتل علي خامنئي وبدء الحرب، تشكّل تصور في أجزاء من النظام الدولي بأن موجة جديدة من هجرة الإيرانيين إلى الخارج قد تحدث، ومن وجهة نظر المراقبين الخارجيين فقد كان المجتمع الذي مرّ قبل أسابيع قليلة من بدء الحرب بأحد أعنف أشكال القمع الدموي في الشوارع، وكان غارقاً في الغضب والحزن العميق، يبدو مستعداً لمغادرة واسعة للبلاد، وكان أي سيناريو غير ذلك يبدو غريباً بالنسبة إليهم.

ومع ذلك فما حدث كان بعيداً من هذه التوقعات، فقد بقي الايرانيون في بلادهم لأنهم كانوا متعلقين بإمكان التغيير أكثر من أي وقت مضى، وهو أمل بدأ الآن يضعف في ظل احتمال التوصل إلى اتفاق مع أميركا واستمرار النظام الإيراني، ويمكن ملاحظة ذلك في التحركات التدريجية لبعض فئات المجتمع نحو الهجرة في حال تثبيت الوضع القائم، فخلال هذه الأيام يبحث عدد كبير من الإيرانيين عبر مسارات مختلفة من الاستشارة في مجموعات "تيليغرام" عبر الاتصال بأقاربهم في الخارج، بحثاً عن خيارات أرخص وأسهل للخروج من ايران.

بعد بدء الحرب بين النظام الإيراني وأميركا وإسرائيل الشهر الماضي، ظهرت بسرعة مخاوف الأوروبيين من احتمال تشكل موجة لجوء جديدة من الإيرانيين، إذ إن مستشار ألمانيا فريدريش ميرتس الذي رحب بسقوط النظام الإيراني قبل الحرب بقليل، عاد ودافع بشكل لافت عن تثبيت الوضع القائم في إيران، وادعى أن هذه الحرب ستؤدي إلى موجة هجرة ضخمة نحو أوروبا، بل قال إن بقاء حكومة إيران ضروري لإبعاد أوروبا عن تبعات الحرب، ويجب منع الهجرة غير المنضبطة من إيران، وعلى رغم ادعاءات هذا المسؤول الأوروبي فقد كشفت التقييمات واقعاً مختلفاً، إذ لم تُسجل أية موجة هجرة جديدة إلى أوروبا، بل ووجِدت أدلة قوية على أن جزءاً كبيراً من الإيرانيين في المنفى مستعدون للعودة لبلدهم في حال تغير النظام.

في الفترة نفسها نشرت صحيفة "آي يو أبسرفر" التي تغطي أخبار الاتحاد الأوروبي تقريراً نقلت فيه عن مصادر في "المفوضية الأوروبية" أن الحرب في إيران لم تحدث تغييراً ملاحظاً في عدد اللاجئين المحتملين، وأكد متحدث باسم المفوضية للصحافيين عدم وجود أية إشارة على زيادة هجرة الإيرانيين إلى أوروبا، وقد أثار إصرار الإيرانيين على البقاء داخل البلاد على رغم ظروف الحرب دهشة الأوروبيين وفاجأ وسائل الإعلام التركية، فقد فرضت أنقرة مع بدء الحرب وإلغاء الرحلات الجوية من إيران قيوداً عند الحدود لمنع دخول موجة جديدة من الإيرانيين، حتى إن بعض وسائل الإعلام أرسلت مراسلين إلى المعابر الحدودية لتغطية "لاجئين إيرانيين" محتملين، لكنهم لم يجدوا شيئاً بل شاهدوا إيرانيين يعودون لبلدهم على رغم ظروف الحرب.

كل ذلك يحدث بينما تشير تقديرات "وكالة اللجوء" في الاتحاد الأوروبي إلى أن اضطراب بسيط في أي مكان من العالم يمكن أن يولّد موجة جديدة من اللاجئين، وذكرت الوكالة في تقريرها أن إيران تضم نحو 90 مليون نسمة، ونزوح 10 في المئة فقط من السكان يمكن أن ينافس أكبر موجات اللجوء خلال العقود الأخيرة، وبحسب "الاتحاد الأوروبي" فإن الإيرانيين يحتلون المرتبة الـ 31 من حيث جنسية طالبي اللجوء في أوروبا، وقد قدموا العام الماضي نحو 8 آلاف طلب فقط.

موجات هجرة الإيرانيين بعد الثورة

لا توجد إحصاءات دقيقة لعدد الإيرانيين في الخارج، لكن تقديرات غير رسمية تشير إلى وجود ما بين 7 و8 ملايين إيراني في مختلف أنحاء العالم، يتوزعون بصورة رئيسة في أميركا الشمالية وأوروبا وأستراليا ودول الخليج وتركيا، وتتنوع طرق الهجرة من الاستثمار والزواج إلى الدراسة والعمل واللجوء، لكن القاسم المشترك بينهم هو تفضيل الحياة خارج إيران، وقد غادر بعضهم البلاد خلال الأعوام الأولى بعد "الثورة الإسلامية"، بينما خرج آخرون في موجات لاحقة، وكانت الموجة الأولى بعد الثورة بين عامي 1979 و1989، وارتبطت بالقمع السياسي وأحداث مثل "الثورة الثقافية" و"الحرب بين إيران والعراق"، إضافة إلى القيود الواسعة على الحريات الفردية والاجتماعية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بعد ذلك، ومن منتصف عقد التسعينيات، بدأت موجة أخرى كان من أسبابها الرئيسة خيبة الأمل من وعود "التيار الإصلاحي"، وأسهمت الاغتيالات المتسلسلة وإغلاق الصحف والأزمات الاقتصادية وأحداث جامعة طهران واستمرار الضغوط السياسية والاجتماعية في دفع جزء من المجتمع إلى الهجرة، ولاحقاً ارتبط نمط الهجرة بدورات الاحتجاج والقمع، إذ ظهرت موجات جديدة بعد كل انتفاضة كبرى مثل عام 2009 بعد قمع "الحركة الخضراء"، وعام 2019 بعد احتجاجات ديسمبر (كانون الأول)، وعام 2022 بعد قمع "احتجاجات تشرين"، وبعد انتفاضة مهسا أميني التي تعد من أوسع الاحتجاجات ضد النظام الإيراني، واللافت أنه على رغم ارتفاع كُلف الهجرة وعوائقها بصورة مستمرة، لكن جزءاً كبيراً من الراغبين فيها تمكن من المغادرة وإيجاد طرق للخروج، وكان عددهم كبيراً.

ووفق تقرير بعنوان "هجرة الإيرانيين: الأسباب والدوافع"، والذي استند إلى استطلاع شمل 12 ألف شخص، فقد تبيّن أن 16 في المئة فقط لا يفكرون أبداً في الهجرة، بينما تحرك الباقون أو يفكرون في ذلك، وأيضاً ذكر "مرصد الهجرة" في إيران أن عدد المهاجرين الإيرانيين تضاعف أربع مرات خلال العقود الثلاثة الماضية.

بدايات أمل بالبقاء وتغيير الوضع

بعد أحداث يناير (كانون الثاني) 2026 الدامية وبدء الحرب، ظهرت مؤشرات على تغير في بنية السلطة وارتفع الأمل بالتغيير بين الإيرانيين، ولذلك لم تظهر موجة هجرة جديدة كما كان متوقعاً، بل ظهرت رغبة لدى الإيرانيين في الخارج بالعودة والمشاركة في إعادة بناء البلاد، لكن هذا الأمل أصبح هشاً مع احتمال استمرار النظام والتوصل إلى اتفاق مع أميركا، وبينما لا يزال بعضهم يأمل بالتغيير فإن آخرين يرون أن تثبيت الوضع القائم مقلق، ولذلك يبحثون عن طرق للمغادرة، وفي هذه الأيام تنتشر رسائل في مجموعات "تيليغرام" من إيرانيين داخل البلاد يسألون أبناء بلدهم في الخارج عن طرق الهجرة والخيارات الأقل كلفة، ويقول بعض من في الخارج منهم إنهم سيسعون إلى إخراج عائلاتهم من إيران إذا استمر الوضع القائم، ومن بينهم "بنفسه"، وهي امرأة تعيش في مدينة أوروبية ولديها شقيقان مراهقان داخل إيران، إذ تقول إنها ستعود من دون تردد إذا حدث تغيير حقيقي، لكنها ستحاول إخراج أخويها إذا استمر الوضع، مضيفة "أقرأ باستمرار رسائل تنشرها شقيقة أحد الضحايا في منصة 'إكس' وأتخيل نفسي مكانها، وأفكر أن حياة أطفالنا في خطر مع استمرار هذا الحكم ويجب انقاذهم"، وقررت "بنفسه" أنه إذا لم تتمكن من الحصول على تأشيرة لأخويها فستذهب بنفسها إلى تركيا ليذهبا إليها ثم تبحث عن طريقة لإخراجهما.

وفي رواية مشابهة يقول أب لابنتين في طهران "أنا مستعد لبيع السجادة التي تحت قدمي كي أرسل ابنتيّ إلى خارج إيران، فليس لديهما مستقبل ولا أمان هنا"، وتحدثت بعض وسائل الإعلام داخل إيران مثل صحيفة "هفت صبح" عن موجة هجرة للكوادر المتخصصة وبخاصة في الشركات الناشئة والعاملين المستقلين بسبب انقطاع الإنترنت، وتشير هذه المعطيات إلى أنه خلافاً لتقديرات الأوروبيين فإن استمرار الوضع القائم قد يكون العامل الحاسم في نشوء موجة هجرة واسعة، ربما تكون من أكبر موجات خروج الإيرانيين خلال الـ 47 عاماً الماضية.

 نقلاً عن اندبندنت فارسية.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات