Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خفض المساعدات سلاح اليمين الأميركي ضد حقوق الإنسان في أفريقيا

في وقت تشهد فيه برامج الرعاية الصحية في أفريقيا اضطراباً بسبب خفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب المساعدات الخارجية، تكشفت خلال مؤتمرات إقليمية تحركات لمنظمات دينية أميركية سعت إلى التأثير في مسار الحقوق الأساسية ومستقبلها في القارة

في أوغندا يفرض قانون مناهض للمثلية الجنسية صدر عام 2023 على الأفراد الذين يقيمون علاقات مثلية بالتراضي عقوبة بالسجن مدى الحياة (أ ب)

ملخص

يتزامن خفض المساعدات الأميركية مع تصاعد نشاط منظمات دينية محافظة مدعومة من الولايات المتحدة وأوروبا، تسعى عبر مؤتمرات إقليمية في أفريقيا إلى تقويض حقوق الصحة الجنسية والإنجابية وحقوق مجتمع الميم، والدفع بتشريعات رجعية باسم "القيم الأسرية". ويخشى ناشطون من أن يهدد هذا المسار مكاسب صحية وإنسانية تحققت خلال عقدين، مستفيداً من فراغ مالي وسياسي خلّفه انسحاب الدعم الدولي.

عندما جلست إيف* لتستمع إلى كلمة رئيسة "منظمة مراقبة الأسرة الدولية"Family Watch International (FWI) شارون سليتر التابعة للطائفة المورمونية الأميركية، لم تعتقد أن المتحدثة الرئيسة في "المؤتمر الأفريقي للقيم الأسرية" Pan-African Conference on Family Values الذي عقد في العاصمة الكينية نيروبي، ستشير إلى الزعيم النازي أدولف هتلر بعد دقائق قليلة من صعودها إلى المنصة، ولا أن تلمح إلى أن الجمعيات الخيرية الدولية تسعى إلى استهداف أطفال أفريقيا.

المؤتمر الذي استضافه فندق "بوما" خلال الصيف أثار احتجاجات وعرائض طالبت بإلغائه، وقد شكل حلقة من سلسلة مؤتمرات عقدت في مختلف أنحاء القارة خلال الأشهر الأخيرة، بأعداد غير مسبوقة مقارنة بما اعتاد النشطاء رصده في السابق.

ومع خفض المساعدات الأميركية الخارجية وعودة دونالد ترمب لممارسة نفوذه السياسي من البيت الأبيض، يسعى تيار محافظ عالمي إلى إعادة تشكيل مسارات الحقوق خارج الولايات المتحدة وفق رؤيته الخاصة، وتندرج هذه المؤتمرات ضمن جهود تبشيرية حديثة تستهدف كبح تقدم الحقوق الجنسية والإنجابية في أفريقيا، وتشمل الدفع بعدد من المشاريع التشريعية المحتملة ومن بينها "ميثاق القيم الأسرية لعموم أفريقيا" Pan-African Family Values Charter، إضافة إلى مسودة مشروع قانون مناهض للمثليين في كينيا.

وفي هذا السياق أعادت "اندبندنت" تركيب ما جرى خلال المؤتمر الأفريقي للقيم الأسرية الذي استمر ستة أيام، اعتماداً على تسجيلات ووثائق وصور، من بينها مواد وفرتها إيف، وهي ناشطة حضرت المؤتمر باسمها الحقيقي من دون الإفصاح عن الجهة التي تنتمي إليها، وتكشف هذه المواد كيف باتت المؤتمرات المدعومة من محافظين أميركيين إحدى الأدوات المستخدمة لدفع مسار التراجع عن مكتسبات حقوق الإنسان في القارة.

عند صعودها إلى المنصة في نيروبي خلال الصيف، ألقت سليتر كلمتها أمام صورة لأدولف هتلر عرضت على شاشة خلفية مرفقة بعبارة "من يملك الشباب يملك المستقبل"، وقالت "منظمة مراقبة الأسرة الدولية" لاحقاً إن الاقتباس استخدم "لانتقاد هتلر بطبيعة الحال"، لكن سليتر تابعت قائلة "إنهم يستهدفون أطفالنا، إنهم يلاحقونهم لأن أطفالنا هم مستقبل أممنا".

ويبدو أن المقصود بـ "هم"، وفق هذا الخطاب، منظومة الوكالات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة، إضافة إلى الجمعيات الخيرية العاملة في مجال صحة النساء والفتيات، ولا سيما ما يتعلق بإتاحة خدمات الإجهاض الآمن والتثقيف الجنسي، وهي حقوق أقرتها وصوتت عليها دول أفريقية عدة.

وخلال المؤتمر نفسه تحدثت سليتر عن نجاح حملاتها في تعطيل برامج التثقيف الجنسي الشامل "في أماكن كثيرة"، وفي هذا الإطار تنظم "منظمة مراقبة الأسرة الدولية" دورات تدريبية سنوية لتعليم ممثلي الدول أساليب الضغط داخل الأمم المتحدة والتأثير في مسار المفاوضات، بهدف "إحباط أجندة الحقوق الجنسية المتطرفة"، وقد شاركت المنظمة هذا العام في ثلاثة مؤتمرات مماثلة عقدت في كينيا وأوغندا وسيراليون.

 

وأوضحت سليتر لاحقاً لـ "اندبندنت" أن استحضارها لاقتباس هتلر "لم يكن مقصوداً به أن يفهم على أنه مقارنة حرفية"، مضيفة "نحن نرفض بصورة قاطعة أية أيديولوجية تقوم على الكراهية أو الاستبداد، ونؤكد أن الشباب فئة هشة أمام الأجندات الأيديولوجية مثل تلك التي يجري إدراجها عمداً في برامج التثقيف الجنسي الشامل".

يشار هنا إلى أن محاولات المحافظين الأميركيين التأثير في قوانين الدول الأفريقية ليست بالأمر الجديد، فقد سبق أن اعتلت رئيسة "منظمة مراقبة الأسرة الدولية" سابقاً المنصة خلال مؤتمر مماثل عقد في مدينة عنتيبي في أوغندا عام 2023 لتقديم الدعم لبرلمانيين أفارقة في صياغة تشريعاتهم، وادعت يومها أن جهودها قد أسهمت فعلاً في وقف برامج التثقيف الجنسي الشامل، وهي برامج قائمة على الأدلة العلمية، داخل البلاد.

وفي ذلك العام أقرت أوغندا قانونها شديد الصرامة المتعلق بمكافحة المثلية الجنسية، في وقت كانت فيه شارون سليتر تنفي باستمرار أي دور لها في صياغته، إلا أنه بعد فترة وجيزة ظهرت مشاريع قوانين مماثلة في كل من غانا وكينيا روج لها مشرعون سبق أن شاركوا في "مؤتمر عنتيبي".

وتظهر أحدث التقارير المالية الصادرة عن "منظمة مراقبة الأسرة الدولية" أن إنفاق مجموعة سليتر في أفريقيا قد تضاعف ما بين عامي 2022 و2023 وخصص الجزء الأكبر منه بنحو 261 ألف دولار لدعم المؤتمرات، في هذا العام بدا أن المتحدثين رأوا أن هناك فرصة أكبر تمثلت في الفراغ الذي أحدثه الخفض الحاد الذي أجراه الرئيس الأميركي على المساعدات الخارجية، وجرى تصوير هذا الفراغ على أنه "مهمة"، وصرح توماس دبليو جاكوبسون من "حملة الحياة العالمية" Global Life Campaign بأن "إدارة ترمب توقف ملايين، لا بل مليارات الدولارات التي تنفق على ما سماها 'برامج شريرة' من خلال الوكالة الأميركية للتنمية الدولية".

وقال أمام الحاضرين في القاعة، والذين كان بينهم ممثلون عن الحكومتين الكينية والأوغندية، إن "هذا أمر جيد" حتى لو أدى إلى تراجع تدفق الأموال على الدول الأفريقية.

ومن بين المتحدثين الآخرين الطيار السابق في "البحرية الأميركية" ترافيس ويبر، وهو ناشط في مجموعة الضغط الإنجيلية - الأميركية "مجلس أبحاث الأسرة"  Family Research Council الذي جعل الأهداف المعلنة للمؤتمر أكثر وضوحاً، وقال ويبر للحضور في أحد الشوارع الجانبية الهادئة على أطراف نيروبي "قبل عامين بدأ الله يغرس في قلبي واجب التحرك"، أما الحدث الذي فجر هذا المسار كله فكان إلغاء الحكم الصادر في قضية "رو ضد وايد" في الولايات المتحدة عام 2022، والذي كان قد كرس الحق في الإجهاض، مما رسم خطوط المواجهة.

ثم جاءت المرحلة التالية، فبحسب ويبر، ومع قيام ترمب بتعطيل البرامج الحكومية بعد إلغاء نحو 80 في المئة من البرامج الداعمة للدول النامية، باتت هناك ثلاث مراحل للتنفيذ، أولها التراجع عن السياسات القائمة، فقد قال بوضوح إنه "يتعين وقف الترويج لأيديولوجية 'مجتمع الميم' LGBT والإجهاض في أفريقيا وأماكن أخرى حول العالم"، ورأى أنه يمكن تعديل بعضها ثم اعتماد سياسات جديدة، مؤكداً أن على منظمات مثل منظمته "أن تتقدم فعلياً لملء هذا الفراغ"، ومضيفاً "أعتقد أن الوقت قد حان لاعتماد سياسة خارجية أميركية مؤيدة للأسرة".

معلوم أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قام في مطلع ولايته الثانية بخفض الغالبية العظمى من الإنفاق على المساعدات الخارجية، وبدأت تداعيات ذلك تظهر الآن، فقد قال المؤسس المشارك لمجموعة "أوردو يوريس"Ordo Iuris  البولندية اليمينية المتشددة، جيرزي كواسنيفسكي، إن الالتزامات الدولية تجعل المساعدات مشروطة بـ "الترويج لأيديولوجية النوع الاجتماعي وحقوق الإنجاب"، داعياً الحضور إلى "بناء مقاومة منهجية" ضد وسائل منع الحمل والتثقيف الجنسي والإجهاض.

وكانت منظمة "أوردو يوريس" قد قادت حملات لإقرار سلسلة من القوانين الرجعية في بولندا ومن بينها الدفع باتجاه حظر الإجهاض، وفي وقت لاحق جرى اعتماد حظر شبه كامل على الإجهاض، وخلال المؤتمر قدمت بولندا كنموذج يحتذى لما يمكن أن تفضي إليه مثل هذه الحملات، ومنذ ذلك الحين افتتحت المنظمة مكتباً جديداً لها في تنزانيا.

 

متحدث باسم "أوردو يوريس" أوضح أن خطاب كواسنيفسكي لم يدع إلى قطع المساعدات عن أفريقيا بل كان "رداً صريحاً على ضغوط ذات دوافع أيديولوجية من المؤسسات الدولية"، مضيفاً أن الخطاب مثّل دفاعاً عن "السيادة الوطنية والهوية الثقافية وحق الدول في صياغة قوانينها بما يتوافق مع قيمها وتقاليدها الخاصة، بعيداً من أي إكراه خارجي"، ورفضاً لما قال إنها "أجندة عالمية تقوم على مقاربة موحدة تفرض على الجميع".

ويرى إريك مونديا، وهو محام في منظمة "آيباس"Ipas  التي تعنى بحقوق الإنجاب في نيروبي، أن هذه الحقوق قد أقرتها الدول الأفريقية نفسها من خلال "الاتحاد الأفريقي" وعبر الأمم المتحدة، إذ تتمتع دول القارة بحقها في التصويت، وقال "لم تجبر أية دولة أفريقية على الانضمام إلى معاهدة أو اتفاق (من قبل "الاتحاد الأفريقي").

وعلى رغم التفاوت في مستوى التقدم الذي جرى إحرازه لكن أفريقيا جنوب الصحراء شهدت خلال هذا القرن تحسناً كبيراً في خفض معدلات وفيات الأمهات ومعدلات الإصابة بـ "فيروس نقص المناعة البشرية" HIV، وتوسيع نطاق الوصول إلى الرعاية الصحية مما أنقذ ملايين الأرواح، ويعود الفضل في ذلك جزئياً لتوسيع نطاق المعرفة بوسائل منع الحمل والإجهاض الآمن وإتاحة الوصول إليهما، ويخشى ناشطون أن تتعرض هذه الإنجازات الآن للخطر نتيجة تصاعد نشاط الحركات شديدة المحافظة في القارة.

 

على سبيل المثال يضمن "بروتوكول مابوتو" Maputo Protocol الذي وضعه "الاتحاد الأفريقي" قبل نحو 20 عاما، ووقع عليه 49 من أصل 55 عضواً، حصول جميع النساء في البلدان الموقعة على الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية، وفي المقابل جرى تداول مسودة ميثاق حول القيم الأسرية الأفريقية خلال "مؤتمري نيروبي وعنتيبي"، تضمنت بنوداً يبدو أنها تتحدى الحقوق الإنجابية والصحية، ووفقاً لمسودة اطلعت عليها "اندبندنت" فإن الميثاق يدعو الدول الأفريقية إلى رفض الاتفاقات القانونية التي تعزز حقوق الإنجاب أو "تطبيع" ما سماها "أيديولوجيات ’مجتمع الميم‘"، وضمان عدم ربط المساعدات بهذه السياسات.

ورداً على ذلك قالت "منظمة مراقبة الأسرة الدولية" إنه "في ما يتعلق بـ 'بروتوكول مابوتو' فنحن نحترم سيادة كل دولة في تفسير الاتفاقات الدولية، وفي هذا الصدد مارست دول أفريقية عدة حقها في إبداء تحفظات على أحكام محددة، ولا سيما تلك المتعلقة بالإجهاض"، مضيفة "نحن نشجع الحوار القائم على احترام مدى انسجام الاتفاقات الإقليمية والدولية مع الأولويات الوطنية والقيم الدينية والثقافية، ولا سيما معايير حماية الطفل".

وفي سيراليون يخشى ناشطون من عرقلة مشروع قانون وفيات الأمهات، وقد شاركت شارون سليتر والسيدة الأولى في البلاد في فعالية "تعزيز الأسر في سيراليون" Sierra Leone Strengthening Families خلال يونيو (حزيران) الماضي، وفي النهاية أكد ناشطون تابعوا الفعالية من وراء الكواليس لـ "اندبندنت" أن النبرة كانت أكثر حيادية، لكن مخاوفهم لا تزال قائمة، وتقول إيف إن "السيدة الأولى في سيراليون، فاطمة مادا بيو، كانت حاضرة في كلا اليومين"، واصفة ذلك بأنه أمر "مقلق" نظراً إلى مستوى النفوذ الذي قد توافره مشاركتها للمنظمات الحاضرة.

وعندما سألت "اندبندنت" وزير سيراليون الأول لاحقاً عن مشروع قانون وفيات الأمهات قال إن "موقف الرئيس واضح في هذا الصدد، فهو يؤمن بتمكين نسائنا لاتخاذ القرارات المتعلقة بصحتهن، وقد كان دقيقاً للغاية في شأن الحالات التي تكون فيها حياة الأم أو الطفل في خطر، والتي يتعين معها اتخاذ القرارات بشكل مدروس".

وفي تعليق على الحدث الذي أقيم في يونيو الماضي قالت "منظمة مراقبة الأسرة الدولية" إنه "على حد علمنا لم تكن الفعالية سياسية أو تشريعية، ولا ترتبط بأية مبادرة سياسية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما الأستاذ في "معهد سياسات التنمية" Institute of Development Policy التابع لـ "جامعة أنتويرب"، كريستوف تيتيكا، فدعا إلى "عدم المبالغة في تأثير الفاعلين الخارجيين"، موضحاً أن كثيراً من الداعمين لهذه القوانين هم من داخل المجتمعات المحلية، لكنه أشار إلى أن مؤتمرات كتلك التي عقدت في نيروبي وعنتيبي تضطلع بدور مهم في بناء التحالفات، وأضاف أن شبكة هذه المؤتمرات يمكن أن تكون مؤثرة عندما يتعلق الأمر بإصدار أو تعطيل القوانين في أفريقيا، لأنها "تمكن الجهات الناشطة في هذه القضايا".

في "مؤتمر عنتيبي" هذا العام أشارت السيدة الأولى في أوغندا ووزيرة التعليم جانيت موسيفيني إلى شارون سليتر على أنها "أختها"، بينما شكرها الرئيس يويري موسيفيني على عملها وقال إن سليتر لفتت انتباهه إلى أن "اتفاق ساموا" Samoa Agreement، وهو اتفاق شراكة شامل بين الاتحاد الأوروبي ودول أفريقيا والكاريبي والمحيط الهادئ، يتضمن أحكاماً تتعلق بضمان حصول الجميع على خدمات الصحة الجنسية والإنجابية، قائلاً إنه سيسعى إلى "التخلص من هذا الهراء" نتيجة لذلك.

إستر كيماني من منظمة "فوس فيمينيستا" Fos Feminista التي تعنى بالعدالة الإنجابية قالت إنها "غاضبة للغاية" من قادة الحركات الأميركية والأوروبية الذين يسافرون إلى كينيا لإلقاء محاضرات تستهدف تعريف أفريقيا بقيمها، مضيفة أن "ما يقولونه هو أننا نحن الأفارقة لا نعرف حتى ما هي قيمنا، وإن علينا انتظار مجيء رجال بيض من أوروبا والولايات المتحدة لتعليمنا المعنى الحقيقي للقيم الأفريقية".

وتتابع كيماني "في وقت تتنامى حركة عالمية معارضة للحقوق الجنسية والإنجابية، ويتقلص حجم المساعدات، فإن الجماعات المحافظة للغاية تتحرك بصورة نشطة لملء هذه الفجوات".

يذكر أخيراً أنه بينما كان المؤسس المشارك لمجموعة "أوردو يوريس"، جيرزي كواسنيفسكي، يختم كلمته في نيروبي، ارتكب خطأ بالقول "ليبارك الله أميركا"، قبل أن يستدرك ويسارع إلى التصحيح "أقصد ليبارك الله أفريقيا".

 

هذه المقالة جزء من مشروع "إعادة النظر في المساعدات العالمية" Rethinking Global Aid الذي تقوم به "اندبندنت"

*جرى تغيير الاسم لحماية هوية المتحدثة

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير