ملخص
واجهت أوروبا عودة ترمب إلى الرئاسة بسياسة استرضاء في الدفاع والتجارة والقيم، ما جنّبها أسوأ السيناريوهات قصيرة الأمد لكن ذلك قوض استقلاليتها وعزز اليمين الشعبوي وأضعف التكامل الأوروبي. الخروج من هذا الفخ يتطلب بناء قدرة أوروبية مستقلة على الفعل عبر تعزيز الدفاع الذاتي، وتنويع الشراكات التجارية، وصياغة سياسة مستقلة تجاه الصين وتنويع مصادر الطاقة، بما يعيد لأوروبا وزنها وصدقيتها على الساحة الدولية.
عندما عاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب للرئاسة في يناير (كانون الثاني) 2025 وجدت أوروبا نفسها أمام مفترق طرق، فمع مطالب ترمب القاسية بزيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي، وتهديده بفرض رسوم جمركية شاملة على الصادرات الأوروبية، وتشكيكه في القيم الأوروبية الراسخة المرتبطة بالديمقراطية وسيادة القانون، كان على القادة الأوروبيين إما اتخاذ موقف تصادمي جماعي والرد بحزم، أو اختيار طريق أقل مقاومة والرضوخ لترمب.
ومن وارسو إلى وستمنستر، ومن ريغا إلى روما، اختاروا الطريق الثاني، فبدلاً من الإصرار على التفاوض مع الولايات المتحدة بوصفها شريكاً متكافئاً، أو تأكيد استقلاليتهم الإستراتيجية التي طالما أعلنوا التمسك بها، تبنى الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، إضافة إلى دول غير أعضاء مثل المملكة المتحدة، موقف خضوع تكرس تلقائياً وبصورة متسقة.
بالنسبة إلى كثيرين في أوروبا بدا هذا الخيار منطقياً، فأنصار سياسة الاسترضاء من التيار الوسطي يجادلون بأن البدائل، سواء مقاومة مطالب ترمب الدفاعية أو اللجوء إلى تصعيد تجاري متبادل على الطريقة الصينية، أو مواجهة نزعاته الاستبدادية علناً، كانت ستلحق ضرراً بالغاً بالمصالح الأوروبية، وكان من الممكن مثلاً أن تتخلى الولايات المتحدة عن أوكرانيا، أو أن يعلن ترمب إنهاء الدعم الأميركي لحلف شمال الأطلسي، مع سحب واسع للقوات الأميركية من القارة الأوروبية، أو أن تندلع حرب تجارية شاملة عبر الأطلسي، ومن هذا المنظور يعود الفضل في تفادي هذه السيناريوهات لمحاولات أوروبا الحذرة لاسترضاء ترمب.
قد يكون هذا صحيحاً، غير أن هذا المنظور يتجاهل الدور الذي لعبته السياسات الداخلية الأوروبية في الدفع نحو التكيف مع ترمب منذ البداية، كما يتغاضى عن التداعيات السياسية الداخلية لسياسة الاسترضاء نفسها، فصعود اليمين الشعبوي المتطرف ليس ظاهرة أميركية وحسب، ففي عدد متزايد من دول الاتحاد الأوروبي بات هذا اليمين إما جزءاً من السلطة أو أكبر قوة معارضة، وغالباً ما يتجنب دعاة استرضاء ترمب الاعتراف بمدى تقييد هذه القوى القومية الشعبوية لهوامش تحركهم، والأسوأ من ذلك أن هذه الإستراتيجية تسهم في الواقع في تعزيز اليمين المتطرف، فمن خلال الرضوخ لترمب في ملفات الدفاع والتجارة والقيم الديمقراطية عززت أوروبا القوى السياسية التي تسعى إلى إضعاف الاتحاد الأوروبي من الداخل، وبذلك تحولت إستراتيجية أوروبا تجاه ترمب إلى فخ يرتد عليها ويقوضها ذاتياً.
ولا يوجد سوى مخرج واحد من هذه الدوامة، إذ يتعين على أوروبا أن تتخذ خطوات جدية لاستعادة قدرتها على الفعل حيثما أمكن، فبدلاً من انتظار يناير 2029 على أمل أن ينتهي الكابوس العابر للأطلسي من تلقاء نفسه، ينبغي على الاتحاد الأوروبي التوقف عن التذلل والعمل على بناء قدر أكبر من السيادة، ووحده هذا المسار كفيل بتحييد القوى السياسية التي تنخر المشروع الأوروبي من الداخل.
اضطراب نقص الطموح
يبدو قبول أوروبا بمطالب ترمب في شأن الإنفاق الدفاعي أكثر الملفات قابلية للفهم، فالحرب في أوكرانيا حرب أوروبية في جوهرها، وأمن القارة على المحك، وقد شكل الاجتماع الكارثي في المكتب البيضاوي بين ترمب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في فبراير (شباط) 2025، حيث جرى توبيخ الأخير وإذلاله علناً، إشارة مقلقة إلى احتمال تخلي الولايات المتحدة عن أوكرانيا، وهو ما كان سيهدد أمن الجناح الشرقي لأوروبا مباشرة، ونتيجة لذلك أقر الحلفاء الأوروبيون في قمة "الناتو" في يونيو (حزيران) 2025 بمخاوف واشنطن في شأن تقاسم الأعباء، وتعهدوا بزيادة إنفاقهم الدفاعي إلى نحو خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى شراء كميات أكبر من الأسلحة الأميركية دعماً للمجهود الحربي الأوكراني، وبعد أن بسط ترمب السجاد الأحمر للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أنكوريج بولاية ألاسكا منتصف أغسطس (آب) الماضي سارع عدد من القادة الأوروبيين، بمن فيهم زيلينسكي، إلى واشنطن في محاولة جماعية لاستمالة ترمب، وتمكنوا من تقييد هامش مناورة الرئيس الأميركي عبر دعم طموحاته في الوساطة، ووضع خطط لإنشاء "قوة طمأنة" أوروبية تُنشر في أوكرانيا في حال نجاحه في التوصل إلى وقف لإطلاق النار، وهو احتمال بدا ضعيفاً منذ البداية.
ويمكن القول إن هذه الجهود الحذرة للاسترضاء حققت بعض النتائج، إذ بات ترمب يُظهر قدراً أكبر من التقدير للقادة الأوروبيين، ووافق على السماح لهم بشراء أسلحة لصالح أوكرانيا، ووسع العقوبات لتشمل شركتي النفط الروسيتين "لوك أويل" و"روسنفت"، كما أنه لم ينسحب فعلياً من "الناتو".
مع ذلك فإن هذه النتيجة هي ثمرة تعنت بوتين أكثر مما هي ثمرة للدبلوماسية الأوروبية، ولا تُعد نجاحاً إلا إذا قورنت بأسوأ السيناريوهات الممكنة، وحتى الآن فشل الأوروبيون في تأمين دعم أميركي إضافي لأوكرانيا، كما لم ينجحوا في دفع الرئيس الأميركي إلى تبني حزمة شاملة من العقوبات الجديدة على روسيا، في وقت لا يزال مشروع قانون مدعوم من الحزبين، ويتضمن إجراءات عقابية قاسية، عالقاً في الكونغرس، وفي سعيهم إلى تحقيق مكاسب سياسية قصيرة الأمد مع ترمب، لم يتمكن الأوروبيون بعد من بلورة إستراتيجية دفاعية أوروبية طويلة الأمد، متينة ومتماسكة، لا تقوم في جوهرها على الاعتماد على الولايات المتحدة.
لم يكن الهدف الجديد المتمثل في تخصيص خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري، على سبيل المثال، نابعاً من تقييم أوروبي لما هو ممكن وواقعي، بل من رغبة في إرضاء ترمب، وقد تجلت هذه المناورة الانتهازية بوضوح عندما أرسل الأمين العام لـ "الناتو" مارك روته رسائل نصية إلى ترمب يُشيد فيها بانتصاره الكبير في لاهاي، وهي رسائل أعاد ترمب نشرها لاحقاً بفرح وابتهاج على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الوقت نفسه وافق كثير من الحلفاء الأوروبيين، بمن فيهم دول كبرى مثل فرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة، على هدف الخمسة في المئة، وهم يدركون تمام الإدراك أنهم ليسوا في وضع مالي يسمح لهم بتحقيقه في أي وقت قريب وأيضاً قدمت تعهدات أوروبية بشراء المنتجات الأميركية بحماسة من دون أي خطط ملموسة لتقليص الاعتماد الهيكلي على الولايات المتحدة عسكرياً في المستقبل.
في الواقع يمكن فهم فشل أوروبا في تنظيم دفاعها على أفضل وجه باعتباره نقصاً في الطموح يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاندفاع القومي الذي اجتاح القارة خلال الأعوام الخمسة الماضية، ومع اكتساب الأحزاب السياسية اليمينية المتطرفة زخماً، أسهمت أجندتها في إضعاف مشروع التكامل الأوروبي، وفي الماضي سعت هذه الأحزاب إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي كلياً، ولكن منذ انسحاب المملكة المتحدة عام 2020، الذي يُعترف به الآن على نطاق واسع كفشل سياسي، اختارت أجندة مختلفة وأكثر خطورة تتمثل في تقويض الاتحاد الأوروبي تدريجياً من الداخل وخنق أي جهد أوروبي يتجاوز مستوى الدولة الوطنية، ومن أجل رؤية تأثير الشعبوية اليمينية المتطرفة على الطموح والتكامل الأوروبيين، يكفي مقارنة الاستجابة الكبيرة لجائحة كورونا عندما حشد الاتحاد الأوروبي بصورة جماعية أكثر من 900 مليار دولار في شكل منح وقروض، والمبادرات الدفاعية المتواضعة اليوم، ففي سبيل الدفاع الجماعي عن أوروبا في مواجهة العدوان الخارجي، وهو على الأرجح تهديد أكبر بكثير، لم يجمع الاتحاد الأوروبي سوى 170 مليار دولار في صورة قروض.
والمفارقة بالطبع تكمن في أنه نظراً إلى أن قوى اليمين المتطرف جعلت مبادرة دفاعية قوية للاتحاد الأوروبي أمراً مستحيلاً، شعر القادة الأوروبيون بأنه لا خيار أمامهم سوى الاعتماد على رجل قوي من أميركا، ومع ذلك فمن غير المرجح أن يدفع اليمين المتطرف نفسه الثمن السياسي لهذا الخضوع، بل على النقيض من ذلك يُخشى أن يصبح هدف "الناتو" بإنفاق خمسة في المئة على الدفاع والأمن مادة دسمة تستغلها الحركات الشعبوية، خصوصاً في الدول البعيدة من الحدود الروسية مثل بلجيكا وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا، وقد يضطر القادة الأوروبيون إلى المساومة على الإنفاق العام في مجالات الصحة والتعليم والمعاشات التقاعدية العامة لتحقيق هذا الهدف، مما يُغذي سردية المفاضلة بين "البندقية والزبدة" [أي بين كُلف الحياة الاعتيادية وفاتورة الإنفاق العسكري] التي يتبناها اليمين المتطرف.
بيت منقسم
إن استسلام أوروبا لمطالب ترمب التجارية يعد أكثر تدميراً للذات، ففي الأقل في المجال الدفاعي لم تكن العلاقة عبر الأطلسي يوماً علاقة بين ندين متكافئين، لكن إذا كان الأوروبيون ضعفاء عسكرياً فإنهم يفخرون بكونهم عمالقة اقتصاديين، فالحجم الهائل للسوق الموحدة للاتحاد الأوروبي، فإضافة إلى مركزية سياسة التجارة الدولية في المفوضية الأوروبية كانا يعنيان أنه عندما شن ترمب حرباً تجارية على العالم، كان الاتحاد الأوروبي في موقع قوة يضاهي موقع الصين تقريباً للتفاوض بصلابة، فعندما سارعت المملكة المتحدة مثلاً إلى الاتفاق مع الولايات المتحدة على تعرفة جمركية جديدة بنسبة 10 في المئة، كان الاعتقاد السائد خارج الولايات المتحدة أن قوة السوق الأكبر بكثير للاتحاد الأوروبي ستُمكنه من انتزاع صفقة أفضل بكثير، وقد كان قطاع التجارة أيضاً من المجالات التي شهدت قبيل الانتخابات الأميركية لعام 2024 قدراً لا بأس به من الاستعدادات "للتحصن في مواجهة ترمب"، إذ استخدمت الدول الأوروبية أساليب الترغيب [الجزرة]، مثل شراء مزيد من الأسلحة الأميركية والغاز الطبيعي المسال، إضافة إلى أساليب الردع والترهيب [العصا]، مثل أداة مكافحة الإكراه الجديدة التي تمنح المفوضية الأوروبية صلاحيات واسعة للرد في حال تعرضها للترهيب الاقتصادي أو التنمر الصريح من دول غير صديقة، فمثلاً للرد على إعلان الرئيس الأميركي فرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المئة على الصلب والألومنيوم في فبراير 2025، كان بإمكان مسؤولي المفوضية الأوروبية تفعيل حزمة معدة مسبقاً تبلغ نحو 23 مليار دولار من الرسوم الجديدة على سلع أميركية حساسة سياسياً، مثل فول الصويا من ولاية آيوا، والدراجات النارية من ويسكونسن، وعصير البرتقال من فلوريدا، ثم رداً على تعرفات "يوم التحرير" المتبادلة التي فرضها ترمب في أبريل (نيسان) 2025، كان بإمكانهم اللجوء إلى "البازوكا" الاقتصادية، وهي التسمية التي غالباً ما تطلق على أداة مكافحة الإكراه، وبما أن الولايات المتحدة لا تزال تحقق فائضاً كبيراً في ما يُسمى بالتجارة غير المرئية، كان بإمكان مسؤولي الاتحاد الأوروبي استهداف صادرات الخدمات الأميركية إلى أوروبا، مثل منصات البث والحوسبة السحابية، أو أنواع معينة من الأعمال المالية والقانونية والاستشارية.
لكن بدلاً من اتخاذ مثل هذا الإجراء الجماعي (أو حتى التهديد به)، أمضى القادة الأوروبيون شهوراً في الجدل وتقويض بعضهم بعضاً، وهذا مثال آخر يُظهر كيف أسهم تصاعد نفوذ اليمين المتطرف في إضعاف الاتحاد الأوروبي.
تاريخياً كانت المفوضية الأوروبية تقود المفاوضات التجارية، فيما كانت الحكومات الوطنية تلعب دوراً ثانوياً، فعندما سعت إدارة ترمب الأولى إلى زيادة الضغط التجاري على الاتحاد الأوروبي قام جان كلود يونكر، الذي كان آنذاك رئيساً للمفوضية الأوروبية، بتهدئة التوترات من خلال السفر إلى واشنطن وعرض صفقة بسيطة على ترمب مبنية على المكاسب المشتركة
تبنت أوروبا موقف خضوع تكرس تلقائياً وبصورة متسقة
أما في إدارة ترمب الثانية فقد كان الوضع مختلفاً تماماً، فهذه المرة جرى تقويض موقف المفوضية التفاوضي منذ البداية بسبب جلبة من الأصوات المتنافرة، إذ أعربت دول أعضاء رئيسة سلفاً عن معارضتها أية إجراءات انتقامية، وعلى نحو لافت دعت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، وهي من الشخصيات اليمينية المتطرفة المفضلة لدى ترمب، إلى اعتماد البراغماتية وحذرت الاتحاد الأوروبي من إشعال حرب رسوم جمركية، وكذلك حثت ألمانيا على توخي الحذر، إذ كانت الحكومة الجديدة بقيادة الديمقراطي المسيحي فريدريش ميرز قلقة في شأن الركود الاقتصادي، وهو ما من شأنه أن يعزز موقع حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) اليميني المتطرف، وهو حزب المعارضة الرئيسي.
في المقابل أيدت فرنسا وإسبانيا، اللتان تحكمهما حكومات وسطية أو يسارية وسطية، نهجاً أكثر تشدداً ورسوم جمركية انتقامية أشد وطأة (يشار إلى أن إسبانيا هي أيضاً الدولة الوحيدة في "الناتو" التي رفضت رفضاً قاطعاً رفع إنفاقها الدفاعي إلى النسبة الجديدة البالغة خمسة في المئة).
وقد بلغ مستوى الانقسام الأوروبي حداً عميقاً إلى درجة أن الشركات خلصت في أواخر الربيع وبداية الصيف إلى أنها قد تحقق نتائج أفضل إذا تفاوضت بمفردها، فأجرت شركات صناعة السيارات الألمانية "فولكس فاغن" و"مرسيدس-بنز" و"بي إم دبليو" مفاوضات موازية خاصة بها مع إدارة ترمب في شأن الرسوم الجمركية على السيارات، ولم تقبل بروكسل إلا في أواخر يوليو (تموز) 2025 بعد أشهر من الجمود، بفرض الولايات المتحدة رسوماً جمركية بنسبة 15 في المئة على معظم صادرات الاتحاد الأوروبي، أي أعلى بخمس نقاط مئوية مما تفاوضت عليه المملكة المتحدة.
وفي مواجهة تصاعد الانتقادات الداخلية للاتفاق، زعم القادة الأوروبيون من جديد أن الاتحاد الأوروبي لم يكن أمامه خيار آخر، فبما أن ترمب كان عازماً على فرض الرسوم الجمركية مهما كان الثمن، فإن فرض رسوم انتقامية، كما يزعمون، ما كان ليؤدي إلا إلى إلحاق الضرر بالمستوردين والمستهلكين الأوروبيين، ووفق هذا المنظور كان الرد الانتقامي سيعني إلحاق الضرر بالنفس، والأسوأ من ذلك أنه كان من الممكن أن يُثير غضب ترمب، مما قد يدفعه إلى شن هجوم لاذع على أوكرانيا أو الانسحاب من "الناتو".
لكن مرة أخرى هذا منطق يقود إلى حلقة مفرغة وطريق مسدود، فأوروبا التي تتعامل مع الابتزاز الاقتصادي عبر الأطلسي بوصفه قدراً لا مفر منه، إنما تسمح بتآكل قوتها السوقية وتمنح اليمين المتطرف زخماً متزايداً في الوقت نفسه، ووفقاً لاستطلاع رأي رائد أُجري أواخر الصيف الماضي في أكبر خمس دول في الاتحاد الأوروبي، اعتقد 77 في المئة من المشاركين أن اتفاق التجارة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة "يصب في معظمه في مصلحة الاقتصاد الأميركي"، بينما وافق 52 في المئة على أنه "إذلال"، ولا يقتصر الأمر على أن خضوع أوروبا يجعل ترمب يبدو بمظهر القوي، مما يزيد جاذبية تقليد سياساته القومية في الداخل، بل إنه يُفقد التكامل الأوروبي مبرره الأصلي، وهو أن أوروبا الموحدة تستطيع تمثيل مصالحها بفاعلية أكبر، فإذا استطاعت المملكة المتحدة بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي انتزاع اتفاق تجاري أفضل من ترمب مما يستطيع الاتحاد الأوروبي انتزاعه، فسيتساءل كثر بحق عن جدوى التمسك ببروكسل.
الدبلوماسية على حساب الديمقراطية
ظهر أوضح أشكال التكيف الأوروبي مع ترمب في مجال القيم الديمقراطية، فخلال عام 2025 صعّد ترمب هجماته على الصحافة الحرة وأعلن حرباً على المؤسسات الحكومية المستقلة، وقوض سيادة القانون من خلال ممارسة ضغوط سياسية على القضاة كي ينحازوا له، وقد نقل هذه المعركة إلى أوروبا: إذ تدخل نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم علناً خلال الانتخابات في ألمانيا وبولندا ورومانيا، أو انحازا إلى أطراف معينة، فمثلاً لم يلتق فانس بالمستشار الألماني أولاف شولتز خلال "مؤتمر ميونيخ للأمن" في فبراير 2025، لكنه التقى زعيمة حزب "البديل من أجل ألمانيا" أليس فايدل، وانتقد علناً سياسة "جدار الحماية" الألمانية التي تبقي الحزب مستبعداً من مفاوضات الائتلافات الحكومية الرئيسة، وفي ميونيخ هاجم فانس أيضاً إلغاء المحكمة الدستورية الرومانية للجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في ضوء أدلة قوية على وجود تأثير روسي عبر تطبيق "تيك توك"، وقال في خطابه إن أكبر تهديد لأوروبا يأتي من الداخل، وإن حكومات الاتحاد الأوروبي "تعيش في خوف من ناخبيها".
في غضون ذلك أقدمت نويم على خطوة غير مسبوقة، إذ حثت علناً جمهوراً في ياسيونكا في بولندا، على التصويت إلى مرشح اليمين المتطرف كارول ناوروتسكي، واصفة منافسه الوسطي بأنه "قائد فاشل بكل معنى الكلمة"، وبدلاً من رفض هذا التدخل العدائي في الانتخابات، التزمت قيادة الاتحاد الأوروبي الصمت إلى حد كبير حيال هذه المسألة، على الأرجح أملاً في أن يستمر التعاون في مجالات أخرى، ويتجلى هذا النهج المعاملاتي بوضوح في تحقيق المفوضية الأوروبية في شأن التضليل الإعلامي على منصة "إكس"، منصة التواصل الإجتماعي المملوكة أساساً لإيلون ماسك، الحليف السابق لترمب.
في البداية وجهت بروكسل اتهامات قوية ضد المنصة، بما في ذلك أنها تضخم الروايات الموالية للكرملين وتفكك فرق نزاهة الانتخابات قبل انتخابات الاتحاد الأوروبي، لكن التحقيق تباطأ لاحقاً وجرى التقليل من أهميته، إذ مُنحت "إكس" مهلاً متكررة للامتثال، وأشارت بروكسل إلى تفضيلها "الحوار" على العقوبات.
ولا يقتصر فشل هذه الإستراتيجية على عدم تحقيق صفقات تخدم المصلحة الأوروبية، بل إنها تأتي أيضاً بكلفة سياسية، فهي تسهم في تطبيع السلوكيات غير الليبرالية في الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تضيق هامش أوروبا للدفاع عن المعايير الليبرالية في الداخل والخارج، وقد تبنى قادة اليمين بالفعل الرسائل السياسية الصادرة من واشنطن، فمثلاً بعد تصريحات فانس في ميونيخ، أشاد مسؤولون مجريون بواقعية نائب الرئيس، وبعد مقتل الشخصية اليمينية الأميركية تشارلي كيرك، دان رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان "اليسار المحرض على الكراهية" في الولايات المتحدة، وحذر من أن "أوروبا يجب ألا تقع في الفخ نفسه".
وفي مختلف أنحاء القارة اغتنمت أحزاب اليمين المتطرف مثل هذه اللحظات لتصوير نفسها كجزء من نخبة غربية أوسع مضادة للنخب القائمة، فيما امتنع القادة الأوروبيون التقليديون من إدانة هذه الخطابات بالحزم الذي اعتادوا إبداءه في السابق خشية تأجيج التوتر مع الولايات المتحدة، وكما هو الحال في ملفي الإنفاق الدفاعي والتجارة، رأى كثر في أوروبا بأنه لا جدوى من استفزاز واشنطن في شأن تراجع الديمقراطية الأميركية، ففي نهاية المطاف من غير المرجح أن يؤثر رد الفعل الأوروبي في السياسة الداخلية الأميركية، ويرى بعض مؤيدي إظهار رد فعل أوروبي أكثر سلبية أن الدعم الفج والاستفزازي الذي يقدمه أنصار ترمب لليمين المتطرف في أوروبا قد يزرع بذور زواله، ففي كل من أستراليا وكندا انتهى المطاف بالمرشحين الأوفر حظاً والمدعومين من ترمب إلى الخسارة في انتخابات ربيع 2025، وقد أظهرت بعض النتائج الباكرة أن هذه الإستراتيجية قد تنجح في أوروبا أيضاً، ففانس وماسك مثلاً قدما دعماً كاملاً لـ "حزب البديل من أجل ألمانيا" لكن ذلك لم يكن له أي تأثير يُذكر في نتيجة الانتخابات في ألمانيا.
وفي رومانيا خسر المرشح الأوفر حظاً الموالي لروسيا وترمب في الانتخابات الرئاسية، بينما حقق الليبراليون عودة لافتة في هولندا، أما في بولندا فقد فاز المرشح المدعوم من نويم في الانتخابات الرئاسية، وفي جمهورية التشيك فاز أيضاً الملياردير الشعبوي المؤيد لترمب، وعلى رغم أن الأدلة ليست قاطعة بعد فإن ما بات واضحاً هو أن سياسة الاسترضاء لم توفر حماية تُذكر من الانجراف نحو السياسات غير الليبرالية داخل أوروبا نفسها، فمن خلال تخفيف حدة دفاعه عن القيم الديمقراطية في الخارج، جعل الاتحاد الأوروبي معالجة تآكل هذه القيم في الداخل أكثر صعوبة.
الواحد للكل والكل للواحد؟
يدرك الأوروبيون بالفعل ما الذي يتعين عليهم فعله لوقف هذه الحلقة المفرغة، وقد وُضعت خريطة طريق لاتحاد أوروبي أقوى عام 2024 من خلال تقريرين شاملين أعدهما رئيسا وزراء إيطاليا السابقان، بهدف الاستفادة من نجاحات صندوق التعافي الأوروبي بعد الجائحة، وفي الواقع اقترح إنريكو ليتا وماريو دراغي تعميق السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي في مجالات مثل التمويل والطاقة والتكنولوجيا، وإنشاء مبادرة استثمارية رئيسة جديدة من خلال الاقتراض المشترك.
لكن على رغم الاهتمام الإيجابي الذي حظيت به هذه المقترحات في البداية لكن معظمها ظل حبراً على ورق بعد عام واحد، ويواجه القادة الأوروبيون ناخبين قلقين من غلاء المعيشة ومتشككين إزاء مزيد من التكامل، وحساسين تجاه أي مبادرة ديون مشتركة ضخمة قد تبدو وكأنها تقيد السيادة الوطنية أو تزيد الأخطار المالية، لذا فإن المطلوب ليس مخططاً متطرفاً آخر بل جهداً مركزاً على ما يمكن تحقيقه سياسياً، ومع أنه لا يوجد حل واحد إلا أن الاتحاد يستطيع اتخاذ خطوات أصغر في مجالي الدفاع والتجارة تقلل اعتماده على الولايات المتحدة، كما يمكنه إجراء تغييرات في علاقاته مع الصين وسياسته في مجال الطاقة بما يعيد له القدرة على الفعل ويعزز استقلاليته.
لقد سعى الاتحاد الأوروبي خلال الأعوام الأخيرة إلى معالجة مشكلة بنيته الأمنية، فمثلاً عمل على إطلاق صندوق الدفاع الأوروبي ووضع إطاراً لتنسيق المشاريع المشتركة، وأنشأ مرفق السلام الأوروبي الذي اُستخدم لتمويل شحنات الأسلحة إلى أوكرانيا (إلى أن عرقلتها المجر)، كما وضع سياسة صناعية دفاعية واقترح خطة جاهزية دفاعية لعام 2030 تتضمن مبادرات في مجال الطائرات المسيرة والبر والفضاء والدفاع الجوي والصاروخي، إلا أن هذه الأدوات لا تزال في معظمها طموحات أكثر منها واقعاً، وعندما تؤتي ثمارها تكون النتائج محدودة وبطيئة، وتركز أساساً على تنسيق الصناعات الدفاعية والمهمات الصغيرة.
كما عرّت هذه الأدوات نقطة الضعف البنيوية في الاتحاد الأوروبي والمتمثلة في اشتراط الإجماع في السياسة الخارجية والأمنية، مما يجعل اتحاداً يضم 27 دولة قابلاً لاختطاف مساره وتعطيله بقرار دولة واحدة، فمثلاً استخدم رئيس وزراء المجر أوربان حق النقض (الفيتو) ضد المساعدات المقدمة لأوكرانيا، ومحادثات انضمامها والعقوبات المفروضة على روسيا 10 مرات في الأقل، وإضافة إلى (الفيتو) اُتهم عضو المفوضية الأوروبية المجري أوليفر فارهيلي أخيراً بالانتماء إلى شبكة تجسس مزعومة في بروكسل، وعلى رغم أن هذا مجرد ادعاء حتى الآن لكنه يثير تساؤلاً أوسع نطاقاً حول ما إذا كانت الثقة السياسية لا تزال كافية لمناقشة قضايا الأمن الحيوية.
هدف (الناتو) بإنفاق خمسة في المئة على الدفاع والأمن مادة دسمة تستغلها الحركات الشعبوية
واستطراداً تختلف حساسيات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تجاه الولايات المتحدة، فدول شرق أوروبا ودول الشمال الأوروبي لا تزال تنظر إلى واشنطن باعتبارها الضامن الأمني النهائي لها، بينما تفضل فرنسا وألمانيا وأجزاء من جنوب أوروبا مزيداً من الاستقلال الذاتي، وفي الوقت نفسه فإن بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي ليست جزءاً من "الناتو"، مثل النمسا وإيرلندا ومالطا، تواجه قيوداً بسبب قوانين الحياد الدستورية التي تحد من قدرتها على المشاركة في الدفاع الجماعي، وإضافة إلى ذلك فلدى عدد من الدول الأعضاء نزاعات ثنائية لم تُحل، مثل الخلاف بين تركيا واليونان حول قبرص وشرق المتوسط.
وبدلاً من ابتكار حل أوروبي شامل لمشكلة الدفاع الأوروبية يكمن المسار الأكثر واقعية في إنشاء "تحالف الراغبين" الأوروبي، فالمجموعة التي تبلورت حول الدعم العسكري لأوكرانيا توفر أساساً متيناً لمثل هذا التحالف، وعلى رغم أنها لا تزال غير رسمية فقد بدأت هذه المجموعة التي تقودها فرنسا والمملكة المتحدة، وتضم ألمانيا وبولندا ودول الشمال والبلطيق، تتشكل من خلال اجتماعات تنسيق منتظمة بين وزراء الدفاع واتفاقات أمنية ثنائية، أبرزها الاتفاقات الأمنية التي قادتها أوروبا مع كييف والموقعة في برلين ولندن وباريس ووارسو العام الماضي، وقد أظهرت المجموعة التزاماً تجاه كييف بغض النظر عن التحولات السياسية في الولايات المتحدة أو داخل بلدانها، ودعمت هذا الالتزام بإمدادات أسلحة مستمرة وتعهدات مساعدات ثنائية طويلة الأجل، وبرامج تدريب وشراء مشتركة مصممة للحفاظ على استمرار المجهود الحربي الأوكراني حتى في حال تراجع الدعم الأميركي، والمنطق وراء هذا التحالف له بعدان، معياري وإستراتيجي في آن واحد، إذ تُدرك هذه الدول أن الأمن الأوروبي يعتمد في نهاية المطاف على قدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها عسكرياً وبقائها دولة مستقلة.
لم يكن التحالف مثالياً بالطبع، فقد كان تركيزه حتى الآن نظرياً إلى حد كبير متمحوراً حول فكرة قوة طمأنة [وردع] افتراضية، ولم يبدأ إلا أخيراً بتحويل اهتمامه إلى دعم دفاعات أوكرانيا من دون الاعتماد على الولايات المتحدة، ومع تطوره ينبغي أن يركز على تعزيز القوات التقليدية وتنسيقها ودمجها، وفي نهاية المطاف عليه أن يتصدى لأصعب معضلة تواجه الدفاع الأوروبي: الردع النووي.
يُعد الردع النووي موضوعاً شبه محظور في أوروبا، إذ لا يوجد بديل فعال للمظلة الأميركية، فالقدرات النووية الفرنسية والبريطانية غير مهيأة لمواجهة الترسانة النووية الروسية الضخمة، لكن إضفاء الطابع الأوروبي على هذا الردع يثير معضلات لا حصر لها مثل تمويل توسيع القدرات النووية الفرنسية البريطانية، وتحديد آلية اتخاذ القرارات في شأن استخدامها وتوفير الدعم العسكري التقليدي اللازم لتمكين قوة الردع النووي والقدرة على توجيه ضربة.
إن مسألة ضمان الردع النووي في أوروبا بالغة الأهمية إلى حد لا يسمح للأوروبيين بمواصلة تجاهلها، وقد خطت بولندا وفرنسا خطوة أولى بتوقيعهما معاهدة دفاع ثنائية في مايو (أيار) الماضي، ورحب القادة البولنديون بفكرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بتوسيع نطاق المظلة النووية الفرنسية لتشمل الحلفاء الأوروبيين.
هذه بداية واعدة لكن ليس من المفترض أن تظل هذه المحادثات ثنائية بل من الأفضل أن تمتد لتشمل تحالف الراغبين، فالهدف ليس استبدال "الناتو" بل ضمان قدرة أوروبا على الوقوف على قدميها ومواجهة التهديدات الخارجية حتى في حال انسحاب واشنطن فجأة.
روح القيادة الذاتية
ينطبق هذا المنطق نفسه على التجارة، فلطالما اعتمد ازدهار أوروبا على الانفتاح لكن صفقة الاتحاد الأوروبي غير المتكافئة مع ترمب كشفت مدى سهولة استغلال التزام الاتحاد بالتجارة الحرة عبر الأطلسي، ومع ذلك يمتلك الاتحاد الأوروبي شركاء يتشاركون معه التوجهات نفسها، وقد بدأ بالفعل جهود التنويع من خلال توقيع وتنفيذ اتفاقات تجارية مع كندا واليابان وكوريا الجنوبية وسويسرا والمملكة المتحدة، وينبغي عليه تعميق هذه العلاقات التجارية والمضي قدماً أيضاً بتوقيع وتصديق اتفاقات أخرى مع الهند وإندونيسيا ودول ميركوسور في أميركا اللاتينية، مع تسريع المفاوضات والتوصل إلى اتفاقات مع أستراليا وماليزيا والإمارات العربية المتحدة وغيرها.
وإضافة إلى الاتفاقات الثنائية ينبغي على الاتحاد الأوروبي الاستثمار في إستراتيجية أوسع للحفاظ على النظام التجاري العالمي نفسه، فقد شُلت منظمة التجارة العالمية تماماً منذ عام 2019، عندما توقفت هيئة الاستئناف التابعة لها عن العمل بسبب عرقلة الولايات المتحدة لتعيين قضاة جدد، ومع ذلك بإمكان الاتحاد الأوروبي تطوير آلية بديلة لتسوية النزاعات ووضع القواعد من خلال العمل مع أعضاء الاتفاق الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ، ومع مشاركة أكثر من 20 دولة تمثل مجتمعة ما يزيد على 40 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في التجارة مع الاتحاد الأوروبي، فإن مثل هذا الجهد سيؤدي عملياً إلى إنشاء نظام مكمل لعمل منظمة التجارة العالمية، وكذلك سيوفر إطاراً للتعاون بين القوى المتوسطة التي تتشارك مع أوروبا مصلحة الحفاظ على نظام مفتوح قائم على القواعد، وسيُظهر ذلك أن أوروبا لا تزال قادرة على تشكيل الحوكمة الاقتصادية العالمية بدلاً من الاكتفاء بالتجاوب مع تحركات الولايات المتحدة أو الصين على رقعة الشطرنج الجيوسياسية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ومن أجل تعزيز هذه القدرة على الفعل تحتاج أوروبا إلى وضع سياسة مستقلة تجاه الصين، فمع تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين أصبحت سياسة أوروبا تجاه بكين رهينة لسياسة واشنطن، وخلال إدارة بايدن لم يُعتبر هذا الأمر مشكلة، إذ كانت أوروبا تعتمد إستراتيجياً على الاستخبارات الأميركية وتخضع لأطر الرقابة الأميركية على الصادرات، لكنها كانت تتمتع بشريك موثوق به ويمكن التنبؤ بتصرفاته عبر المحيط الأطلسي، أما الآن ومع تذبذب سياسة ترمب تجاه الصين بين التصعيد وعقد الصفقات، فقدت أوروبا بوصلتها، فلا تزال بروكسل تفرض تعرفات جمركية على السيارات الكهربائية الصينية، وتشتكي من دعم بكين غير المباشر للجهود الحربية الروسية في أوكرانيا، لكن يبقى من غير الواضح كيف يمكن للاتحاد الأوروبي أن يتصدى للصين في حين تعقد واشنطن صفقات ثنائية مع بكين من وراء ظهره.
وفي سبيل استعادة صدقيته كفاعل عالمي، ينبغي على الاتحاد الأوروبي اتباع نهج مزدوج مع الصين: رصين عندما يكون أمن أعضائه على المحك وبراغماتي ونشط اقتصادياً في المجالات الأخرى، فعلى الصعيد الأمني لن تتمكن أوروبا من إقناع الصين بالتوقف عن التجارة مع روسيا وشراء النفط والغاز منها، لكن بإمكان الأوروبيين إقناع بكين بالتوقف عن تصدير السلع ذات الاستخدام المزدوج التي تخدم الأغراض العسكرية والمدنية على حد سواء، إلى روسيا، وبالطبع ستتوقع الصين مقابلاً، بما في ذلك تنازلات قد يراها بعضهم في أوروبا محرجة سياسياً، مثل تعهد "الناتو"، بالتوقف عن التعاون الرسمي مع شركائه في شرق آسيا.
ويتعين على أوروبا أيضاً مواجهة مأزقها في مجال الطاقة، فمنذ الغزو الروسي لأوكرانيا استبدل الأوروبيون نقطة ضعف، وهي الاعتماد على الغاز الروسي بنقطة ضعف أخرى، وهي الاعتماد الكبير على الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة، وعلى رغم أن هذا التحول كان حتمياً على المدى القصير لكنه لا يمكنه أن يكون أساساً لأمن الطاقة على المدى الطويل، ولا سيما في ظل حال تقلب العلاقات عبر الأطلسي، وباعتبار أوروبا قارة فقيرة بالوقود الأحفوري فيجب على الاتحاد الأوروبي أن يشق طريقاً أكثر استدامة، وهذا يعني كحد أدنى توسيع شبكة شركائه في مجال الطاقة، وتنمية علاقاته مع الموردين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومناطق أخرى، ولكنه يعني أيضاً مضاعفة الالتزام بالصفقة الخضراء الأوروبية التي يجري حالياً تفريغها من مضمونها تدريجياً من خلال قوانين شاملة تدعمها أحزاب يمين الوسط واليمين المتطرف.
إن سياسات الصفقة الخضراء معقدة ولا سيما في ظل أزمة غلاء المعيشة وبطء النمو، لكن البديل المتمثل في استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري وما يرافقه من انكشاف وهشاشة جيوسياسية، أسوأ بكثير، ويجب أن تكون الرسالة واضحة: تنويع مصادر الطاقة لا يتعلق بتغير المناخ وحسب بل أيضاً بالسيادة، وعلاوة على ذلك فمن شأن إستراتيجية صناعية خضراء موثوقة أن تساعد في خلق وظائف عالية التكنولوجيا تدعي الأحزاب القومية أنها ترغب في الدفاع عنها، وستظهر هذه الإستراتيجية أن خفض الانبعاثات الكربونية وتعزيز القوة الاقتصادية يمكنهما عملياً أن يدعما ويكملا بعضهما بعضاً.
قوة الرفض
مجتمعة لن تُحدث هذه الخطوات تحولاً جذرياً في أوروبا بين عشية وضحاها، إلا أنها ستبدأ في تغيير الديناميكية السياسية التي حبست القارة في حلقة من التبعية والانقسام، فكل مبادرة، من الجاهزية الدفاعية إلى تنويع التجارة وصياغة سياسة أوروبية مستقلة تجاه الصين، وصولاً إلى التحول الطاقي وتعزيز الاستقلالية، ستبرهن قدرة أوروبا على العمل الجماعي والإستراتيجي حتى في ظل الظروف الصعبة، والنجاح في أي من هذه الجبهات سيعزز الثقة في الجبهات الأخرى ويُوفر الدعم السياسي لخطوات أكثر جرأة.
والهدف الأوسع هو استعادة الشعور بأن مصير أوروبا لا يزال بين يديها، ولا تتطلب الاستقلالية الإستراتيجية مواجهة واشنطن أو التخلي عن التحالف الأطلسي، بل تتطلب القدرة على الرفض عند الضرورة والتصرف باستقلالية عند تباين المصالح، ودعم مشروع داخلي متماسك، ولقد كان الاسترضاء هو الموقف الافتراضي السائد في أوروبا لفترة طويلة جداً، وكان مفهوماً بل وعقلانياً في بعض الحالات لكنه في نهاية المطاف كان خياراً مضراً وذاتي التقويض، أجج رد فعل قومي مضاد عنيف، والبديل ليس التباهي السياسي أمام الرأي العام أو الانعزال، بل القدرة على العمل الثابت والمتأني، وإذا استطاعت أوروبا حشد هذه القدرة فقد تخرج من هذه المرحلة من الاضطرابات في العلاقات عبر الأطلسي أكثر اعتماداً على الذات، وأكثر وحدة وأكثر احتراماً على الساحة الدولية مما كانت عليه من قبل.
مترجم عن "فورين أفيرز" يناير (كانون الثاني) / فبراير (شباط) 2026
ماتياس ماتيس أستاذ مشارك في الاقتصاد السياسي الدولي في كلية الدراسات الدولية المتقدمة التابعة لجامعة جونز هوبكنز، وزميل بارز لشؤون أوروبا في "مجلس العلاقات الخارجية".
ناتالي توتشي أستاذة كرسي جيمس أندرسون متخصصة في التطبيق العملي في كلية الدراسات الدولية المتقدمة التابعة لجامعة جونز هوبكنز في بولونيا، ومديرة معهد الشؤون الدولية في روما.