ملخص
كان الاتحاد السوفياتي يعيش في عام 1937 أشد فترات الحكم الستاليني بطشاً. من ذروة العنف هذه، يبدأ "مدعيان عامان" للأوكراني سرغي لوزنيتسا، الذي شاهدناه في مهرجان الجونة ثم في مهرجان تسالونيك. لوزنيتسا هو المخرج الذي يقفز بلا أي صعوبة بين النوعين الوثائقي والروائي، وهناك دائماً القليل من هذا أو ذاك في كلّ فيلم له.
نرى في فيلم "مدعيان عامان"، رجلاً مكلفاً بالجلوس أمام آلاف الرسائل التي يحرص على حرقها. هذه رسائل من أبرياء زُجّوا في السجن بعدما سيقت ضدهم اتهامات خلال ما عُرف بفترة التطهير الكبير (1936 - 1938). في خطوة تحمل الكثير من الدلالات، تحرق السلطة هذه الرسائل من دون الاطلاع عليها حتى، مما يعني أن أي محاولة من السجين كي يلقى توقيفه آذاناً صاغية مرفوضة سلفاً.
إحدى هذه الرسائل تصل بسحر ساحر إلى مدع عام عُيِّن حديثاً ويُدعى ألكسندر (ألكسندر كوزنيتسوف)، فيحاول كل ما في وسعه، خرق البيروقراطية الستالينية الحديدية ولقاء صاحب الرسالة على رغم محاولة القائمين على السجن بإقناعه ألا يفعل.
من خيوط جد بسيطة، يحيك لوزنيتسا فيلماً يصبح مع الوقت وثيقة بصرية لفهم مدى الشمولية في النظام الشيوعي الذي ترك إرثه الهائل في الوجدان الروسي، كما يقول ألكسندر سوكوروف.
شأنه شأن جعفر بناهي في "حادث بسيط"، يحاول لوزنيتسا تفكيك البنية الحاكمة من خلال المكلّف بتطبيق القانون. في كلا الفيلمين، السجان أو الجلاد هو في وسط المعمعة. فالسجّان شخصية سينمائية تُكثِّف وتجسِّد قوى مجردة تصعب رؤيتها مباشرةً. إنه العنف المؤسسي والأخلاق الرسمية، بل الذراع البشري لهذا النظام، ينفذ ويجسِّم قوة تتجاوز الفرد. وجوده في الفيلم يظهر كيف تنتقل السلطة من الأعلى إلى الأسفل، وكيف تمارَس فعلياً. السجّان شخصية ملتبسة، فهو ليس الطاغية ولا الضحية، يشارك في حماية النظام، لكنه ليس بالضرورة صانعه، ومن هنا فهو شخصية أدبية لما يحمل من تناقضات. من هنا يمكن القول إن فيلم لوزنيتسا هو عن كيفية صناعة القمع والحفاظ عليه، أكثر من كونه عن الظلم نفسه، ولو أن الاثنين لا بد أن يلتقيا.
الحديث عن السلطة من خلال السجن يكشف عن النحو الذي يحيا به النظام ويتنفّس ويتجسّد، لا في قمّته البعيدة، بل في أولئك المكلّفين بالمراقبة والضبط. هذه المقاربة تظهر إلى أي مدى القمع ليس بناءً عمودياً صرفاً، بقدر ما هو قوة متسربة، يومية، تنفذ إلى السلوك والوعي، حتى تُصبح جزءاً من الداخل قبل أن تكون سيفاً مصلتاً من الخارج.
بدلاً من الأرشيف الذي عرف كيف يوظّفها في أفلامه الوثائقية، نبش لوزنيتسا هذه المرة في أدب السجون فعثر على رواية كان كتبها جورجي ديميدوف، عالم الفيزياء الذي وضعه ستالين خلف القضبان. منذ البداية، ندخل مع الفيلم في عالم مواز تكثر فيه الحواجز ونقاط التفتيش والأروقة والأبواب وغرف الانتظار والمفاتيح التي يثير صوت حفيف بعضها ببعض ذلك الإحساس المطلوب بالقلق والريبة. لا يحتاج الفيلم إلى الكثير من عناصر الإبهار ليضعنا في قلب الجحيم الستاليني، لكونه يلجأ إلى الأسلوب التقليلي. إنها بيئة مكبّلة تختزل نوعاً ما كل سجون الأنظمة القمعية. لا نعرف ما يجري خلف الأبواب المغلقة، لكننا نتلمس عمق الفراغ المُلقى علينا.
يعتمد الإخراج على كادرات ثابتة بألوان غامقة وباردة وإيقاع يتطور ببطء وبصمت يكاد يكون مزعجاً للأذن. تُحبَس الشخصيات داخل هذه الكادرات لتصبح لقطة بعد لقطة أشبه بحيز زماني ومكاني لا فرار منه. يخرج من هذا كله فيلم عن الرعب الستاليني، لكنه رعب لا نرى منه شيئاً مجسّداً، بل هو رهن مخيلة المشاهد واجتهاده، بعد أن يكون المخرج قد سلمه كل مفاتيح ذلك الخيال موفراً له أرضاً خصبة ينمو فيها. كل شيء محسوس ولا شيء ملموساً، وذلك عبر الأجواء الضاغطة. غياب السجناء عن الصورة هو الآخر خيار جمالي ذكي يدفع الفيلم إلى أقصاه، فيزداد حضورهم عبر غيابهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يصعب الحديث عن الفيلم من دون التوقّف عند شخصية المدعي العام، هو الأشبه بشخصية تخرج من رواية لفرانز كافكا، علماً أن السجن نفسه كافكاوي: كل باب إضافي وكأنما يحاول إبعاد ألكسندر عمّا يحدث خلفه، ويبعده بالتالي عن الحقيقة التي يبحث عنها. الميكانيزم الكافكاوي حيث الإجراءات القضائية لا مبرر لها إلا في نظر النظام الذي يرعاها، هو أيضاً جزء من الفيلم. لا ترفض السلطة طلب ألكسندر، لكنها تلجأ إلى الالتواءات، والبطء والمضايقات الصامتة. هذه الصورة عن العنف المخملي أو "الآلة التي تسحق بلا إنذار"، تحمل طابعاً شديد الكافكاوية. أما هندسة السجن فهي ساحقة للإنسان الذي يدخله. توهانه داخل هذه الدهاليز، معنوي واستعاري أكثر منه جسدي.
بقدرته على التعبير بأقل الإمكانات، يحاكي الفيلم عقلية رجل العدل الذي يعتقد أنه سيكسر القيود ويحرر المظلوم، قبل أن يعي أنه أمام رقيب يجلس على كتفه ويرافقه أينما حلّ. النظام الذي جاء يحاسبه، سيبتلعه مرة بعد مرة، جاعلاً منه سجيناً غير مدرك لسجنه. من هنا، يضع الفيلم مثالية ألكسندر في مواجهة الواقع الذي يزداد ثقلاً كلما اقترب الفيلم نحو الختام. في لحظة الحشر، يجد النظام نفسه أمام حل واحد هو التصفية الصريحة. هذه النظرة المتحمسة للإصلاح الذي لدى المدعي العام يجابهها الفيلم بمجموعة من السجانين الذين تطبعوا مع الأحوال، إذ لا يتوانى أحد المسؤولين عن إطلاق نكتة في لقاء له مع ألكسندر، محورها حديث بين شخصين: "ماذا كنت تفعل أثناء الثورة؟ - كنتُ أنتظر في السجن. - وماذا فلعت بعد الثورة؟ - كان السجن ينتظرني".
إشارة عبثية تكشف انعدام الفرق بين حقبتين، خلال الثورة وما بعدها. هذا كله قبل أن تقوم كاميرا لوزنيتسا بدورة كاملة لينهي قصته بالضبط من حيث بدأ عبر حركة دائرية. تُفتح بوابة السجن كي ندخل ونشهد، قبل أن تُغلق لمرة أخيرة، وبين اللحظتين لا شيء سوى صناعة الموت البطيء.