Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من "غريب" كامو إلى مأزومي محفوظ: عزلة الإنسان المحاصر بين العبث والقدر

شخصيات الزمن نفسه حين تلتقي حركة الصعود بهبوط القيم واللامبالاة المطلقة

نجيب محفوظ: يوم كانت الحركة صاعدة (غيتي)

في تاريخ الرواية الحديثة ثمة شخصيات لا تقرأ فقط بوصفها أبطالاً في حكاية، بل بوصفها علامات على عصر كامل. ميرسو في الغريب أحد هؤلاء، وكذلك سنجد عند نجيب محفوظ، في سياق آخر، شخصيات تشبه تلك العلامات الكبرى: سعيد مهران وأحمد عبدالجواد وكمال وفهمي وعمر الحمزاوي، وحتى الشيخ حسنين ورؤوف علوان… شخصيات لا يراد لها أن تعيش فحسب، بل أن تعبر عن بنى اجتماعية وأخلاقية وسياسية تمر بها مصر في القرن الـ20. وهذه المقارنة بين ميرسو وبعض شخصيات محفوظ ليست مجرد تمرين أدبي، بل هي رحلة في سؤال الإنسان حين يلقى به في قلب التاريخ.

وهنا لن نبدأ من النص، بل من اللحظة التي أنتج فيها النص: الجزائر المستعمرة عند كامو، ومصر المتحولة عند محفوظ. من هذين السياقين يمكن أن نفهم كيف تتجاور الغربة الوجودية عند ميرسو مع الغربة الأخلاقية والاجتماعية عند محفوظ، وكيف يصبح الفرد في الحالتين محكوماً بقوى أكبر منه: العبث هنا، والقدر الاجتماعي - السياسي هناك. حين كتب كامو "الغريب" عام 1942، كان العالم على وشك الخراب، أوروبا تحترق، فرنسا منهارة، والجزائر نفسها، تلك الأرض التي نشأ فيها كامو، كانت تزداد انفصالاً بين ساكنيها الأوروبيين والعرب. في هذه اللحظة يخلق كامو شخصية تبدو وكأنها محذوفة من التاريخ، لا رغبة لها في الانتماء، لا إلى مجتمع ولا إلى معركة ولا حتى إلى منظومة قيم. ميرسو لا يبكي في جنازة أمه، لا يحزن حين تتركه ماري، لا يشعر بالقسوة حين يطلق الرصاصة على العربي، إنه كائن بلا دراما داخلية.

 

الفراغ دراما العصر

لكن كامو يريد أن يقول شيئاً آخر من خلال تلك الشخصية التي لا تكاد تكون ذاتية الأبعاد في نهاية المطاف: إن هذا الفراغ نفسه هو دراما العصر، العصر الذي فقد معنى الموت والحياة، الخير والشر، العقاب والثواب، ولذلك فميرسو ليس بطلاً روائياً بقدر ما هو "حالة": حال الإنسان الأوروبي الذي، وسط جغرافيا استعمارية لا تعنيه ولا يراها، يجد نفسه غريباً عن كل شيء، حتى عن جسده الذي يجره إلى القتل بفعل الحر والضوء. ميرسو رمز لزمن لم يعد فيه وجود الإنسان يقاس بما يفعل، بل بما لا يشعر، ولكن إذا كان كامو يعزل بطله عن التاريخ، فإن محفوظ يفعل العكس تماماً، محفوظ ابن وفي للمدينة، للحارة، للطبقات الاجتماعية، للأزمنة المتغيرة. ومن هنا ما سنراه لدى محفوظ من صورة للإنسان داخل شبكة القدر الاجتماعي، إذ إن شخصياته لا تفهم إلا عبر مصر نفسها: أي ضمن تشابكات التاريخ المصري بين الاستعمار البريطاني وثورة 1919 وأحلام الملكية والصعود الناصري بما نتج منه من سقوط الإقطاع وبدء عصر الدولة الحديثة، وهنا لا تستطيع شخصية محفوظ أن تكون "خارج العالم" بتقلباته.

خيانة سياسية واجتماعية

سعيد مهران في "اللص والكلاب" ليس عبثياً مثل ميرسو، إنه نتاج خيانة سياسية واجتماعية، وكمال عبدالجواد ليس عدمياً، بل مثقفاً يبحث عن الحقيقة في دوامة القومية والدين والفلسفة، أما أحمد عبدالجواد فليس "رجلاً في الفراغ"، بل سلطة ذكورية متجذرة في بنية عائلية تعكس البنية الكبرى للدولة والمجتمع. شخصيات محفوظ لا تهرب من المعنى، بل تغرق فيه، لذا فإن ما يكون عبثاً عند كامو… يتحول إلى قدر عند محفوظ. والغربة على أية حال، هي المفهوم الذي يجمع ميرسو ومحفوظ معاً، لكنه يأخذ شكلين مختلفين تماماً: غربة وجودية (كامو) حيث ميرسو غريب عن نفسه قبل العالم، لذا فإن الغربة هنا فلسفية، وليست اجتماعية، ميرسو لا يهمه الفقر أو الطبقتان الأوروبية والعربية أو علاقة الجلاد بالضحية، إنه "غريب" لأنه لا يرى في العالم معنى يستحق الالتزام، وفي المقابل ليس صعباً أن ندرك كم أن الغربة اجتماعية – أخلاقية (محفوظ).

شخصيات محفوظ لا تهرب من المعنى، بل تقتل تحت ثقله. سعيد مهران غريب لأنه خائن ومخون، محاصر بين خيانة رؤوف علوان وخيانة المجتمع، وكمال غريب لأنه عاجز عن العثور على الحقيقة في بلد يموج بالفكر والسياسة، وإسماعيل الشيخ حسنين غريب لأن المدينة تبتلعه، وعمر الحمزاوي في "السمان والخريف" غريب لأنه شاهد على سقوط عصر كان جزءاً منه، الغربة عند محفوظ ليست وجودية بل هي مصير اجتماعي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

موت الأخلاق

وهذه نقطة ربما كان يجب على النقد المعمق أن يتوقف عندها كثيراً: فحواها سؤال جوهري: كيف يتحول الإنسان إلى كائن بلا بوصلة؟ ثمة هنا جواب مزدوج يحمل الفارق الأساس بين الحالتين، فعند كامو مرجع الضياع هو عبث الوجود: الطبيعة لا تهتم بنا، القيم تنهار، الإنسان نفسه بلا تفسير، لذا فإن ميرسو يقتل لأنه منهك، ولأنه لا يجد فرقاً بين الحياة والموت.

أما عند محفوظ فمرجع الضياع هو انهيار المؤسسات والمرجعيات: السياسة خائنة، الدين متحول إلى وعظ، المجتمع يتقلب، والمدينة تتوحش. شخصيات محفوظ تقتل أو تقتل أو تنهار لأنها محاصرة، لا لأنها بلا مبادئ، وهنا بالتحديد يظهر الفرق العميق بين الكاتبين: كامو يجعل الإنسان ضد العالم ومحفوظ يجعل العالم ضد الإنسان، ومن هنا من الواضح أن كلاً من محفوظ وألبير كامو، ينهل من فلسفة في الفكر والحياة تنتمي إلى البيئة التي يعيش كل منهما فيها هو وشخصياته، وقد لا نكون بعيدين من الصواب إن نحن اعتبرنا بيئة كامو محبطة متشائمة لا مبالية، بينما بيئة محفوظ صراعية لا تستكين ومن ثم مناضلة، وإذ يلتقي الفكران فلقاء الصاعد بالهابط عند مستوى واحد.

العربي الغائب والمصري الحاضر

من السمات اللافتة أن العربي الذي يقتله ميرسو بلا اسم، وهذه نقطة سيشير إليها النقاد باعتبارها تجسيداً لعمى الاستعمار: الآخر موجود فقط بوصفه "جسداً" في طريق البطل الأوروبي. في المقابل، محفوظ يبني روايته كلها على امتلاء الآخر: الجار، الصديق، الحبيبة، الأب، الأم، الشيخ، البلطجي، البيروقراطي، الضابط… وكل شخص هنا له اسم وتاريخ ودور.

والحارة المصرية عند محفوظ هي الشخصية الكبرى التي تولد منها الشخصيات كلها، وهكذا يصبح الآخر في الأدب الفرنسي الاستعماري شبحاً، وفي الأدب المصري الاجتماعي كياناً مركزياً، لذا تولد هكذا ثنائية الجسد عند كامو… والمكان عند محفوظ. أما ما يجدر التوقف عنده هنا بالنسبة إلى هذه النقطة بالذات، فهو الإشارة إلى أن كامو يكتب برهافة الجسد: الشمس، العرق، البحر، الضوء، الحر… وهي كلها عناصر تصنع قرار ميرسو أكثر مما يصنعه عقله، أما محفوظ فإحساسه ليس بالجسد بل بالمدينة: الأزقة، المقاهي، البوابات، الشوارع، الميادين، صوت المؤذن، صخب السياسة… المكان عند محفوظ، ليس خلفية، بل منظومة قدر، وعليه: يكون ميرسو ضحية الطبيعة أما سعيد مهران فضحية المدينة، كما أن كمال ضحية التاريخ.

بحثاً عن عدالة ما

وهذا ما يعيدنا إلى المكان: المحكمة عند كامو… والشارع عند محفوظ، بالنسبة إلى الأول، محاكمة ميرسو محور الرواية، إذ يقدم كامو المحكمة كآلة لا تفهم الروح البشرية، بل تدين السلوك "غير الواقعي" (عدم بكائه على أمه) أكثر مما تدين جريمة القتل، أما محفوظ فإنه، على العكس، يجعل العدالة اجتماعية ذات أهمية أخلاقية قصوى: سعيد مهران يحاكمه المجتمع قبل القانون وكمال يحاكمه ضميره فيما أحمد عبدالجواد يحاكمه أبناؤه وإحسان في "بداية ونهاية" تحاكمها المدينة كلها، وواضح بالنسبة إلينا هنا أن العدالة عند محفوظ ليست مؤسسة واحدة، بل قوة مبعثرة تلاحق الإنسان في كل مكان.

ويقودنا هذا البعد إلى سؤال أخير: هل إنسان كامو وإنسان محفوظ في عزلة أم حصار؟ إذا أردنا تلخيص الفرق بين ميرسو وشخصيات محفوظ، يمكن القول إن ميرسو كائن بلا روابط، شخص خرج من العالم، بينما شخصيات محفوظ كائنات محاصرة بالروابط، أشخاص لا يستطيعون الخروج منها. عند كامو: الإنسان غريب لأن العالم بلا معنى، وعند محفوظ: الإنسان غريب لأن العالم مليء بالمعاني التي تحاصره، ومع ذلك، كلاهما يلتقي في الفكرة الكبرى: ذلك الإحساس بأن القرن الـ20 كان زمناً افترس الإنسان، سواء بتجريده من المعنى (كما عند كامو)، أو بإغراقه في شبكة من القدر الاجتماعي والسياسي (كما عند محفوظ)، ما يخلص هنا إلى أن الأدب العظيم لا يعرف الشخصيات بقدر ما يكتب التاريخ من خلال البشر. ميرسو هو تاريخ أوروبا حين فقدت روحها، وشخصيات محفوظ هي تاريخ مصر حين وجدت نفسها داخل زلازل لا ترحم.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة