ملخص
الصدفة وحدها هي ما قاد إلى اكتشاف رواية في معرض القاهرة للكتاب، منسوجة ومصوغة بطريقة الذكاء الاصطناعي التوليدي. ولو لم ينسَ صاحبها الذي أخفى إسمه بعد الفضيحة، أن يحررها أو يعيد قراءتها، لمرّت كما مرّ أو سيمر من روايات، وكتب من تأليف برامج الذكاء الاصطناعي.
الصدفة المحضة، إذاً، هي التي كشفت ما وُصف بـ"الفضيحة الثقافية"، ونستطيع الزعم بأنّ هناك روايات أخرى كتبت بالصيغة ذاتها، أو أنها استعانت، على الأقل، بالخيارات غير المحدودة التي تتنافس عليها الشركات الكبرى لتقديم نسخ مطورة وأكثر ذكاء من سابقاتها لتفادي الأخطاء، والحيلولة دون كشف أساليب الاحتيال، ونسبة فضل "الإبداع" إلى المستخدم في البرنامج، لا إلى الآلة التي تلبي مطالب المستخدم (وليس المؤلف).
برامج الذكاء الاصطناعي تروج في الكتابة الروائية لبراعة تطبيقاتها في توفير الوقت في نسج الحبكة السردية، وإجراء عصف ذهني باستخدام أداة "مُنشئ القصص المدعوم بتقنية الذكاء الاصطناعي"، وهي برامج بعضها مجاني، وبعضها الآخر يشترط دفع مبلغ زهيد، لقاء عائد لا يقدر بثمن وهو أن تصبح "كاتباً" بلا عناء، ويذيع صيتك وأنت مضطجع على الأريكة.
خيارات بلا حدود
واستطراداً فإن التطويرات المتسارعة في رفع مستوى ذكاء هذه الآلات، جعلت المستخدم في مواجهة خيارات كثيرة، بحيث تنجز له الآلة نصوصاً عالية المستوى، وتخيّره في خلق الشخصيات، وفي شكل الكتابة، سواء أرادها ذات منحى رمزي، أو فانتازي، أو خيالي أو تاريخي، أو متفائل، أو سوداوي. وتسأله الآلة أيضاً عن عدد الكلمات، والفصول، والعناوين الفرعية. كما تسأله عن اللغة إن شاءها فلسفية أو وجدانية، أو ذات أنفاس شعرية، وتتعهد فوق ذلك أن تصمم له غلافاً، أو تقترح عليه نماذج مختلفة.
وغير صحيح القول إنّ لغة "الشات جي بي تي" خالية من المشاعر أو التعاطف أو الذكريات. كلا. إنّ بوسع نظام منشئ السرد المدعوم بتقنية الذكاء الاصطناعي، أن يبتكر خيالاً إذا أحسن المستخدم توجيهه (بذكاء)، وبمقدور البرنامج أن يصنع حنيناً، وأن ينتج ذكريات إذا تمت تغذيته بشكل دقيق، كما أنّ باستطاعة هذا البرنامج أن يتنبأ بالمستقبل، ويفسر الأحلام، ويفك رموز الغيب في إطار السرد المتوخى. كما أنه يكتب القصائد، ويؤلف الأغاني.
ماذا يعني ذلك؟
أضحت الشركات المساهمة في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي تهتم ببرامج التأليف وتطوير الأفكار، لأنها لمست إقبالاً كبيراً عليها من قبل الطلبة (من الصفوف الأساسية إلى الدكتوراة) والباحثين، والكتاب، وكل ما له صلة بصناعة المحتوى. ومن الخيارات التي تقدمها هذه الشركات، تأمين تشفير بيانات المستخدم وحمايتها، وهذا أمر يعسّر من مهمة كشف "الانتحال" بل إنّ ثمة شركات تزعم أنّ كتابة الذكاء الاصطناعي غير قابلة للاكتشاف بنسبة ضمان 100%. ومن الخيارات أيضاً أنّ النصوص المنشأة مدعومة بلغات عالمية تبلغ أكثر من 50 لغة، وأنّها تتوفر على سمة التحسين التلقائي للمحتوى.
هذا يشبه الصراع بين الفيروسات والمضادات الحيوية، فكلما تحوّرت الأولى صار لزاماً أن تواكب المضادات هذا التحور وتنتج أدوية جديدة لجبهه. وإذا كان الفيروس فتاكاً (كما حدث خلال جائحة كوفيد 19)، فإنّ الخيار يتركز على تخفيف آثار الفيروس وتداعياته وإنهاكه، لا القضاء عليه، بسبب تعذر ذلك، ولعل هذا ما يواجه معضلة الانتحال "الذكي"، ليس في الكتابة وحسب، وإنما في شتى الميادين.
الرهان على الضمير الأخلاقي
وربما في ظل تعقد المشهد، فإنّ التعويل بانفراجة ما يبدو ذا أنفاس طوباوية أفلاطونية الحيلة، كأنّ يتم الرهان على ضمير الكاتب المبتدئ كيلا يدشن حياته منتحلاً. أما الكتاب المكرّسون ذوو الحضور، فلربما تردعهم سجاياهم الأخلاقية، مع أنهم الأقدر على الانتحال العميق (لو أرادوا) بفضل مؤهلاتهم الإبداعية، وقدرتهم على مراودة الآلة، وتنويع خيارات الكتابة وتطعيمها بلمسات تحريرية لا يتقنها إلا الراسخون في السرد والتأليف.
ولكن، هل هناك ما يستدعي قلق الكتاب والمؤلفين؟ هذا سؤال أجاب عنه تقرير نشرته صحيفة "الغارديان" أواخر العام الماضي، في أعقاب دراسة أجرتها جامعة كامبردج أفادت بأنّ أكثر من نصف الروائيين المعروفين في المملكة المتحدة يعتقدون أنّ الذكاء الاصطناعي قد يستبدل عملهم بالكامل في المستقبل.
شملت الدراسة استطلاع آراء 258 روائياً و74 شخصية من العاملين في صناعة النشر، من محررين ووكلاء أدبيين. وقال 51٪ من الروائيين إنّ الذكاء الاصطناعي من المرجح أن ينتهي به الأمر إلى استبدال عملهم كلياً، في حين قال أكثر من الثلث (39٪) إنّ دخلهم انخفض نتيجة الذكاء الاصطناعي التوليدي. وتتوقع الغالبية العظمى أن تستمر أرباحهم في التراجع مستقبلاً.
كتّاب الروايات الرومانسية مهددون
وحددت الدراسة كتاب الروايات الرومانسية، بوصفهم الأكثر عرضة للاستبدال بأدوات الذكاء الاصطناعي القادرة حالياً على إنتاج نصوص روائية طويلة، يليهم كتاب الإثارة والجريمة.
تقول الروائية الأميركية البريطانية تريسي شوفالييه التي اشتهرت برواياتها التاريخية، وأبرزها الرواية الأكثر مبيعاً عالمياً "فتاة ذات قرط لؤلؤي" (Girl with a Pearl Earring) التي بيع منها أكثر من 5 ملايين نسخة، وتم تحويلها لفيلم سينمائي: "أخشى أنّ صناعة يحركها الربح بالدرجة الأولى ستُغري باستخدام الذكاء الاصطناعي أكثر فأكثر لإنتاج الكتب".
وتضيف، حسبما أوردت الصحيفة البريطانية: "إذا كان إنتاج الروايات بالذكاء الاصطناعي أرخص، فسيختار الناشرون حتماً نشرها. وإذا كانت أسعارها أقل من الكتب التي يكتبها البشر، فمن المرجح أن يشتريها القراء، كما نشتري الملابس المصنَّعة آلياً بدلاً من الصوف المحاك يدوياً الأغلى ثمناً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قبل سنوات قليلة، كان هناك رأي أكثريّ يردد بأنّ أنظمة توليد النصوص الأدبية باستخدام الذكاء الاصطناعي ستكون عاجزة عن إنتاج محتوى أدبي يضاهي النصوص الأصلية، لأنّ الآلة لا تمتلك سحر المهارة البشرية وعبقريتها. الآن هذا الاعتقاد آخذ في التفكك، بعد أن كثفت شركات التقنية من تغذية الأنظمة، بحيث تتضمن مختلف الطرق الأسلوبية لكتابة السرد.
ماذا لو أعجب القراء بقصص الذكاء الاصطناعي؟
ولتوضيح هذه العملية، نشرت مجلة "نيويوركر" الأميركية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي تقريراً بعنوان "ماذا لو أعجب القراء بالقصص الخيالية التي يولدها الذكاء الاصطناعي؟" تناول تجربة قام بها باحث ياباني يدعى تشاكرابارتي، وكان آنذاك قد أنهى الدكتوراة من جامعة كولومبيا، وهو الآن أستاذ علوم الحاسوب في جامعة ستوني بروك الأميركية.
ويردف التقرير: أدخل تشاكرابارتي إلى نموذج "شات جي بي تي" جميع مؤلفات الكاتبة الكورية الجنوبية هان كانغ، الحاصلة على جائزة نوبل للآداب 2024. لكنه تعمد أن يستبعد مقطعاً من كتابها "الكتاب الأبيض"، الذي يصور وفاة الأخ الأكبر للراوية، بعد ساعتين من ولادته.
في ذلك المشهد القاتم، تصف هان رد فعل أمّ الراوية: "من أجل الله لا تمت، تمتمت بصوتٍ خافت، مراراً وتكراراً كأنها ترنيمة".
قبل الضبط الدقيق للمقطع، كانت صياغات الذكاء الاصطناعي متكلّفة: "عِش، همست، ترنيمة تحمل ثِقَل كيانها كله".
لكن بعد الضبط، حين قدم تشاكرابارتي ملخص المشهد للنموذج، بدا أنّ اللغة قد ازدهرت: "ضمّت الطفل إلى صدرها وتمتمت: عِش، أرجوك عِش. واصل الحياة واصبحْ ابني".