ملخص
المقطورات والبراميل الخارجة من الحقول النفطية تباع للسكان بأسعار زهيدة ومن الممكن مشاهدتها في كل ميسان، وعبرت إلى محافظات أخرى للبيع بسعر الجملة، ثم تستخدم لخزن مياه الشرب أو الغسل، على رغم أنها كانت مخصصة أصلاً لحمل مواد كيماوية نفطية عالية السمية.
يقف حيدر، وهو أب لثلاثة أطفال من إحدى قرى الكحلاء، إلى جوار برميل أزرق كبير في فناء بيته، ويصفه بأنه "أرخص خزان ماء استطعت الوصول إليه"، ويروي أنه اشتراه قبل أربعة أعوام من سوق الخردة القريب من الطريق المؤدي إلى الحقول النفطية في ميسان، حيث توقفت شاحنة صغيرة عند بوابة السوق، وأُنزلت منها براميل متشابهة، وأخبرهم البائع بأنها "براميل شركات نفطية، نظيفة ومغسولة، ومناسبة لخزن الماء".
يقول "سألت عن السعر، كان أقل من ثمن الخزان البلاستيكي في المحال إلى النصف تقريباً، ولم يكُن في قدرتي شراء غيره، فاعتبرت الأمر فرصة، وأحضرت برميلين إلى البيت".
يشرح حيدر أنه غسل البرميل مرات عدة بماء حار ومنظفات قبل أن يملأه بمياه الإسالة، ولم يكن لديه آنذاك أي مؤشر يدفعه إلى الشك، لا ملصق تحذيري، ولا جهة رسمية نبهت الأهالي إلى خطورة استخدام هذه الحاويات، "كنا نعاملها كأي خزان آخر"، بحسب قوله، مضيفاً "أعبي منه لأطفالي، وأستخدمه لسقي الدواجن وغسل أواني المطبخ، ولم يخطر في بالي أن هذا البرميل كان يحمل يوماً مواد لا علاقة لها بالماء".
مع مرور الوقت بدأ يلاحظ تغيراً في رائحة الماء في الأيام الحارة، وطبقة رقيقة تلتصق بجدار البرميل من الداخل على رغم الغسل المتكرر، غير أن ضيق الخيارات الاقتصادية ظل أقوى من مخاوفه، فشراء خزان جديد يعني إنفاق ما لا يملكه أساساً.
يقول حيدر إن وعيه بخطورة البرميل لم يتبلور إلا عندما سمع تحذيرات من ناشطين بيئيين في ميسان تتحدث عن براميل خرجت من الحقول النفطية كانت مخصصة لمواد كيماوية، وأن غسلها لا يكفي لإزالة آثار تلك المواد، "في تلك اللحظة شعرت بأن الخطر الذي كنت أسمع عنه في الأخبار عن مخلفات الشركات ليس بعيداً في الهور أو عند الحقل، بل يقف إلى جوار باب بيتي"، يقول حيدر.
ومع أنه بدأ يستخدم البرميل حالياً لأغراض غير الشرب قدر الإمكان، يقر حيدر بأن الجزء الأكبر من أعوام استخدامه كان مرتبطاً بمياه يشربها أطفاله يومياً، من دون أن تكون لديهم أية وسيلة لمعرفة ما إذا كانت تلك الحاوية، الآتية من فضاء الصناعة النفطية، قد أدخلت شيئاً من ذلك العالم إلى أجسادهم "أشعر بالذعر كل يوم أستيقظ وأرى البرميلين أمامي، أريد البكاء، ماذا فعلت بنفسي؟ ماذا فعلت بأولادي؟ هل أنتظر خبر إصابتنا بالسرطان؟".
في هور الحويزة وقراه، لم تعُد آثار الصناعة النفطية ترى عند حافة الحقول فقط، فمخلفات الحفر المدفونة في حفر الطمر والبرك المحملة بالمياه المنتجة والمعادن الثقيلة، والبراميل الخارجة من منشآت الشركات إلى أسواق الخردة ثم إلى أسطح البيوت وخزانات المياه، جميعها صارت عناصر ثابتة في حياة سكان ميسان الملاصقين للحقول.
من حوض ردم قرب برج حفر، إلى مسارات تصريف تتجه نحو نهر المعيل وبركة أم النعاج، وصولاً إلى حاوية كيماوية سابقة تعامل كخزان لمياه الشرب في فناء بيت أهواري، يتشكل مشهد متكامل لمخلفات تتوزع بين التربة والماء والهواء والبيت.
يرصد هذا التحقيق وللمرة الأولى، أخطار مخلفات الشركات النفطية العاملة في ميسان، من حفر الطمر والمياه الملوثة والمعادن الثقيلة، مع ملف البراميل والمقطورات الكيماوية التي انتهى بها الأمر في استخدامات منزلية من دون أي تنبيه من الجهات المختصة أو معرفة من العوائل التي لا تزال تستخدم براميل شركات النفط، ويتتبع مسارات هذه المخلفات من الحقول إلى أراضي القرى وبيوتها، كيف تنتقل النفايات من منصات الحفر وأحواض تبخير المياه المنتجة إلى النهر والبحيرة، وكيف تنعكس على جودة الماء والتربة وصحة الأسماك والجواميس وأجساد السكان، مستنداً إلى دراسات علمية ونصوص قانونية وشهادات متضررين وناشطين ومسؤولين محليين.
بيع براميل ملوثة في الأسواق
يقدم أحد العاملين في شركة نفطية صينية، صورة دقيقة عن الطريقة التي تنتقل بها البراميل الكيماوية من قلب الحقول النفطية إلى حياة الناس اليومية، إذ إن جزءاً من العمال الصينيين والمتعاقدين المحليين يتولون منذ أعوام بيع هذه البراميل والمقطورات خارج أسوار الحقول، في الغالب مقابل مبالغ مالية، وأحياناً عبر مقايضات محلية تشمل حيوانات برية مثل حيوان الرفش النادر أو مشروبات، لتصل في النهاية إلى أسواق الخردة والقرى القريبة من مواقع الإنتاج، وما يعرض هناك على الأهالي هو براميل كبيرة "جاهزة للخدمة"، تسوق على أنها حل رخيص لخزن مياه الشرب أو الغسل أو السباحة، وتستخدم أحياناً في خزن المخللات، من دون أن يدرك المشترون أنها كانت تحمل سابقاً مثبطات رغوة ومواد كيماوية نفطية مضافة، تظهر أسماؤها على الملصقات التقنية المثبتة على جوانب البراميل.
يوضح العامل الذي تحفظ على ذكر اسمه، أن هذه البراميل صارت جزءاً شبه ثابت من مشهد البيوت المحيطة بالحقول وفي أفنية المنازل وقرب الآبار وعلى أسطح البيوت، ومن الممكن رؤية مقطورات كبيرة وخزانات كانت يوماً جزءاً من منظومة إنتاج النفط.
ويضيف أن بعض عناصر شرطة النفط في نقاط التفتيش يشجعون الأهالي، بحسن نية أحياناً، على استخدامها لخزن مياه الشرب والسباحة والغسل، مما يمنحها نوعاً من "الشرعية الاجتماعية"، بينما تبقى المواد المتشبعة في جدرانها الداخلية خارج أي حساب.
وينقل عن أحد عناصر الشرطة قوله إنهم يغسلون هذه البراميل مراراً قبل استعمالها، غير أن طبقة المادة الكيماوية تبقى ملتصقة، مهما تكرر الغسل، ويروي العامل شهادة رجل يمتلك بستاناً وبحيرة صغيرة للبط، فغسل الرجل برميلاً اشتراه للتو عند مجرى النهر القريب من بستانه، ثم عاد بعد وقت قصير ليجد البط طافياً على سطح الماء، أي إن ما خرج من البرميل لم يكن ماءً عادياً.
وخلال الأعوام الأخيرة، ظهر مسار أكثر تنظيماً لخروج هذه الحاويات من الحقول، وفق ما يوضح العامل، ويشير إلى تعاقد شركة نفط مع شركة أخرى محلية لتولي عملية "تعفير" البراميل وفرمها تحت رقابة بيئية مفترضة، مع جلب عمال إيرانيين لهذه المهمة، غير أن ما يجري على الأرض هو رش سريع بالماء من دون معالجة حقيقية أو فرم منهجي، وأن كميات كبيرة من هذه البراميل تواصل الظهور في الأسواق المحلية بعد مرورها شكلياً عبر بوابة "التعفير".
وبرأيه، فإن خروج هذه الحاويات من الحقول بهذه الصورة، سواء في المرحلة السابقة التي كانت بلا متعهد رسمي، أو خلال المرحلة الحالية التي تعمل تحت عنوان "التعفير والتقطيع"، يعني أن مواد مصنفة مسرطنة وخطرة تستمر في شق طريقها إلى بيوت القرى، متخفية في صورة خزانات مياه رخيصة الثمن، من غير أن ترافقها أية منظومة تحذير أو رقابة حقيقية.
وهذه المقطورات والبراميل الخارجة من الحقول النفطية تباع للسكان بأسعار زهيدة ومن الممكن مشاهدتها في كل ميسان، وعبرت إلى محافظات أخرى للبيع بسعر الجملة، ثم تستخدم لخزن مياه الشرب أو الغسل، على رغم أنها كانت مخصصة أصلاً لحمل مواد كيماوية نفطية عالية السمية.
ويشير العامل إلى أن كثيراً من هذه الحاويات استعملت في نقل مواد مثل مزيلات الاستحلاب (Demulsifier) المستخدمة لفصل النفط عن الماء، وموانع التآكل (Corrosion Inhibitors) التي تحقن لحماية الأنابيب من الصدأ، ومثبطات الرغوة (Defoamers) المستعملة في وحدات المعالجة، وجميعها تحوي مركبات عضوية فاعلة كالأمينات والفينولات ومشتقات هيدروكربونية تصنف عالمياً ضمن المواد السامة وبعضها ضمن المسببات المحتملة للسرطان.
ويوضح المهندس (أحمد) وهو اسم مستعار، في مديرية بيئة ميسان، أن غسل هذه البراميل لا يزيل الخطر لأن جزءاً من هذه المواد يبقى ملتصقاً بسطح البلاستيك أو المعدن ويذوب تدريجاً في الماء المخزن، مما يعني تعريض العائلات، خصوصاً الأطفال، لتعرض مزمن لمواد قد تؤثر في الكبد والكلى والجهاز العصبي على المدى الطويل.
ويشير إلى أن الدائرة التي يعمل فيها رفعت خلال الأعوام الماضية أكثر من مذكرة تحذير حول بيع الحاويات الملوثة إلى الأهالي، من دون أن يصدر تنظيم واضح يوقف سلسلة التداول هذه أو يفرض تتبعاً لمصير البراميل بعد خروجها من الحقول، وفي رأيه، حين تتحول حاوية كيماوية إلى خزان ماء على سطح منزل في قرية من قرى ميسان، يكون ملف المخلفات النفطية انتقل بالكامل من نطاق الصناعة إلى قلب الحياة اليومية، وأصبح جزءاً مباشراً من الأخطار التي تواجه صحة المجتمع المحلي.
العامل يقول إن البراميل المستخدمة داخل الحقل تسرب بصورة دورية إلى خارج الموقع، وإنه لا يرى أياً منها يقاد إلى المحارق أو مواقع الإتلاف، بل يلمحها بعد فترة معروضة في الأسواق، ويضيف أن هذه الحاويات لا تستخدم خارج الحقول فقط، ففي بعض نقاط الحراسة داخل المواقع النفطية نفسها توضع البراميل الخارجة من الخدمة إلى جوار الحراس، ويطلب منهم أن يعتمدوا عليها في مياه الشرب والغسل والاغتسال، من دون توفير خزانات مخصصة وآمنة، وجزء من هذه البراميل، كما يوضح العامل، يشق طريقه لاحقاً إلى محافظات أخرى عبر تجار الجملة.
وكانت مفارز جهاز الأمن الوطني في البصرة نفذت حملة في ناحية سفوان بقضاء الزبير، انتهت باعتقال أربعة أشخاص وضبط 770 عبوة و1325 برميلاً من النوع المستخدم في نقل المواد الكيماوية الخطرة، كانت تباع فارغة في مزادات علنية بعد تفريغها من محتوياتها، وجزء من هذه العبوات يستغل في خزن المخللات أو تعبئة وبيع مياه الـRO، مما يضع مواد سبق أن استخدمت في نقل كيماويات خطرة في تماس مباشر مع الغذاء ومياه الشرب.
وأعلنت هيئة النزاهة في مايو (أيار) عام 2023 ضبط 6540 برميلاً من مواد سامة متروكة في العراء داخل موقع شركة "لوك أويل" في حقل غرب القرنة النفطي بالبصرة، منذ أعوام 2013–2016، على رغم وجود عقد قيمته 19 مليون دولار مخصص لإتلاف هذه المواد أو معالجتها خارج العراق، والهيئة وصفت هذه المواد بأنها "نفايات كيماوية خطرة تهدد أمن وسلامة المواطنين والصحة العامة".
رمي مخلفات الشركات في العراء... نحو البيوت
وفي أقصى جنوب شرقي العراق، عند حافة هور الحويزة، حيث تنتهي قرى مثل أبو خصاف والمعيل وأم النعاج على تماس مباشر مع الماء والقصب من جهة، ومع حقول نفطية آخذة في التمدد من جهة أخرى، وفي هذه البقعة لا تبقى مخلفات الصناعة النفطية في حدود الموقع الصناعي، فهناك مياه منتجة خارجة مع النفط وطين حفر مشبع بمواد كيماوية وترسبات زيتية ثقيلة، تتحرك مع قنوات الري والمجاري المائية نفسها التي يعتمد عليها سكان الهور في الشرب وسقي الجواميس وغسل الأواني، وتستقر في قاع بحيرة أم النعاج وأجزاء من الحويزة. وجزء من هذه الحقول تديره شركات صينية ضمن عقود تطوير حقول الحلفاية والحويزة، بالتنسيق مع شركة نفط ميسان ووزارة النفط.
منذ عام 2016، حين أُدرجت أهوار الجنوب، وبينها هور الحويزة، على قائمة التراث العالمي لـ"يونيسكو"، كانت الخرائط الرسمية تظهر تلاصقاً مقلقاً بين حدود الموقع المحمي وامتيازات نفطية قائمة ومخطط لها، ومع الجولة الخامسة من التراخيص، وقعت الحكومة العراقية عام 2023 عقداً للاستكشاف في حقل "الحويزة" بطول يقارب 17 كيلومتراً وعرض ثمانية كيلومترات مع شركة "جيو جيد" الصينية، في منطقة تقع داخل ميسان وعلى تماس مباشر مع حدود الهور.
بالتوازي، توسع حقل الحلفاية الذي تقوده "بتروتشاينا" وتشارك فيه شركات دولية أخرى، ليضم مئات الآبار ومنشآت معالجة ومرافق لسحب المياه من دجلة وضخها نحو الحقل، في نمط استغلال يحتاج إلى كميات ضخمة من الماء، ويستهلك جزءاً من الحصة المائية نفسها التي يعتمد عليها الهور، وعام 2022 بدأت أعمال بنى تحتية داخل الجهة الشرقية من هور الحويزة، شملت إنشاء سدود ترابية وممرات في قلب الأراضي الرطبة، وسط مخاوف معلنة من أن تتحول هذه الأعمال إلى بوابة دائمة لمعدات النفط داخل الهور، حتى حين قدمتها السلطات كإجراء أمني على الحدود.
وعام 2025 صار حقل الحويزة جزءاً كبيراً من موجة تمدد الشركات الصينية المستقلة في العراق، وفي بيانات شركة "جيو جيد" نفسها أعلن أن خطة تطوير الحقل انتقلت من مرحلة الدراسات إلى التنفيذ، فهناك برنامج حفر آبار استكشافية وتقييمية بطاقة أولية تقدر بنحو 10 آلاف برميل يومياً مع منتصف عام 2026، وصولاً إلى طاقة قد تبلغ 40 ألف برميل يومياً خلال ثلاث سنوات لاحقة، استناداً إلى تقدير رسمي باحتياطي موضع في حدود 1.5 مليار برميل في كتلة الحويزة الحدودية.
في الموازاة، وقعت الحكومة العراقية في مايو الماضي عقداً متكاملاً ضخماً مع "جيو جيد" لمشروع طاقة في جنوب البصرة، يتضمن تطوير حقل آخر وبناء مصفاة ومجمع بتروكيماويات ومحطات كهرباء، في إشارة واضحة إلى انتقال الشركة من لاعب صغير في جولة التراخيص الخامسة إلى شريك مفضل في استراتيجية الطاقة العراقية الجديدة.
ويقول الناشط البيئي مصطفى هاشم إن طريقة التعامل مع مخلفات الصناعة النفطية تكاد تتكرر من حقل إلى آخر، إذ أصبحت أحواض تبخير "المياه المنتجة" وحفر ردم نفايات الحفر جزءاً ثابتاً من بنية الحقول، تضخ فيها مياه مختلطة بنسب من النفط والمعادن الثقيلة إلى مساحات مفتوحة يفترض أن تتبخر فيها، ويضيف أن وثائق شركات تشغيل حقول مثل الرميلة تتضمن اعترافاً بأن هذه الأحواض تتحول مع مرور الأعوام إلى نقاط تراكم للزيت والمخلفات الهيدروكربونية داخل التربة، مما يعني عملياً خلق بؤر تلوث شبه دائمة في محيط الحقول النفطية، إضافة إلى إرسال البراميل الملوثة وبيعها.
ويعد حقل الحلفاية من أكثر الحقول النفطية تأثيراً في الحياة اليومية لسكان الأهوار، لتموضعه داخل نطاق التجمعات السكنية للأهالي، ووجود ست شعلات غازية فيه تشتعل بصورة دائمة فوق سماء الهور، ولا يقتصر الأثر على اللهب وحده، فالمخلفات النفطية الناتجة من التشغيل تترك في أرض الهور أو على أطرافه، وترمى المواد الكيماوية المختلفة، من رواسب زيتية ومخلفات غازية وسائلة وصلبة، في مناطق قريبة من بيوت السكان.
ووفق أحد الناشطين الذين فضل عدم ذكر اسمه، تقوم شركة "بتروتشاينا" بجمع أطنان من هذه المواد في حوض تقدر سعته بنحو 20 متراً مكعباً، ثم تغطيه بطبقة من النايلون وتتركه، في حين تبقى كميات أخرى من المخلفات موزعة في تربة ومياه الهور المحيطة بالحقل.
وحقل الحلفاية، كما توضحه الوثائق وتصريحات شركة التشغيل، ينتج أربع فئات رئيسة من المخلفات، الأولى هي المياه المنتجة التي تخرج من المكمن مع النفط والغاز وتخزن في خزانات خاصة داخل الحقل، والثانية مياه الصرف الصناعي والمنزلي، الآتية من وحدات المعالجة والمدينة السكنية للعاملين التي تجمع في حوض كبير مبطن بالأسمنت والمطاط وفق رواية الشركة.
والفئة الثالثة تربة ملوثة بالزيت حول منصات الحفر، نتجت من أعوام من التسربات وحفر الاحتراق التي تعترف الشركة بأنها عولجت أو يجري ترميمها، وفضلاً عن ذلك، ينتج الحقل نفايات صلبة وخطرة، من براميل كيماوية وزيوت مستعملة وبطاريات وخردة معدنية، إضافة إلى مخلفات غازية ضخمة ناجمة عن حرق الغاز المصاحب بكميات توصف بأنها من الأعلى في العراق.
وتذكر دراسة من جامعة البصرة عن البكتيريا في المياه المنتجة من حقل الحلفاية أن جزءاً من هذه المياه يعاد حقنه في الآبار، والجزء الآخر يصرف في برك مفتوحة في موقع الحقل، بمياه عالية الملوحة (أكثر من 90 ألف ملغم في اللتر) ودرجة حموضة منخفضة، مع محتوى نفطي في هذه البرك.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتضيف دراسة صادرة عن كلية العلوم في جامعة بغداد، نشرت عام 2025 في مجلة "عراقي جورنال أوف سيانس" Iraqi Journal of Science، طبقة أخرى من الصورة من خلال تتبع العناصر الثقيلة نفسها في مياه بركة أم النعاج وأجزاء من هور الحويزة، وخلصت الدراسة إلى استمرار التلوث على امتداد السلسلة المائية الواحدة، من نهر المعيل حتى مناطق الهور، مع تسجيل تراكيز مرتفعة من بعض المعادن الثقيلة قياساً بالمعايير البيئية المعتمدة.
وجربت الدراسة تقنيات للمعالجة النباتية باستخدام القصب المنتشر طبيعياً في الهور وزهرة النيل، وأظهرت النتائج قدرة هذين النباتين على خفض تراكيز بعض العناصر بنسب تجاوزت في حالات معينة 70–80 في المئة، من دون أن يعني ذلك زوال الخطر بالكامل.
وهذا العمل يقدم سنداً علمياً واضحاً يربط بين النشاط الصناعي في محيط الحلفاية وتدهور نوعية المياه التي تغذي بركة أم النعاج وهور الحويزة، ويضع مسألة المعالجة في إطار تجريبي محدود لا يعوض غياب سياسة وقائية صارمة تجاه مصدر التلوث.
تاريخ النفط في الأهوار
يعود تاريخ دخول الاستكشاف النفطي إلى هور الحويزة لعام 1975، حين نفذت الشركة الفرنسية "كومباني جينيرال دو جيوفيزيك" (Compagnie Générale de Géophysique) التي تحول اسمها لاحقاً إلى "فيريديان" (Viridien) عام 2024 مسوحات زلزالية داخل الهور، وحفرت بئر "الحويزة 1"، واستمر إنتاج النفط منها لقرابة 10 أعوام قبل أن يتوقف نشاط الشركة في العراق نتيجة الحروب التي شهدتها البلاد.
بعد عام 2003 توسع حضور الشركات النفطية المحلية والأجنبية في جنوب العراق، إذ تعاونت شركة "بتروتشاينا" الصينية مع شركة نفط ميسان، إحدى تشكيلات وزارة النفط، على تطوير حقل الحلفاية النفطي الذي دخل مرحلة الإنتاج عام 2009، متضمناً أكثر من 300 بئر وثلاث منشآت مركزية لمعالجة النفط الخام، في موقع يلاصق تجمعات سكنية محلية وعلى مسافة تقارب 300 متر من مجرى مائي متصل بهور الحويزة في محافظة ميسان.
وعام 2011 طرحت شركة نفط ميسان حزمة من المناقصات ضمن جولات التراخيص الحكومية لتطوير النفط والغاز، بهدف استقطاب مزيد من الشركات للاستكشاف والتطوير في مناطق الجنوب، لتتحول الحقول المحيطة بالهور تدريجاً إلى فضاء رئيس للنشاط النفطي الجديد.
أرض مغمورة بالتلوث النفطي
يجلس كاظم، وهو صياد في الخمسينيات من قرية قريبة من حافة الحويزة، عند عتبة بيت طيني يطل على مجرى ماء ضاق كثيراً عن الأعوام التي يتذكرها، ويروي أنه قبل الجفاف وقبل اقتراب الحقول، كانت عائلته تعيش من سمك الهور وحليب الجاموس وبيع قليل من الحلال، "نخرج الصبح، نعود بمصاريف اليوم، وبقية الرزق تبقى على الماء"، مضيفاً أن "بعد أعوام الجفاف ثم دخول الطرق الترابية ومواقع الاستكشاف إلى محيط القرية، انحسر الصيد، ونفقت الجواميس أو بيعت بأسعار متدنية، وصار الرجل الذي كان يعتمد على الهور مصدراً للرزق يراجع مكاتب الشركات بحثاً عن عمل يومي".
اليوم يعمل كاظم كأحد متعهدي الخدمات داخل الحقل، يقضي 10 ساعات يومياً في حمل الحديد ونقل المعدات وتنظيف مواقع العمل مقابل أجر يقل عن 10 دولارات في اليوم، ويقول "المكان نفسه الذي أخذ أرضنا وماءنا صار هو الذي يدفع لنا قوتنا اليومي، لكن بأجر لا يكفي لنشتري به كيلو لحم"، ثم يضيف أن من يرفض الخروج من القرية لا يجد خيارات أخرى، لا أرض صالحة للزراعة، ولا ماء يكفي للصيد أو الرعي، ووظائف الدولة بعيدة من متناول أبناء هذه القرى.
في كل صباح يسير كاظم في الطريق القصير نفسه من عتبة بيته إلى المجرى الضيق الذي يفصل القرية عن الحقل، وكان هذا الطريق قبل أعوام قليلة ممراً من الطين الرطب وأثر أقدام الجواميس، والآن يلمح على جانبيه بقعاً سوداء متفرقة على التربة، وخيوطاً رفيعة لامعة تمتد فوق سطح الماء في الضوء الأول للشمس، يعرف أن هذه الطبقة اللامعة ليست انعكاساً للسماء، وإنما أثر مزيج من الزيوت والمخلفات التي بدأت تتحرك مع الماء نحو قلب القرية، ويصف شعوره كمن يرى خطاً داكناً يتقدم ببطء في اتجاه بيته، لا يأتي على شكل انفجار مفاجئ، كزحف يومي، يغير رائحة الماء ولونه، ويترك طعماً معدنياً في الفم بعد الشرب.
أطفاله، بحسب كاظم، يزداد سعالهم خلال الليالي التي يشتد فيها دخان المشاعل، ويستيقظون أحياناً مع صداع وضيق في الصدر، ويقول إن الخطر يقترب من كل جهة، فسابقاً كان الماء وتجفيفه مصدر التهديد الأول، والآن الهواء يحتفظ بنصيبه من الغاز والدخان الذي يراه ويستنشق آثاره، مضيفاً أن "عشرات الرسائل رفعناها إلى الدوائر في ميسان وشكاوى إلى مقار رسمية من دون أن نلتمس استجابة حقيقية، لا فحوص معلنة للماء، ولا خطط واضحة لعزل المخلفات عن مجاري القرية، ولا يمكن الثقة بخطابات المسؤولين، الأرض تضيق علي وعلى عائلتي، يقتلني كل يوم أن ما كان مصدر حياة لنا يتحول تدريجاً إلى قبورنا، ومقابل ذلك، رفع الأهالي شكاوى وخرجوا في احتجاجات صغيرة يطالبون فيها بتقييم مستقل لمخلفات الحقول وتعويض المتضررين، فيما ظل حضور الدولة محصوراً في لجان وزيارات سريعة لا تنتج سياسة حماية واضحة، تاركة القرى على تماس يومي مع آثار نفايات نفطية تتوسع ببطء داخل واحد من أكثر الأنظمة البيئية هشاشة في العراق".
والتوسع النفطي بهذا الحجم يبدو من دون منظومة رصد صحي وبيئي شفافة، وليس هناك إحصاء رسمي "نظيف" عن ضحايا مخلفات الشركات في ميسان، ولا توجد قاعدة بيانات حكومية تعلن نسب آثار ومخلفات هذه الشركات، لكن بحثاً منشوراً في Iraqi Geological Journal عام 2021 درس مياه ورسوبيات نهر المعيل الذي يمر بقرى مثل أبو خصاف ويجاور حقل الحلفاية، وكانت النتيجة تركيزات ثمانية معادن ثقيلة (زرنيخ وكادميوم ورصاص ونيكل… إلخ) في المياه كانت أعلى من الحدود المسموح بها في المعايير العراقية ومعايير منظمة الصحة العالمية تقريباً في كل العينات، فمثلاً بلغ متوسط تركيز الرصاص في الماء نحو 0.844 مليغرام باللتر، في حين أن الحد العراقي ومنظمة الصحة العالمية هو 0.01 مليغرام باللتر، أي أعلى بأكثر من 80 ضعفاً.
وتذكر الدراسة أن الجزء الأكثر تلوثاً هو المقطع القريب من حقل الحلفاية، وأن سبب التلوث هو طرح مخلفات الحفر والاستخراج إلى النهر من دون معالجة، وأن الرسوبيات قرب الحقل تحمل تراكيز مرتفعة جداً من الرصاص والزنك وغيرها.
صفر تلوث، بحسب الجهات الرسمية
وبحسب رواية إدارة الحقل، تدار هذه المخلفات ضمن منظومة متكاملة لإعادة التدوير والمعالجة، فمياه الصرف الصناعي والمنزلي توجه إلى حوض تجميع مبطن بطبقات أسمنتية ومن المطاط لمنع تسربها إلى المياه الجوفية، ثم تترك لتجف تحت الشمس قبل أن تنقل النفايات الصلبة الباقية إلى شركة محلية متخصصة في التعامل مع النفايات الخطرة، وتذكر الشركة أيضاً وجود مركز لإعادة تدوير البراميل والخردة والبطاريات، وعقد مع مقاول يحمل شهادات في حماية البيئة لمعالجة التربة الزيتية والنفايات الصلبة الخطرة داخل الحقل، وعلى المستوى الرقابي، تشير بيانات مديرية بيئة ميسان إلى تنفيذ كشوفات متكررة على أحواض معالجة المياه الصناعية في الحقل وعلى النفايات النفطية تمهيداً لمعالجتها.
لكن تقارير تقييم بيئي صادرة عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، من بينها تقرير "Assessment of Environmental Hot Spots in Iraq" لعام 2005، والتقييم النهائي لمشروع "Support for Environmental Management of the Iraqi Marshlands"، تفيد بوجود مواقع صناعية ملوثة ومناطق تتراكم فيها النفايات الخطرة والركام في محيط منشآت النفط ومناطق الأهوار في الجنوب، وتصف هذا الإرث التراكمي بتهديد طويل الأمد لصحة السكان والأنظمة البيئية.
أيضاً في المنطقة نفسها التي تتحدث فيها الشركة عن "أحواض مبطنة" و"صفر تلوث"، يصف متضررون وناشطون مشهداً مختلفاً، فشهادات سكان قرى ملاصقة لهور الحويزة ومن بينها المشرح والكحلاء، تتكرر ضمنها ثلاث علامات أساسية، طبقة لامعة على سطح الماء قرب مواقع العمل النفطي وروائح حادة في برك وقنوات كانت تستخدم سابقاً للشرب أو لسقي الجواميس وتغير في لون التربة والماء حول مسارات التصريف والطرق الترابية الجديدة.
وفي أواخر عام 2024 أعد مدير زراعة ميسان ماجد السعدي مع فريقه تقريراً داخلياً موجهاً إلى الحكومة المحلية، جمع ضمنه نتائج القياسات الميدانية للمياه والتربة في القرى المحيطة بالحقول النفطية، وخلص إلى وجود "تركيزات مقلقة للهيدروكربونات والمعادن الثقيلة والمواد الكيماوية" في مياه تستعمل للشرب والري، ويربط بين هذا التلوث وبين انهيار الزراعة المحلية وتراجع قدرة الأرض على الإنتاج.
ومطلع العام الحالي سلم السعدي، بحسب تصريحات له، نسخة من التقرير إلى وزارة البيئة في بغداد، وينقل عن اجتماعاته مع مسؤوليها أنهم تعهدوا بفتح نقاش مع وزارة النفط حول النتائج، مع بقاء شكوكه قائمة إزاء تحول هذه الوعود إلى خطوات تنفيذية واضحة.
وفي الجهة المقابلة تقدم وزارة الموارد المائية رواية مختلفة للمشهد نفسه، ويؤكد المتحدث باسمها خالد الشمال في تصريحات رسمية أن مناطق الاستكشافات النفطية "لا تهدد البيئة الطبيعية"، موضحاً أن المشاريع تحاط بسدود ترابية تهدف إلى منع تسلل الملوثات إلى مياه الأهوار، ومشيراً إلى أن هذه المشاريع ستنعكس، من وجهة نظره، في صورة تحسين للخدمات وفتح للطرق وتطوير للمناطق التي يجري العمل فيها.
ويشدد الشمال على أن مواقع الاستكشاف "معزولة" عن مجاري الأهوار وأن الإجراءات المتخذة كافية لحماية المنظومة البيئية من الأنشطة النفطية، وهذا التباين بين تقرير زراعة ميسان الميداني وصورة الطمأنة التي ترسمها وزارة الموارد المائية، يكتسب دلالة إضافية عند استحضار نظام صيانة الأنهار والمياه العمومية من التلوث رقم 25 لعام 1967 الذي يقيد تصريف المياه والفضلات الصناعية نحو الأنهار والهوَر بشرط المعالجة المسبقة والحصول على موافقات واضحة، ويحول أي تجاوز لهذه الشروط إلى إخلال بالإطار القانوني الذي يفترض أن يحمي مياه هور الحويزة وسكانه.
وما تقوم به الشركات في دفن المخلفات داخل الحقول أو تسريب البراميل الكيماوية إلى الأسواق، فيطابق الصور التي جرمها المشرع في المادة 20 من قانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لعام 2009، فالمادة تحظر نقل أو تداول أو إدخال أو دفن أو تخزين النفايات الخطرة أو الإشعاعية إلا باستخدام طرق سليمة بيئياً وبعد استحصال الموافقات الرسمية من الجهات المختصة، فيما تنص المادة 35 على معاقبة المخالف بالسجنوإلزامه إعادة المواد أو النفايات الخطرة إلى منشئها أو التخلص منها بطريقة آمنة بيئياً، مع التعويض عن الأضرار التي تصيب الأشخاص أو الموارد الطبيعية نتيجة هذا السلوك.
كيف أصبحت جنة عدن؟
يشرح الناشط البيئي مصطفى هاشم أن محافظة ميسان تحولت خلال الأعوام الأخيرة إلى خريطة كثيفة للحقول النفطية، ستة حقول منتجة تقابلها ستة أخرى قيد الاستكشاف، وتتولى شركة "سينوك" الصينية تشغيل حقول البزركان والفكة الشمالي والفكة الجنوبي وأبو غرب، فيما يدار حقل النور من شركة نفط ميسان، ويقف حقل الحلفاية بوصفه أكبر مشروع تديره "بتروتشاينا" على مستوى العالم، ملتصقاً بهور الحويزة وتشاركه في عملياته شركة "توتال" الفرنسية، وهذه الشبكة، كما يقول، لم تجلب للعراق العائدات وحدها، وإنما حملت ميسان عبئاً بيئياً متراكماً يظهر بوضوح في سلوك الشركات تجاه مخلفاتها.
"عدد من الشركات تستمر في رمي النفايات الصناعية ومخلفات التشغيل في الأراضي المفتوحة حول الحقول، من دون إنشاء مطامر صحية مهيأة للنفايات الخطرة، مما يسمح للمواد السامة بالانتقال إلى التربة والمياه مع كل موسم أمطار أو فيضان، إضافة الى دفن عشوائي للمخلفات النفطية والكيماوية من غير طمر صحي أو عزل حقيقي للتربة"، وفق هاشم.
ويضيف أن التخلص من المخلفات النفطية بالردم غير المراَب أو بدفن التربة الملوثة من دون عزل يؤدي إلى انتقال الملوثات إلى المياه السطحية والجوفية، وأن المعالجة السليمة تتطلب إما إزالة التربة الملوثة ونقلها إلى مواقع معالجة، أو تثبيت الملوثات بطرائق هندسية، وليس مجرد غلق الحفرة بطبقة تراب.
و"يمكن أن ترى المخلفات النفطية كذلك، بصورة تلال مدفونة، وفي كل نقطة كانت تزرع، أصبح هناك حوض قديم أو حفرة ردمت فوق مخلفات حفر وزيت محترق، ومع الوقت صارت التربة فوقها قشرة غريبة لا تنبت شيئاً تقريبا"، بحسب هاشم.
ويقول إن ما يراه في الحويزة اليوم يشبه إعداماً بطيئاً لسكان القرى المحيطة بالأهوار، و"أن مخلفات الشركات النفطية تحاصرنا من جهات عدة، فما يدفن في حفر الطمر وحول الحقول يهاجم التربة من الداخل، وما يتسرب مع المياه الملوثة يصل إلى البيوت عبر مجاري الري ومياه الشرب، وما يخرج في صورة براميل كيماوية مستعملة يدخل ساحات المنازل وخزاناتها كأنه خزان ماء عادي".
ويتساءل الناشط "ماذا تنتظرون منا؟ هل المطلوب أن نترك أرضنا ونرحل؟ الأطفال بدأوا يمرضون أكثر"، ويشير إلى أن الأهالي تظاهروا ورفعوا شكاوى ووجهوا مناشدات للوزارات المعنية، من غير أن يتحول ذلك إلى معالجة حقيقية أو رقابة صارمة على الشركات، ويضيف أن الإحساس السائد بين الناس اليوم أن الأرض تموت تحت أقدامهم، وأنهم يمضون معها في الاتجاه نفسه، فيما تبقى قصتهم خارج اهتمام الحكومة والشركات والرأي العام.
يُذكر أن معدة التحقيق حاولت التواصل مع كثير من الجهات المختصة ومنها وزارة النفط العراقية من دون جواب حتى نشر التحقيق.