Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

برأي باختين: تولستوي ساذج أخلاقيا

عندما أمعن الناقد الروسي الكبير في تحليل مواقف مواطنه عبر أعماله الكبرى

ميخائيل باختين (1895 - 1975) وليو تولستوي والبعد الأخلاقي (اندبندنت عربية)

 

ملخص

كان الناقد والمنظّر السوفياتي ميخائيل باختين يصف تولستوي بالساذج مركزاً على أن سذاجته هي التي، وقبل أي أمر آخر، تفسر بين أمور أخرى، تلك الثورة التي يعبر عنها السيد الإقطاعي الموجيك كاراتاييف ويتبناها بصورة واضحة، بيزوخوف في رواية "الحرب والسلام"

كان الناقد والمنظّر الكبير ميخائيل باختين سوفياتياً بالتأكيد، أي يخضع لسياسات بلاده ومنظوماتها الفكرية لكنه لم يكن، مع ذلك، ماركسياً كما كان يتعين عليه بصفة رسمية أن يكون، حتى وإن كانت طروحاته والمفاهيم الفكرية التي تحكم تلك الطروحات، لا تبتعد كثيراً من السائد في بلاده خلال النصف الأول من القرن الـ20، وهي المرحلة التي أبدع فيها مواقفه النقدية الكبرى ونظرياته الفكرية متوجاً ذلك كله بكتاب حوارات أجري معه كان من أهم سماته ازدحامه بتناقضات أتت لتعكس الأجواء العامة التي سادت في زمنه.

في اختصار كان باختين كبيراً حقيقياً في مجاله، هو الذي لم يتخل عن قدر كبير من الخصوصية في تفكيره وتحليله للأعمال الأدبية الكبرى سواء كانت كلاسيكية أو معاصرة له. وهذا في الأقل ما حاول أن يقوله الناقد الفرنسي، من أصل بلغاري، تزفيتان تودوروف في كتاب باللغة الفرنسية كرسه له بعنوان "ميخائيل باختين المبدأ الحواري".

وهو كتاب يمكن القول إنه، في الساحة الفرنسية في الأقل، بدا حاسماً في تقديمه توليفاً "بالغ الأناقة"، في رأي المتخصص الفرنسي بالأدب الروسي جورج نيفا، في مجرى حديثه عنه، لأفكار ذلك المفكر التي، في الساحة الثقافية الفرنسية، في الأقل، "كانت ضحية لتناقضات مترجميه المتعددين"، وأيضاً في رأي نيفا.

المهم أن هذا التوضيح سيبدو لنا دائماً ضرورياً، ولكن هنا بصورة خاصة إذ يتعلق الأمر بما كتبه باختين عن تولستوي لا سيما عما عده "الأبعاد الأخلاقية في أدبه" وهي أبعاد أساسية في رأي قراء تولستوي والباحثين في أعماله وكذلك الكبار الذين أعجبوا به وراسلوه من شتى أنحاء العالم على اعتباره رجل فكر وسياسة أكثر من أي شيء آخر.

وعظ وإرشاد

الحال أن تودوروف يقول إن باختين، الذي لا يبدو ماركسياً حقيقياً في أي من كتاباته وتحليلاته، ما إن وصل إلى تولستوي حتى بدا وكأنه يتبع المنهج الماركسي في التحليل، "إن كان لهذا المنهج وجود حقيقي"، يعلق نيفا هنا مستدركاً، ولكن في الأقل بالمقدمة التي وضعها المنظر النقدي قبل اشتغاله على كتابه، لطبعة إيطالية من رواية "البعث" لتولستوي، تلك الرواية التي تكاد تكون، الأقل شهرة وتداولاً بين روايات صاحب "الحرب والسلام" الكبرى.

وهذه المقدمة ترد على صورة ملحق في كتاب تودوروف المذكور عن باختين. ويمكننا أن نقول في هذا الصدد إن باختين كما حال جورج لوكاتش الأكثر منه ماركسية بكثير عادة، يصف تولستوي بالساذج مركزاً على أن سذاجته هي التي، وقبل أي أمر آخر، تفسر بين أمور أخرى، تلك الثورة التي يعبر عنها السيد الإقطاعي الموجيك كاراتاييف ويتبناها بصورة واضحة، بيزوخوف في رواية "الحرب والسلام"، وبالتحديد من دون أن يخبرنا تودوروف، في أي صفحة من الصفحات الكثيرة التي تحضر فيها تلك الشخصية الأساسية المركزية في أحداث الرواية وحواراتها، تبدو مواقف هذا الأخير مستوحاة من مواقف الإقطاعي الموجيك أو مؤيدة علناً لها.

مهما يكن، فإن تودوروف ينتقل إلى المواقف التي يعبر عنها تولستوي ويكشف "سذاجته" بصورة خاصة في رواية "البعث"، إذ هنا، تنقلب الآية حيث إن نيخليودوف، الشخصية المحورية في "البعث" طبعاً، سيكون هو المكلف من قبل المبدع بأن يعبر ليس فقط عن تطلعات شخصية محددة سبق توضيح مواقفها الأخلاقية، وتكاد تكون من ثم مواقف شخصية سياسية، بل عن تطلعات الشعب كله، فيخفق في مهمته، بحسب منطق الرواية على أي حال.

وهنا لا يفوت باختين أن يخبرنا أن رواية "البعث" تكاد في مجال بعدها الوعظي الحاد أن تكون الأكثر صراحة بين أعمال تولستوي الروائية كلها "فهو يعري هنا كل تلك "المواثيق الاجتماعية" القائمة على الحضور الشعبي الجماعي، غير المشروط في السجون والكنائس بما في ذلك حضور القداديس الجماعية، وجلسات العدالة. يعريها بعنف ومن دون تردد. ولكن "انطلاقاً من مواقف تتسم بأعلى درجات السذاجة القائمة على التركيز على البعد الأخلاقي البحت".

على خطى روسو

إنها بالتأكيد، المواقف التي، بماركسيته وإن كانت شكلانية، يجابهها باختين "من حيث لا يمكننا أن نتوقع"، فيؤكدها بحسب تعليق تودوروف، إذ يرد على المبدع بقوله "لكن المواثيق الاجتماعية تلك، يمكنها أن تكون منتجة وفعالة بصورة إيجابية باعتبارها في الوقت نفسه مواثيق لا غنى عنها وبخاصة من أجل التواصل بين البشر".

والحقيقة أن باختين يلامس هنا الجوهر الأساس للفكر الذي يعده هو، كما يعده جورج لوكاتش، يكشف عن حقيقة نزوع الكاتب الروائي الكبير وفي مجمل كتاباته، إلى البحث عن مجتمع لا مواثيق فيه، وذلك بالتحديد على خطى الفرنسي جان جاك روسو الذي ينادي، في أعماق فكره، بوجود متحرر من كل المواثيق، أي لا مجتمع فيه طالما أن تكون المجتمع يحتاج إلى تضافر المواثيق المعترف بها من قبل الأفراد والجماعات كافة.

ونعرف انطلاقاً من هنا أن روسو لم يكن يؤمن إلا بالإنسان البدائي الذي يعيش متفرداً في الطبيعة. وهو المبدأ الذي، حتى وإن كان تولستوي لا يصل إلى حدود تبنيه عملياً، فإنه في منظور باختين، يحاول أن يفرضه على قارئه مغلفاً بكثير من المعاني والتوجهات. "لكنها جميعاً لا تخفى عن القارئ في نهاية الأمر"، كما يوضح لنا باختين الذي كان يعد نفسه، كما يخيل إلينا، بأن يعود ذات يوم وبإسهاب إلى هذا الموضوع، لكنه لم يفعل ولأسباب نجهلها.

باختين وحوارياته

بقي أن نشير إلى أن ميخائيل باختين (1895 ـ 1975) مفكر وكاتب روسي لم ينل الاعتراف الواسع بأعماله إلا في مراحل متأخرة من حياته، فاحتل منذ ذلك الحين مكانة أساسية في الفكر النقدي الحديث، لا لأنه اقترح منهجاً جديداً لقراءة الأدب وحسب، بل لأنه أعاد النظر في طبيعة العمل الأدبي نفسه، وفي العلاقة بين الكاتب وشخصياته والعالم الذي تتحرك فيه تلك الشخصيات.

ومهما يكن من أمر، فإن مفهوم باختين للنقد يقوم أصلاً على فكرة مركزية دعاها "الحوارية"، أي إن النص الأدبي بحسب مفهومه، ليس صوتاً منفرداً يصدر عن مؤلف يمتلك الحقيقة، بل هو فضاء تتفاعل فيه أصوات ووجهات نظر ولغات اجتماعية وفكرية عدة. ومن هنا، لا يعود النقد بحثاً عن معنى نهائي مغلق، بل يصبح محاولة للكشف عن العلاقات المتبادلة بين هذه الأصوات، وعن التوترات التي تنشأ بينها.

وقد وجد باختين في روايات فيودور دوستويفسكي المثال الأبرز على هذا التصور. ففي كتابه "مشكلات شعرية دوستويفسكي"، رأى أن شخصيات هذا الأخير "لا تتحول إلى مجرد أدوات تشرح أفكار المؤلف، بل تمتلك وعياً مستقلاً، وتدخل معه ومع الشخصيات الأخرى في حوار لا ينتهي بالضرورة إلى حسم فكري". وهو أطلق على هذه الظاهرة مفهوم تعدد الأصوات، أو البوليفونية، مستعيراً صورة موسيقية للدلالة على تزامن أصوات مستقلة داخل بنية واحدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أهمية مطلقة للغة

كذلك منح باختين اللغة أهمية اجتماعية وتاريخية، معتبراً أن "الكلمات ليست محايدة، بل إنها تحمل آثار الجماعات والطبقات والصراعات والأزمنة التي استخدمتها". وفي دراسته للرواية، لا سيما مفهوم الكرونوتوب، أي الترابط بين الزمان والمكان، كشف باختين كيف تتشكل الرؤية الأدبية للعالم من خلال تنظيم الزمن والفضاء داخل الحكاية.

أما في دراسته للضحك والكرنفال، فقد رأى باختين أن الثقافة الشعبية قادرة، عبر السخرية وقلب التراتبيات، على زعزعة السلطات والقيم التي تبدو ثابتة.

وتكمن أهمية باختين النقدية، إذاً، في أنه نقل الاهتمام من البحث عن رسالة النص الواحدة إلى دراسة تعدديته الداخلية، ومن سلطة المؤلف المطلقة إلى استقلال الشخصيات والأصوات. وهكذا أصبح النقد، في تصوره، إنصاتاً إلى الاختلاف داخل النص، لا سعياً إلى إسكات هذا الاختلاف بتفسير نهائي.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة