Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشيخوخة... محنة أم منحة؟

1.6 مليار مسن حول العالم بحلول عام 2050 يمكن أن يكونوا حجر زاوية في فتح مجال لفرص عمل لقطاع التقاعد

هؤلاء الذين ينظر إليهم بوصفهم عبئاً يمثلون كنزاً من الحكمة والمعرفة الأبوية (مواقع التواصل)

ملخص

يمكن القول إن إعادة النظر في المعتقدات النمطية حول الشيخوخة وتغيير الخطاب حول كبار السن من شأنه أن يحول المجتمع بصورة إيجابية إلى مجتمع يمكن للجميع فيه أن يكبروا بهدف.

تبدو الشيخوخة قدراً لا مفر منه مع التقدم في العمر، وهي حال بيولوجية تصيب الكائنات الحية، فيما التعبيرات تقطع بأنها عبارة عن خلل وتلف في عمليات النظام الخليوي للجسم الإنساني.

على أن السؤال المهم اليوم هو عن سن الشيخوخة وما يستتبع الأمر من إشكالات معاصرة، ولا سيما في ظل تقدم مستويات الرعاية الطبية التي رفعت متوسط عمر الإنسان إلى ما فوق المعروف خلال العقود السابقة.

وفي تقرير أخير للأمم المتحدة نطالع كيف أن بداية سن المسنين يختلف من مجتمع إلى آخر، فبعض الدول اعتبرت بدء المسنين من 60 سنة للرجل و 50 سنة للمرأة، فيما دول أخرى تبدأ بها مرحلة المسنين للرجل من 55 سنة و50 سنة للمرأة، وذلك مرتبط بمستوى الأعمار في كل دولة.

وعرّفت دراسة الأمم المتحدة مرحلة الشيخوخة بأنها ليست مجرد تحولات أو تحورات بيولوجية، وإنما أيضاً حال تعبر عن تغيرات جذرية في مجال الأنشطة الاجتماعية التي اعتاد عليها الفرد، فاعتبرت أن الشيخوخة بمثابة مرحلة يجري فيها هجر العلاقات الاجتماعية والأدوار السابقة، مما يخلق للفرد عقداً نفسية تفقده الثقة في النفس وتجعله يشعر بأنه قد أصبح أداة عاطلة في المجتمع.

باتت قضية الشيخوخة إحدى أهم وربما أخطر القضايا المجتمعية العالمية في تقاطعاتها وتشابكاتها مع قضية الشتاء الديموغرافي وتراجع معدلات الخصوبة، وبالتالي نقصان عدد سكان العالم، ومع أوضاع تقدم الرعاية الصحية لكبار السن وتزايد أعدادهم وما يترتب على ذلك من إرهاق لموازنات الدول، ولا سيما في عالم المعاشات الاجتماعية والتأمينات الطبية، فهل يجري النظر إليهم على أنهم عوامل غير منتجة؟ وحتى بدايات العقد الأول من الألفية الثالثة للجنس البشري كانت المخاوف تدور في سياق الحديث عن زيادة عدد سكان الكرة الأرضية، وقنبلة الانفجار السكاني، فهل الوضع اليوم بات مغايراً وبصورة جذرية؟

القنبلة السكانية الحقيقية

يقطع أستاذ الاقتصاد والديموغرافيا في كلية "تي إتش تشان" للصحة العامة بـ "جامعة هارفارد"، البروفيسور دافيد. إي. بلوم، بأن الشيخوخة باتت بالفعل القنبلة السكانية الحقيقية والاتجاه الديموغرافي العالمي الأبرز، فقد بلغ عدد سكان العالم عام 2025 نحو 8.23 مليار نسمة، واستغرق الانتقال من 7 إلى 8 مليارات نسمة 12 عاماً فقط، مما أثار مخاوف طويلة الأمد مرتبطة بالنمو السكاني السريع، مثل نقص الغذاء والبطالة المتفشية واستنزاف الموارد الطبيعية والتدهور البيئي غير المنضبط، لكن التحدي الديموغرافي الأخطر الذي يواجه العالم لم يعد النمو السكاني السريع بل شيخوخة السكان.

 

وفي هذا الإطار تفيد تقارير الأمم المتحدة أن التركيب العمري لسكان العالم تغير بصورة جذرية على مر الأعوام، فقد ارتفع متوسط العمر المتوقع عالمياً من 34 سنة عام 1913 إلى 72 سنة عام 2022، ومن المتوقع أن يستمر على هذا المسار الطويل الأمد، وفي الوقت نفسه انخفضت نسبة الخصوبة في جميع دول العالم، والمثير في الأرقام أنه عندما تأسست الأمم المتحدة و"منظمة الصحة العالمية" كان عدد الأطفال دون سن الـ15 غالباً يفوق عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 سنة فأكثر بسبعة أضعاف، وبحلول عام 2050 ستكون هاتان المجموعتان متماثلتين تقريباً، أما الفترة الممتدة من عام 2000 إلى 2050 وحدها فسترتفع فيها النسبة العالمية للأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 80 سنة فأكثر إلى ما يقارب خمسة في المئة من سكان العالم، فماذا تعني تلك التحولات في معدلات الأعمار حول الكرة الأرضية والتي لا توفر قارة بعينها، إذ إن الظاهرة ممتدة في قارات الكرة الأرضية الست؟

 باختصار غير مخل تنذر هذه التحولات بمجموعة هائلة من التحديات الصحية والاجتماعية والاقتصادية خلال العقود المقبلة، كما تشير إلى احتمال حدوث تناقص سكاني واسع النطاق، وهو احتمال مستبعد حتى الآن، فالتغيرات ستمسك بتلابيب السلوكيات الحياتية بصورة عامة، عطفاً على الاستثمارات في المجالين العام والخاص، مما يفتح الباب ربما أمام فرص وتحديات في الوقت ذاته، فهل من أرقام محددة وموثوقة عن حال الشيخوخة المتصاعدة في حاضر أيامنا؟

أرقام الشيخوخة المثيرة

في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي كان هناك إجماع بين المؤسسات الدولية المالية الكبرى مثل "البنك الدولي" و"صندوق النقد الدولي" على أن هناك تحولات ديموغرافية قد تنحو من مزعجة إلى حدود مخيفة خلال نصف القرن الـ21، وبمزيد من التفاصيل ففي عام 2050 سيعيش نحو 80 في المئة من كبار السن في بلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، بعد أن أصبحت وتيرة شيخوخة السكان أسرع بكثير مما كانت عليه في الماضي، وفي عام 2020 تجاوز عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فأكثر عدد الأطفال الذين تقل أعمارهم عن خمس سنوات، وبين عامي 2015 و2050 ستتضاعف نسبة سكان العالم الذين تزيد أعمارهم على 60 سنة تقريبا من 12 إلى 22 في المئة.

وبحلول عام 2030 سيبلغ عمر واحد من كل ستة أشخاص في العالم 60 سنة أو أكثر، وفي الوقت الحالي سترتفع نسبة السكان الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فأكثر من مليار نسمة عام 2020 إلى 1.4 مليار، وفي عام 2050 سيتضاعف عدد سكان العالم الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فأكثر إلى 2.1 مليار نسمة، ومن المتوقع أن يتضاعف عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 80 سنة فأكثر ثلاث مرات بين عامي 2020 و2050 ليصل العدد إلى 426 مليون نسمة.

 

وفي حين أن هذا التحول في توزيع سكان البلاد نحو كبار السن، المعروف باسم شيخوخة السكان، بدأ في البلدان ذات الدخل المرتفع (على سبيل المثال في اليابان 30 في المئة من السكان تجاوزوا الـ60)، فإن البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل تشهد الآن أكبر تغير، وبحلول عام 2050 سيعيش ثلثا سكان العالم الذين تزيد أعمارهم على 60 سنة في بلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، وفي هذا السياق يعلو السؤال: هل التعاطي مع إشكالات الشيخوخة له نموذج ثابت ومحدد يسري على أصحاب الأعمار المتقدمة كافة، شرق المسكونة وغربها، شمالها وجنوبها؟

بالقطع لا يوجد شخص مسن نموذجي، إذ يتمتع بعض من هم في الـ80 من العمر بقدرات بدنية وعقلية مماثلة لكثير ممن هم في الـ30، بينما يعاني آخرون انخفاضاً ملاحظاً في قدراتهم خلال أعمار أصغر بكثير، ومن هنا يمكن القطع بأن التنوع الذي نشهده في سن الشيخوخة ليس عشوائياً، إذ ينشأ جزء كبير منه من بيئات الناس المادية والاجتماعية وتأثير هذه البيئات في  فرصهم وسلوكهم الصحي، وتتأثر علاقتنا ببيئاتنا بخصائص شخصية مثل العائلة التي ولدنا فيها وجنسنا وأصلنا العرقي، مما يؤدي إلى تفاوت في الصحة.

عقد الشيخوخة الصحية

هل أضحى الشيوخ وكبار السن عبئاً على الأجيال الجديدة الواعدة؟ غالباً ما يفترض أن كبار السن ضعفاء أو عالة على الآخرين، وأنهم يشكلون عبئاً على المجتمع نفسه، غير أن هذه ليست خلاصة إجمالية جامعة مانعة، ولا سيما في ظل تداخل كثير من العوامل المحددة لأنماط الشيخوخة، فعلى سبيل المثال تؤثر العولمة والتطورات التكنولوجية، مثل النقل والاتصالات، والتحضر والهجرة وتغير معايير النوع الاجتماعي في حياة كبار السن بصورة مباشرة، وهنا يبدو أن الأمم المتحدة قد تنبهت بصورة باكرة لأبعاد الأزمة، ولهذا أعلنت "الجمعية العامة للأمم المتحدة" العقد الممتد من 2021 إلى 2030 "عقد الشيخوخة الصحية"، وطلب من "منظمة الصحة العالمية" قيادة عملية التنفيذ.

ويعد عقد الأمم المتحدة للشيخوخة الصحية تعاوناً عالمياً يجمع الحكومات والمجتمع المدني والوكالات الدولية والمهنيين والأوساط الأكاديمية ووسائل الإعلام والقطاع الخاص لمدة 10 أعوام من العمل المتضافر والتحفيزي والتعاوني لتعزيز حياة أطول وأكثر صحة، ويستند العقد إلى الإستراتيجية العالمية وخطة العمل لـ "منظمة الصحة العالمية"، و"خطة عمل مدريد الدولية للأمم المتحدة" في شأن الشيخوخة، وبدعم تحقيق "أجندة الأمم المتحدة 2030 للتنمية المستدامة وأهداف التنمية المستدامة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كما يسعى عقد الأمم المتحدة للشيخوخة الصحية (2021 - 2030) إلى الحد من عدم المساواة في الصحة وتحسين حياة كبار السن وأسرهم ومجتمعاتهم من خلال العمل الجماعي عبر أربعة مجالات، وهي تغيير طريقة تفكيرنا وشعورنا وتصرفنا تجاه السن والتمييز على أساس السن، وتنمية المجتمعات بطريقة تعزز قدرات كبار السن، وتقديم رعاية متكاملة تركز على الشخص وخدمات صحية أولية تستجيب لكبار السن، وتوفير إمكان الوصول إلى رعاية طويلة الأجل عالية الجودة لكبار السن الذين يحتاجون إليها، وفي كل الأحوال سيعيد التحول الديموغرافي تشكيل الاقتصادات والمجتمعات وأماكن العمل، حيث يعيش الناس أطول من الأجيال السابقة، في حين تستمر معدلات الخصوبة العالمية في الانخفاض، وهذا التباين الديموغرافي العالمي يحدث بالفعل، ومع ذلك فإن الاستجابة العالمية لهذه التحولات يمكن أن تحدث تحولاً إيجابياً إذا بدأت الدول والجماعات المعنية بإجراء التغييرات والتحسينات اللازمة.

 وبالأخذ في عين الاعتبار أن عدداً من أنظمة التقاعد والمعاشات التقاعدية لم تشهد تغيرات جوهرية منذ إنشائها قبل نحو 100 عام، فإن هناك فرصة لإعادة تصميم هذه الأنظمة لتكون أكثر مرونة واستدامة على المدى الطويل، ولضمان دعم الأفراد الذين غالباً ما يُهملون، بمن فيهم العاملون الموقتون ومقدمو الرعاية غير الرسميين، ولنا أن نسلط الضوء على أزمة الشيخوخة في عدد من بقاع وأصقاع العالم، من الولايات المتحدة الأميركية في أقصى الغرب، مروراً بأوروبا القارة العجوز، وصولاً إلى الصين التي تعد قصة الشيخوخة أمراً حاسماً بالنسبة إلى قطبيتها المقبلة بنوع خاص؟

أميركا: المسنون وأزمة الهجرة

على رغم حداثة عهدها كدولة، حيث يمر على بداياتها 250 سنة العام المقبل، فإن الولايات المتحدة الأميركية، والعهدة هنا على مارك ماثر نائب الرئيس المساعد لبرامج الولايات المتحدة المنوط بها متابعة التطورات الديموغرافية في البلاد، تعاني أزمة شيخوخة بالفعل، بالنظر إلى النمو الحالي في عدد السكان الذين تتراوح أعمارهم بين 65 سنة فأكثر، والذي تقوده طفرة المواليد الكبيرة بين عامي 1946 و1964، فذلك غير مسبوق في تاريخ الولايات المتحدة، إذ من المتوقع أن يرتفع عدد الأميركيين الذين تبلغ أعمارهم 65 سنة فأكثر من 58 مليوناً عام 2022 إلى 82 مليوناً بحلول عام 2050 (بزيادة 42 في المئة) كما أن من المتوقع أن ترتفع حصة الفئة العمرية 65 سنة فأكثر من إجمال السكان من 17 إلى 23 في المئة.

وقد أصبح سكان الولايات المتحدة اليوم أكبر سناً من أي وقت مضى، فبين عامي 1980 و2022 ارتفع متوسط أعمار السكان من 30 إلى 38.9 سنة، إلا أن ثلث الولايات (17 ولاية) كان متوسط أعمارها أعلى من 40 عاماً عام 2022، وعلى رغم تلك البيانات التي تبدو وكأنها ظاهرة إيجابية بالمطلق لكن مكاسب متوسط العمر المتوقع توقفت أخيراً، إذ انخفض متوسط العمر المتوقع عند الولادة في الولايات المتحدة بمقدار 2.4 سنة بين عامي 2019 و2021.

 

وفي الوقت عينه ازداد معدل انتشار السمنة بين كبار السن الأميركيين بمعدلات مثيرة للقلق، ففي جيل واحد بين عامي 1988 و1994 ثم 2015 و2018، تضاعفت تقريباً نسبة البالغين الأميركيين الذين تبلغ أعمارهم 65 سنة فأكثر والذين يعانون السمنة، وارتفع عدد كبار السن المطلقين مقارنة بالأجيال السابقة، فيما يعيش مزيد من النساء الأكبر سناً بمفردهن عام 2023، ويواجه كبار السن في أميركا فجوة في تقديم الرعاية، وبخاصة أولئك الذين لديهم دخل أقل، وأيضاً من المتوقع أن ترتفع نفقات الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية من 9.1 في المئة من الناتج الإجمالي المحلي عام 2023 إلى 11.5 في المئة بحلول عام 2025، بسبب الحصة الكبيرة من كبار السن، فهل جاءت سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب لجهة الهجرة والمهاجرين لتعقد أزمة الشيخوخة في الولايات المتحدة؟

 بحسب مراسل مجلة "نيوزويك" الأميركية بلال رحمان فقد حذر خبراء من أن حملة الرئيس الأميركي ترمب على الهجرة تؤدي إلى تعميق الأزمة في نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة، مما يفرض ضغوطاً على القوى العاملة المحدودة بالفعل التي تدعم السكان المسنين بسرعة داخل البلاد، وفي هذا الإطار صرحت أمينة "صندوق الاتحاد الدولي لموظفي الخدمات" روسيو ساينز لمجلة "نيوزويك" بالقول إن "الجمع بين الشيخوخة وانخفاض المعروض من العمالة وانخفاض أعداد المهاجرين سيؤدي إلى تفاقم الأزمة"، وأكثر من ذلك فهناك في الداخل الأميركي اليوم من يحذر من أن زيادة الإنفاق العسكري سيقود حكماً إلى تقليص الموارد المتاحة لكبار السن والشيوخ، مما يجعل حياتهم مثالاً للبؤس المذموم، ولكن ماذا عن الشيخوخة في القارة التي باتت توصف بالعجوز؟

شيب أوروبا جرس إنذار

تعتبر الشيخوخة في أوروبا في مقدم الظواهر المزعجة لمستقبل القارة، وتعرف كذلك باسم "الشيب الأوروبي"، حيث انخفاض الخصوبة وتراجع معدلات الوفيات وارتفاع متوسط العمر بين السكان الأوروبيين، وقد توقع جوزيبي كاروني وديكلان كوستيلة من "صندوق النقد الدولي" في سبتمبر (أيلول) 2006 أن تتضاعف نسبة المتقاعدين إلى العمال في أوروبا إلى 0.54 في المئة بحلول عام 2050، واليوم يعيش الناس هناك عمراً أطول مع توقعات بمتوسط عمر متوقع يصل إلى 84.6 سنة للرجال و89.1 للنساء بحلول عام 2060، بزيادة مقدارها 709 سنة للرجال و606 سنة للنساء مقارنة بعام 2010، ويؤدي طول العمر إلى تغيير التركيبة العمرية في السكان من خلال زيادة أعداد الأشخاص في الفئة العمرية الأكثر سناً، ومن نافلة القول أن زيادة العمر في أوروبا مرجعها التقدم في عالم الطب الوقائي والتسهيلات الخاصة بطب الشيخوخة.

 

في بداية عام 2024 قُدر سكان الاتحاد الأوروبي بـ449.3 مليون نسمة بزيادة مقدارها 03. في المئة مقارنة بالعام السابق، وهذا النمو الديموغرافي، وإن كان إيجابياً، فإنه يُخفي اتجاهاً قد يعوق الاقتصاد والمجتمع الأوروبيين، ففي العام نفسه ارتفعت نسبة الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 65 سنة في 26 دولة من أصل 27 في الاتحاد الأوروبي لتصل إلى مستويات قياسية في إيطاليا (24.3 في المئة) والبرتغال (24.1 في المئة) وبلغاريا (23.8 في المئة).

ومن هنا باتت قضية الشيخوخة تمثل تحدياً اقتصاديا أوروبيا كبيراً وعبئاً متزايداً على السكان في سن العمل، إذ تبلغ نسبة إعالة كبار السن (عدد المتقاعدين لكل 100 فرد في سن العمل) حالياً 33.9 في المئة، ومن المتوقع أن تتضاعف تقريباً بحلول عام 2100 لتصل إلى 60 في المئة، مما يعني أنه في مقابل كل متقاعد سيكون هناك أقل من عاملين، مما يزيد الضغط على أنظمة التقاعد والرعاية الصحية.

وعلاوة على ذلك من المتوقع أن يرتفع الإنفاق العام المتعلق بالرعاية الصحية والرعاية الطويلة الأجل، وأن تتضاعف نسبة من تزيد أعمارهم على 80 سنة من إجمال السكان ثلاث مرات بحلول عام 2100 من 6.1 إلى 15.3 في المئة، ويتطلب هذا التحول الديموغرافي مواءمة البيئة التحتية والسياسات العامة.

شيخوخة الصين وتهديدات المستقبل

على مدى العقود القليلة الماضية تباهت الصين بعدد سكانها باعتباره عاملاً حاسماً في تقدمها الاقتصادي وتعزيز نفوذها العالمي، لكن الأمور بدأت تتغير الآن إذ تواجه حالاً من عدم اليقين مع انكماش سكانها وشيخوختهم بصورة غير مسبوقة، ووفقاً لـ "المكتب الوطني للإحصاء" فقد شهدت البلاد انخفاضاً هائلاً في عدد سكانها بمقدار 850 ألف نسمة عام 2022، مما جعل الهند تتقدم ديموغرافياً على الصين لتصبح أكبر دولة من حيث عدد السكان في العالم، واليوم تعاني الصين شيخوخة سكانية متسارعة تشكل تحديات اجتماعية واقتصادية جسيمة، فبحلول عام 2050 سيشكل كبار السن (60 سنة فأكثر) 33 في المئة من السكان، مرتفعين من 12 في المئة عام 2010، مما يجعلهم أكبر سكان العالم سناً، وسيؤدي هذا التحول إلى ارتفاع كُلف الرعاية الصحية ونسب الإعالة، ويسبب نقصاً في القوى العاملة، كما أن النقص نفسه يقود إلى ارتفاع الأجور مما يقوض القدرة التنافسية الاقتصادية للبلاد.

 

ومما يفاقم المشكلة أن الصين تسجل شيخوخة منخفضة نسبياً وهو ما يعقد تحولها إلى اقتصاد مرتفع الدخل، وعند الباحث أناند كي نامبيار من جامعة "سان جوزيف" في بنغالور، فإن شيخوخة السكان في الصين تشكل تحديات كبيرة، ولا سيما أنها تواجه هذه التحولات في غياب الاستقرار الاقتصادي الذي تشهده الدول المتقدمة، ومن هنا تظهر الآثار الاقتصادية الوخيمة عليها، فانكماش القوى العاملة يبطئ النمو ويقلل الإيرادات الضريبية، بينما يؤدي تزايد أعداد كبار السن إلى ارتفاع كُلف المعاشات التقاعدية، ولمعاجلة هذا الوضع رفعت الصين سن التقاعد من 60 إلى 63 سنة للرجال، ومن 55 إلى 58 سنة للنساء ذوات الياقات البيضاء، ومن 50 إلى 55 سنة للنساء ذوات الياقات الزرقاء، وتهدف هذه التغيرات إلى تخفيف العبء على المعاشات التقاعدية لكنها لا تعالج بصورة كاملة التحديات التي تشكلها الشيخوخة السريعة والتناقص المتسارع في عدد السكان، فهل سيكون عامل الشيخوخة مؤثراً وفاعلاً في مسار القطبية الصينية بالسلب؟

غالب الظن أن هذا هو ما تخشى منه القيادة الصينية في الوقت الراهن، ولكن هل الوقت يختلف كثيراً عما يحدث في روسيا الاتحادية التي تعد الشيخوخة فيها أزمة حقيقية كبرى؟

روسيا: الشيخوخة والخطر

يواجه المجتمع الروسي أزمة ديموغرافية حادة تتسم بانخفاض مقلق في معدلات المواليد مما يهدد استقرار المجتمع الروسي واستدامة نموه، والذين تابعوا كلمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في "منتدى فالداي" الأخير يدركون أن الرجل يشعر بقلق عميق إزاء هذا الأمر، وقد استنكر هذا التوجه العالمي الذي يؤثر بصورة خاصة في الدول المتقدمة اقتصادياً، وهو اتجاه لا تسلم منه روسيا بدورها، إذ لا تبدو مسألة الشيخوخة حديثة العهد في الداخل الروسي بل بدأت إرهاصاتها مع نهاية الحرب العالمية الثانية، فعلى رغم أن معدل المواليد الروسية بدا مستقراً بعد الحرب العالمية الثانية، فإن روسيا بدأت خلال ستينيات القرن الـ20 تعاني الشيخوخة الديموغرافية، حيث تضاعفت نسبة من بلغوا الـ60 من العمر وازدادت الظاهرة في الفترة ما بين عامي 1959 و1990.

ومع شيخوخة السكان ظل أهل روسيا صغاراً نسبياً وكان لديهم كثير من النساء في سن الإنجاب، وهو ما من شأنه أن يعوض انخفاض الخصوبة وبالتالي استمرار النمو السكاني، فزاد عدد السكان بمقدار 45 مليون من عام 1945 إلى 1990، ومع ذلك فبدءاً من أوائل تسعينات القرن الـ20 تحول الهيكل السكاني المسن في نهاية المطاف بطريقة من شأنها أن تبدأ في تحفيز انخفاض عدد السكان وليس النمو، كما أن انهيار الخصوبة في أعقاب تفكك الاتحاد السوفياتي لم يؤد إلا إلى تعزيز هذا، ولم يكن ذلك فريداً من نوعه في روسيا، وقد اُستشعرت مثل هذه القضايا في كثير من البلدان المتقدمة، وبصورة متزايدة في كثير من البلدان النامية أيضاً.

 

تبلغ نسبة السكان البالغين من العمر 65 سنة فأكثر في روسيا حالياً 13 في المئة، ووفقاً لتوقعات "الأكاديمية الروسية للعلوم" ففي أوائل العقد الأول من القرن الـ21 كان من المتوقع أن يشكل كبار السن الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فأكثر 20 في المئة من الروس عام 2016 ، بينما لم تتجاوز نسبة الأطفال دون سن 15 سنة 17 في المئة، ومع ذلك ففي روسيا، عكس الدول الأخرى، يحد ارتفاع معدل الوفيات بين كبار السن من الشيخوخة، فهل جاءت حرب أوكرانيا لتفتح جرحاً واسعاً في الجسد الروسي؟

 جرى هذا بالفعل، فقد خلّفت الحرب ضحايا ربما بعشرات الآلاف بين الشباب الروسي مما سيضعف معدلات النمو ويفتح الطريق واسعاً أمام مزيد من الشيخوخة المخيفة، وهنا يبدو من المؤكد أن هذه الأزمة الديموغرافية التي تؤثر في روسيا، شأنها شأن كثير من الدول الصناعية الأخرى، أشد خطورة من أزمة التسعينات، وإذا لم ينعكس المنحنى فقد ينخفض عدد السكان إلى 90 مليوناً بحلول عام 2100، وهو ما يمكن أن يضحى أسوأ سيناريو ينذر بعواقب اقتصادية وسياسية محتملة يحاول الرئيس بوتين تجنبها، فهل يمكن القطع بأن الشيخوخة أمر كله سيئات ونقمة تحل على رؤوس البشر؟ أم أن هناك مسار ثان للحديث عن المشهد؟

أزمة أم فرصة مزدهرة؟

بحلول عام 2050 سيتضاعف عدد البالغين الذين تزيد أعمارهم على 65 سنة على مستوى العالم، وهذه الحقيقة دعت عالم أبحاث المستخدمين والتكنولوجيا والمجتمع في "غوغل" أراثي سيثومادهافان، ونائب الرئيس في الشركة العالمية نفسها ميغان سويدرز، إلى طرح التساؤل عنوان هذه الفقرة، أي هل الشيخوخة أزمة وشيكة أم فرصة مزدهرة؟

وخلاصة الجواب بالنسبة إليهما تحتاج إلى قراءة كاملة قائمة بذاتها، وتتلخص في القول إنه "حان الوقت للعالم أن يستثمر في الشيخوخة"، ووفقاً لدراسة استقصائية حديثة من المتوقع أن يحصل جيل طفرة المواليد في الولايات المتحدة على 70 في المئة من الدخل المتاح خلال الأعوام الخمسة المقبلة، ومع ذلك فإن أقل من 10 في المئة من الحملات الإعلانية موجهة إليهم، ومع بدء تقاعدهم واستمرارهم على مدى العقود القليلة المقبلة ستتاح فرص جديدة في مجال خدمات التقاعد، ومن هنا يمكن القول إن إعادة النظر في المعتقدات النمطية حول الشيخوخة وتغيير الخطاب حول كبار السن من شأنه أن يحول المجتمع بصورة إيجابية إلى مجتمع يمكن للجميع فيه أن يكبروا بهدف.

والخلاصة أن 1.6 مليار مسن حول العالم بحلول عام 2050، يمكن أن يكونوا حجر زاوية في فتح مجال لفرص عمل لقطاع التقاعد، ولا سيما إذا جرى تمكين هذا القطاع من أدوات الذكاء الاصطناعي، فيما الجانب الآخر موصول بطاقات هؤلاء الذين ينظر إليهم بوصفهم عبئاً، في حين أنهم يمثلون كنزاً من الحكمة والمعرفة الأبوية.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات