Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هكذا تحاصر الشيخوخة المبكرة الشعوب الأقل حظا

أبحاث علمية تؤكد أن العدالة الاجتماعية والسياسية والصحية تؤثر في صحة الدماغ وشيخوخة الجسم

قد يتمكّن الأفراد من العيش عمراً طويلاً نسبياً لكن بصحة معتلة وقوة بدنية خائرة (رويترز)

ملخص

سباق الشيخوخة في البلدان التي تواجه خللاً في العوامل الاقتصادية والسياسية والبيئية يبدو غير متكافئ، إذ يتسارع عمر السكان البيولوجي بينما هم يكافحون من أجل أمور حياتهم الأساسية بسبب نظام العدالة الاجتماعي، وفق أحدث الدراسات العلمية التي لم تعد تربط الشيخوخة المبكرة بعوامل فردية ووراثية فقط، ولكنها تظهر وكأنها قدر حتمي لأولئك الذين يعيشون وسط منظومة تنقصها الكفاءة في مجالات كثيرة

الحديث عن العمر البيولوجي مقارنة بالعمر الحقيقي يشكل هاجساً ملموساً لإنسان هذا العصر، فغالبية المنصات تحاصر المستخدمين بنصائح ذكية تمكنهم من تقليل أعمارهم البيولوجية، لتسير بصورة معاكسة لأعمارهم الحقيقية، بالاعتناء باللياقة البدنية والبشرة وحتى الحواس، والصحة النفسية.

لكن من قال إن أسلوب الحياة الفردي أو العوامل الجينية هي المؤثرات الوحيدة هنا؟ تشير الدراسات الممتدة في إطار زمني طويل إلى أمور أبعد من هذا، ليس للفرد يد فيها بصورة مباشرة، بينها عوامل سياسية واجتماعية واقتصادية، مرتبطة بالسياسات العامة ضمن البقعة الجغرافية التي يعيش فيها، إذ يبدو وكأنه قدر حتمي وحكم قاسٍ بفعل مؤثرات خارجة عن إطار تحكم الفرد تماماً.

وفقاً لدراسة نشرت أخيراً في مجلة "نيتشر ميديسن"، فإن بعض العوامل المجتمعة قد تؤدي إلى أمر مناقض تماماً لما يسعى إليه الناس، أي إنهم في ظروف معينة سوف يبدون رغماً عنهم على نحو أكبر بكثير من عمرهم الحقيقي، فالأمر حتى لا يتعلق بأن الناس يشبهون سنهم، إنما هم أكبر عمراً في ما يسمى "فجوة العمر البيولوجي"، ومن ثم تجري الشيخوخة نحوهم جرياً، وبالطبع العكس صحيح إذا كانت مؤثرات مثل العدالة الاجتماعية والسياسية ومستوى جودة الهواء والبيئة المحيطة والتعليم والرعاية الصحية عالية، فإنها تشير إلى مجتمع تتباطأ فيه عوارض الشيخوخة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والحديث خلال هذه الدراسة المثيرة للانتباه يتركز حول العمر البيولوجي المتعلق بوظائف الجسم والحواس والقوة البدنية وغيرها، من دون التطرق إلى متوسط أعمار السكان، فقد يتمكن السكان من العيش عمراً طويلاً نسبياً، لكن بصحة معتلة وقوة بدنية خائرة، فتبدو السنوات وكأنها أرقام تعاش لكن بمعاناة أشد، فسباق العمر مرتبط ضمن هذه الدراسة بمدى جودته.

كثيراً ما ركزت الدراسات المتعلقة بالعمر بالعوامل الوراثية والبيولوجية فقط، لكن في الدراسة الجديدة حول أسباب تسارع الشيخوخة التي أشرفت عليها عشرات المؤسسات البحثية بعضها يقع في آسيا وأفريقيا، فإن دور الجينات الجيدة وحتى العناية الشخصية يتواريان هنا، أو يبدوان أقل تأثيراً، فهناك محددات كلية كثيرة تبدو أكثر حضوراً، بينها مدى فاعلية المؤسسات الديمقراطية والشعور بالمشاركة ومدى تقليص التفاوت الاجتماعي ونسبة نظافة الهواء والرعاية الطبية والتعليم، فيجري قياس تأثيرات هذه العوامل في الإدراك ووظائف الجسد والصحة العامة.

الشيخوخة تحاصر الأقل رفاهية

والملاحظ أن المواطن العادي يلمس بشدة الشعور بكبر العمر، حينما يتعلق الأمر بالظرف الاقتصادي، بخاصة في جانب التضخم، فبين يوم وليلة قد يجد سلعة ما ارتفع سعرها خمسة أضعاف فيبدو وكأنه جاء من جيل آخر غارق في القدم، مما يعني أن التضخم الاقتصادي قد يجلب معه هذا الشعور بسبب التفاوت الكبير في القيمة الشرائية للعمل خلال وقت قصير.

كذلك تبدو الدراسة وكأنها تضع إطاراً علمياً لأفكار شائعة شعبياً، فإن الثراء يجعل صاحبه أصغر عمراً ربما لأنه غير قلق حول توفير النفقات، كما أنه يأكل جيداً ويعتني بصحته بأفضل صورة ويعيش هانئاً. لكن الجديد أن بعض هذه الأفكار صيغت ضمن دراسة علمية قوامها أكثر من 160 ألف مشارك جرى تتبع حياتهم منذ أعوام وصلت إلى ربع قرن في بعض الحالات، وهم أناس من أربع قارات على مستوى العالم، بينما مصر كانت الدولة العربية الوحيدة، حيث تنافست مع جنوب أفريقيا على لقب الأعلى في ما يتعلق بتسارع الشيخوخة البيولوجية، بينما أوروبا هي الأقل في هذه المعدلات تليها آسيا.

 

وبحسب ما جاء في تقديم الدراسة على الموقع الرسمي للجامعة الأميركية بالقاهرة، حيث اشترك الأستاذان محمد سلامة، الأستاذ في معهد الصحة العالمية والبيئة البشرية بالجامعة، وسارة مصطفى زميلة ما بعد الدكتوراه في مجموعة أبحاث الشيخوخة بالجامعة في تأليف البحث الذي أشار إلى أن الظروف المعيشية المجتمعية تسهم في تحديد مسار الشيخوخة، فإن هناك عوامل مؤثرة أخرى مادية مثل سوء جودة الهواء، وعوامل اجتماعية بما في ذلك الهجرة، إضافة إلى عدم المساواة الاقتصادية والجنسانية، وكذلك عوامل اجتماعية وسياسية مثل نقص التمثيل السياسي ومحدودية حرية الأحزاب وتقييد حقوق التصويت والانتخابات غير العادلة وضعف الديمقراطيات.

من جهتها تشدد أستاذة علم الاجتماع في جامعة المنوفية الدكتورة ثريا عبدالجواد على أهمية هذه النتائج، لكنها مع ذلك تقول إنها لم تأتِ بجديد، وإن كان الجديد هو وضعها ضمن إطار علمي محدد وموثق، ويمكن البناء عليه والاستفادة منه في وضع خطط لإنقاذ المجتمعات، مشيرة إلى أن قوانين الحياة الاجتماعية بصورة عامة تؤكد أن "العدل شيء أساس في رفاهية الإنسان، وكذلك في تقدم المجتمع وارتقائه فالشعور بعدم التمييز هو نواة الصحة والاطمئنان لأن الفلسفة ظهرت في محاولة لتحقيق العدل الاجتماعي من أجل الحفاظ على كرامة الإنسان، وهي أمور لن تحدث إلا في ظل نظام يؤمن بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية، ويوزع فرص التعليم والمسكن والثقافة والترفيه والصحة بصورة تحقق المساواة، ولهذا فمن الطبيعي أن أي خلل يطاول هذه العوامل سيتأثر معه الفرد سلباً، ومن ثم المجتمع".

عوامل متشابكة ونماذج شتى

هذه التفسيرات المرتبطة بعلم الاجتماع السياسي تؤكد من خلالها عبدالجواد أهمية شعور الإنسان بفاعليته في المجتمع المحيط وبقدرته على المشاركة وبسماع صوته وتلبية حاجاته، وأيضاً باستيعاب حريته واختلافه كي لا يتهدد سلم المجتمع ويتحول إلى بنية معادية للتقدم، لكنها تضيف أيضاً أن علم الاجتماع الطبي أثبت أن هناك أمراضاً مرتبطة بالفقر وسوء توزيع الثروة نتيجة الخلل الاقتصادي، فتتفاقم نوعية أمراض بيولوجية معينة بسبب الحرمان من النظام الصحي والتعليم نتيجة اعتماد نظام اجتماعي تمييزي لا ينحاز إلا إلى أصحاب الثروات، ولا يحقق العدالة.

وهذا الربط بين كثير من المؤشرات المعيشية والبيئة وصحة الإنسان يبدو جديراً بالملاحظة والتفنيد لأنه يسرد معاناة معقدة متشابكة، فإذا كان الشائع أن البلدان الأقل في الرعاية والأكثر في الضغوط يعيش سكانها أعماراً أقل، فإنه حتى سنوات العمر الأقل ستكون مصحوبة بعمر بيولوجي أكبر بكثير مما يفاقم من الأذى، وعلى رغم أن العينة البحثية التي خضعت للمتابعة في مصر لم تتجاوز الـ300 شخص، فإن الدكتور محمد سلامة المشرف على الجزء المصري في الدراسة أكد أنه جرى الحرص على أن تكون ممثلة لكل الفئات والأطياف، مشيراً إلى أن الجزء الخاص بمصر أُجري ضمن إطار زمني محدد المدة منذ عام 2022 وحتى عام 2024، وشدد على أن هذه هي الدراسة الأولى من نوعها في مصر، ولهذا لا يمكن مقارنة نتائجها لمعرفة نوعية التغييرات التي حدثت في مدى تسارع العمر البيولوجي من عدمه، لافتاً إلى أن الفئة العمرية التي تصل إلى عمر الشيخوخة في مصر ليست شريحة كبيرة من الأساس، وأوضح أن الدراسة تركز على شيخوخة الجسم لا العمر المتوقع للأشخاص، ولهذا من الصعب مقارنتها بدراسات أو إحصاءات سابقة.

 

ومع ذلك، تبدو النقطة المتعلقة بالمناخ الديمقراطي بمفهومه الشائع مربكة بعض الشيء في نتائج الدراسة، ولا سيما أن هناك نظماً سياسية تصنف على أنها لا تسمح بمناخ سياسي منفتح بالمعنى التقليدي مثل روسيا على سبيل المثال، ومع ذلك يتمتع سكانها بخدمات صحية جيدة وبمساواة في فرص التعليم والعمل، إضافة إلى مستوى المعيشة الجيد، بل يعيشون نمطاً من الرفاهية مقارنة بغيرهم، مما ينعكس على عمرهم البيولوجي بحسب ما تدعمه فرضية الدراسة نفسها.

هنا يقول الأستاذ الجامعي محمد سلامة إن النتائج تتحدث عن عوامل مجتمعة وليس عاملاً واحداً، ولا يوجد سبب واحد يقوم بالدور الأكبر في هذه النتائج، موضحاً أنه "قد تكون هناك دول تعيش في ضغط سياسي وعدم استقرار، لكن لديها نظاماً صحياً عادلاً مع مستويات دخل عالية وفرص تعليم وأسلوب حياة صحي وكذلك بيئة أقل تلوثاً، فهنا الوضع يختلف تماماً فتكون الأمور أكثر توازناً". وأضاف أن ارتباط النتائج المتعلقة بالصحة والعمر بالمناخ السياسي ليس حتمياً تماماً لأن الاستجابات تختلف من منطقة إلى أخرى، كما أنه مع توافر عناصر إضافية جيدة في مناخ الحياة تتأثر النتائج بطبيعة الحال.

فيما ترى أستاذة علم الاجتماع القانوني والمقررة المساعدة للجنة العدالة الاجتماعية بالحوار الوطني الدكتورة ثريا عبدالجواد أن هناك جوانب أخرى في هذه الحالات لا يمكن إغفالها، لافتة إلى أن الفئات الأكثر وعياً ونضجاً في هذه المجتمعات لا تكتفي بالرفاه الاقتصادي، وفي محاولتها للتمرد قد تتعرض للتنكيل أو تشعر بالكبت وعدم القدرة على التعبير، ومن ثم تصاب بأمراض اجتماعية ونفسية. وتؤكد أن "العدالة الاجتماعية والرخاء ليسا مبرراً أبداً لغياب البعد السياسي والمشاركة الجماهيرية، فالقهر بأنواعه كافة تدريجاً سيولد أمراضاً تؤثر في فئات كثيرة بالمجتمع، بخاصة مع الانفتاح في وسائل الاتصال راهناً، ولهذا تزداد حالات الهجرة والرغبة في ترك الدول التي لا تتمتع بديمقراطية ترضي الفئة الأعم".

صحة الدماغ في خطر

ومن بين التصريحات التي رافقت الإعلان عن نتائج الدراسة ما قاله المؤلف المراسل للدراسة والباحث في المعهد العالمي للصحة الدماغية GBHI ومعهد أميركا اللاتينية لصحة الدماغ أوغستين إيبانيز إن النتائج تؤكد تغيرات جوهرية، أبرزها أن صحة الدماغ ليست مسؤولية الفرد فقط، إنما البيئة مؤثر أساس، وأن العمر البيولوجي المرتبط بطبيعة الحال بالوضع الصحي يتأثر بعدم الاستقرار السياسي، كما يتأثر بمدى سمّية الهواء، كما شددت الدراسة على أنه كلما اتسعت الفجوة في العمر البيولوجي اتسع التدهور في القدرات المعرفية والأداء اليومي، مما يعني توجهاً أكبر ناحية علامات الخرف.

وبحسب التصريحات الرسمية لوزارة الصحة في مصر، فإن متوسط عمر المصريين من المتوقع أن يرتفع إلى 75 سنة بحلول عام 2030 وفق خطة الرعاية الصحية المعمول بها، بينما يصل متوسط الأعمار في الوقت الحالي إلى ما بين 72 و74 سنة تقريباً بالنسبة إلى الرجال والنساء على الترتيب، فيما تتمتع دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية بأعلى متوسط أعمار يتجاوز 80 سنة، بينما ذكرت منظمة الصحة العالمية ضمن تقرير صدر في مايو (أيار) الماضي حول المحددات الاجتماعية للعدالة الصحية أن سوء الرعاية الصحية قد يؤدي إلى خسارة عقود من العمر، مع تأكيد أن الأزمات الصحية تتجاوز الفكرة الطبية المباشرة وتتعلق أيضاً بأمور مثل المسكن الجيد وفرص العمل والمسكن الملائم. وشدد التقرير على أن هذه المحددات تؤثر في الصحة العامة أكثر من التأثيرات الجينية وأن الفارق بين المحرومين من الرعاية الصحية المتربطة بعوامل اجتماعية بدورها، قد يعيشون أقل بـ33 سنة ممن يتلقون مستوى أعلى من الرعاية.

 

وبالعودة للدراسة فمن أبرز توصياتها أن تقوم المنظمات الدولية وقادة الصحة العامة والحكومات بالتحرك سريعاً لتعزيز المؤسسات الديمقراطية وأيضاً اتخاذ إجراءات للحد من تلوث الهواء لأنه ثبت بدلائل وعلى نطاق واسع أن الشيخوخة ليست حكراً على مختبرات الطب، إنما هي ظاهرة بيئية وسياسية واجتماعية، ولهذا تنبغي إعادة تشكيل البيئات للخروج من هذا المأزق المتنامي، ولا سيما في البلدان الأكثر إلحاحاً وحاجة.

أما سلامة، فيشير إلى أن العلم تغير بصورة كبيرة، فالإنسان ليس فأر تجارب تمنحه مقدمات معينة فيخرج لك بالنتائج ذاتها، إنما تتداخل التخصصات والمجالات لتفسير الظواهر المحيطة به، كذلك تختلف الاستجابات بصورة كبيرة بين الشعوب، وكذلك تتداخل مؤثرات مختلفة في كل مجتمع، فحتى لو تشابهت الظروف الاقتصادية والسياسية لكن لكل منها نمطاً وطبيعة سكان.

وهنا ينتقل سلامة إلى الحديث عن دراسة متعمقة حول الفهم الشامل للشيخوخة يجري العمل عليها في إطار زمني قد يصل إلى 10 أعوام قوامها 20 ألف شخص ممن تجاوزوا الـ50 من العمر في مصر. وهي دراسة طولية للشيخوخة الصحية في مصر، كذلك بالتوازي يجري العمل على دراسة "صحة كبارنا" في لبنان وتضم 3 آلاف مشارك ممن تجاوزوا الـ60 سنة.

ويقول سلامة، "على سبيل المثال الوضع الأمني في لبنان يشكل ضغطاً وتحدياً كبيراً على نمط المعيشة بين السكان، إذ تعرضوا في ما سبق لحرب أهلية وحروب دولية وانفجارات، وهذه أمور وفقاً لباحثين مشرفين على الأبحاث تؤثر بصورة ملحوظة للغاية في النتائج"، مشدداً على أن نتائج الدراستين من المقرر أن تشكل نواة لدراسة الشيخوخة بصورة معمقة في العالم العربي وسط شح البيانات المتعلقة بهذا المجال، بخاصة أن العينات البحثية تمثل شرائح مختلفة مجتمعياً واقتصادياً، وكذلك تمثل مناطق جغرافية متعددة.

اقرأ المزيد

المزيد من صحة