ملخص
في اليوم الدولي لإلغاء الرق الذي يصادف الثاني من ديسمبر "كانون الأول" من كل عام، يفتقد 50 مليون "عبد" التعريف القانوني لعبوديتهم، التي تشمل العمل الجبري، ورق الديون، والزواج القسري، والاتجار بالبشر، وغيرها من حالات الاستغلال التي لا يمكن لأي شخص رفضها أو الفكاك منها بسبب التهديدات والعنف والإكراه والخداع وإساءة استخدام السلطة
الصور النمطية المغروسة في أذهان سكان الأرض عن العبودية لا تخرج عن إطار مشاهد "كونتا كينتي" بينما يجري عرضه للبيع في مزاد علني من قبل تجّار العبيد، ونقله من غامبيا إلى أميركا في النصف الثاني من القرن الـ18، ومحاولاته المتكررة للهرب من العبودية، ورفضه تغيير اسمه لدرجة تحمله قطع رجله عقاباً له، أو المسلسلات والأفلام المصرية التاريخية التي تطرقت إلى بيع وشراء العبيد في عصر ما قبل الإسلام على يد "كفار قريش"، بينما العبد يزحف على الرمال الساخنة طالباً قطرة ماء، أو أفلام مثل "عبد لـ12 عاماً" المبني على السيرة الذاتية لشخص أسود جرى اختطافه في واشنطن عام 1841، وأجبر على العمل عبداً 12 عاماً في مزرعة في لويزيانا، أو الجواري الحسان في المسلسل التركي "حريم السلطان" وغيرها من أعمال درامية أرّخت لجانب من منظومة العبيد.
وسواء أكانت الصورة الذهنية عن العبيد باعتبارهم أشخاصاً سوداً جرى بيعهم في تجارة عابرة للأطلنطي، أو أفراداً تعرضوا للخطف والإجبار على العمل أعواماً، أو آخرين ورثوا العبودية عن آبائهم وأجدادهم، أو مرتبطة بالنظام الإقطاعي الذي ساد في مناطق عدة في العالم، لا سيما في أوروبا في العصور الوسطى، مما يجمع بين غالبية سكان الأرض اليوم هو الاعتقاد بأن الرق والعبودية واعتبار البشر ملكية خاصة تباع وتشترى، وهو الاعتقاد الذي لا تجانبه الدقة.
على وجه الدقة، 50 مليون شخص في الوقت الراهن واقعون في براثن الرق الحديث، مقسمين في الغالب بين العمل الجبري (28 مليون شخص)، والزواج القسري (22 مليون شخص)، وكلا الشكلين من "العبودية" موجه إلى فئات بعينها من البشر، الأول عمال في القطاع الخاص يعملون عملاً جبرياً أو بالسخرة، وواحد بين كل ثمانية منهم أطفال، ومنهم من يتعرض للاستغلال الجنسي التجاري، والثاني زواج قسري ضحيته المرأة والفتاة والطفلة، وتظل النساء والأطفال الفئتان الأكثر استضعافاً، والمهيمنتان في منظومة العبودية في القرن الـ21.
العبودية... وجوه متعددة
اختفت غالبية مظاهر العبودية بأنماطها التقليدية وصورها الذهنية، لكن العبودية كفكرة لم تختف، بل ازدهرت وانتشرت، وتطل على البشرية بأشكال جديدة وتحت مسميات حديثة. يجبر شخص أحدهم على العمل في مزرعته من دون أجر، أو يتعاقد مع أب أو مورد على تشغيل عاملة منزل لا يسمح لها بتقاضي راتبها أو الاتصال بذويها أو ترك البيت، أو يتزوج أحدهم طفلة سلمها له أبوها بحكم أنه وليها والمتحكم في مسارات حياتها، فيجري تسميته عملاً أو زواجاً، بينما هو في حقيقة الأمر "عبودية حديثة".
في اليوم الدولي لإلغاء الرق الذي يصادف الثاني من ديسمبر (كانون الأول) من كل عام، يفتقد 50 مليون "عبد" التعريف القانوني لعبوديتهم، التي تشمل العمل الجبري، ورق الديون، والزواج القسري، والاتجار بالبشر، وغيرها من حالات الاستغلال التي لا يمكن لأي شخص رفضها أو الفكاك منها بسبب التهديدات والعنف والإكراه والخداع وإساءة استخدام السلطة.
وعكس المعتقد الشائع بأن العبودية الحديثة حكر على ثقافات أو بلدان دون غيرها، تخبرنا الأمم المتحدة أن الرق الحديث موجود في كل دول العالم تقريباً، متخطياً الخطوط العرقية والثقافية والدينية، وأكثر من نصف حالات العمالة القسرية وربع الزواج القسري موجودة في الدول ذات الدخل المتوسط المرتفع والمرتفع، وبالطبع في الدول المنخفضة الدخل.
في اليوم الدولي لإلغاء الرق، يجب التذكرة بأن العمل القسري لا يقف عند حدود "كونتا كنتي" مقيداً من رقبته بالأغلال ومالكه يضربه بالسياط، محاولاً إجباره على نطق اسمه الجديد "توبي"، بل يمتد إلى أشكال عدة من العمل المنزلي وأغلبه مهاجرون غير شرعيين، أو جرى توريدهم إلى بيوت عبر مكاتب سواء محلية أو عابرة للحدود مع وضع قيود وشروط تسلبهم حقوقهم الإنسانية البديهية، ويعملون مربيات أو عمال وعاملات نظافة لساعات طويلة غير محددة بأجر زهيد وأحياناً يجري تسليم الأجور للمورد، مع مراقبة تحركاتهم وحجب وثائقهم الثبوتية لإجبارهم على عدم التفكير في الهرب، كما يمتد إلى العمالة في مجالات مثل الزراعة وصيد الأسماك، ومنهم من يجري استغلاله في العمل من دون أجر بسبب ديونهم، وهو ما يسمّى "عبودية الدين".
يشار إلى أن عبودية الدين تحدث حين لا يتمكن شخص من سداد دين بسبب شروط متعسفة أو فائدة مبالغ فيها موروثة، ويجري إجبار الأبناء أو أفراد من الأسرة على العمل من دون مقابل لسداد دين الأب أو الجد أو العم، وتعد عبودية الدين من أكثر أشكال العبودية انتشاراً في العالم حالياً، ويعمل "عبيدها" في مجالات أبرزها الزراعة وصناعة السجاد والمحاجر.
شكل آخر معاصر من الرق يشهده مجال التصنيع والبناء، وذلك في بعض مصانع الملابس والمنسوجات والإلكترونيات، وفي مواقع البناء، حيث ساعات عمل إضافية غير آدمية، لكن إلزامية وتحت تهديد الفصل، ومنهم من يبقى أسير العمل، لأنه دفع مبالغ طائلة حتى يتمكن من العثور على فرصة العمل مما يحول دون اعتراضه على الظروف المجحفة أو ترك العمل.
ويشهد قطاع الضيافة والخدمات أيضاً أشكالاً حديثة من الرق، إذ هناك فنادق ومطاعم تشغل عمالاً بأجور متدنية، وقد تحجم أجورهم، أو تصرفها لهم جزئياً، ويواجه هؤلاء تهديداً مستمراً بالترحيل في حال تقدموا بشكوى.
ويندرج الاستغلال الجنسي التجاري كذلك تحت مظلة العبودية، ويشمل إجبار الأفراد، لا سيما الإناث على العمل الجنسي، وغالباً يجري اللجوء إلى الإكراه والخداع والعنف، ويعد إجبار الأشخاص على الانخراط في أنشطة غير مشروعة مثل الاتجار في المخدرات أو مراكز الاتصال وشركات العلاقات العامة الاحتيالية والتسول، مع التهديد بالأذى في حال امتناعهم عن العمل أو إبلاغ الجهات المختصة، شكلاً من أشكال العبودية الحديثة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بحسب منظمة العمل الدولية، كان هناك 27.6 مليون شخص يعملون بالسخرة في عام 2021، وهو العدد الذي ارتفع بنحو 2.7 مليون شخص من عام 2016، وذلك عكس التوقعات بأن العالم يواجه العبودية ويرفضها.
اندهاش بعض الناس من استمرار العبودية في العصر الحديث على رغم مواثيق حقوق الإنسان والحريات يتبدد حين يجري تقدير الأرباح السنوية العالمية من العمل القسري بنحو 236 مليار دولار أميركي.
تشير الأمم المتحدة إلى أن هذا المبلغ هو قيمة الأجور المسروقة فعلياً من العمال، وبالنسبة إلى العمال المهاجرين، يعني هذا إرسال أموال أقل إلى أوطانهم، ناهيك بخسارة الحكومات عائدات الضرائب بسبب الطبيعة غير القانونية لهذه الأرباح، وهو ما قد يؤدي أيضاً إلى تعزيز الاستغلال، وتمكين الشبكات الإجرامية وتقويض سيادة القانون.
وتتفاقم أبعاد هذه الدائرة المفرغة من خروقات حقوق الإنسان والخسائر ومزيد منها بسبب بعدها عن أعين القانون وسطوته، بتفجر أوضاع وظروف في دول شتى تؤدي إلى مزيد من العمل القسري.
ويؤدي افتقاد ملايين الأشخاص الأوراق الثبوتية والأوراق الرسمية إلى استدامة العبودية الحديثة، إذ الدفع بملايين الأشخاص للعيش على هامش الحياة والمجتمعات عبر حرمانهم من الأوراق الرسمية، وهو ما يدفعهم إلى الانخراط في مجال العمل أو الزواج القسري.
يظل الزواج القسري مثار شد ثقافي وجذب حقوقي وحرج ديني. بعض المجتمعات، وبينها دول عربية وإسلامية يعتبر زواج الفتيات دون سن الـ18 أو حتى الـ16 سنة أمراً مقبولاً، ويجري تبرير أو تعضيد ذلك عبر اللجوء إلى تفسيرات دينية.
تشير مؤسسة "مكافحة العبودية الدولية" (مقرها بريطانيا) إلى أن كل زواج دون سن الـ18 سنة ليس بالضرورة عبودية، لا سيما بين الأزواج الذين تراوح أعمارهم ما بين 16 و18 سنة، لكن في كثير من الحالات يُسبب زواج الأطفال ضرراً جسيماً بالصحة البدنية والنفسية للأطفال، ويجري الاستمرار فيه قسراً.
وتظهر التقديرات العالمية للعبودية الحديثة (2022) ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الأشخاص الذين يعيشون في زواج قسري منذ عام 2016، إذ بلغ عددهم 6.6 مليون شخص، وتشمل هذه الزيادة نسبة كبيرة من الأطفال. ويشكل الأطفال 41 في المئة من الأشخاص الذين أُجبروا على الزواج، وبينما من النادر أن يُجبر الأطفال دون سن العاشرة على الزواج، هناك تقارير تشير إلى أطفال في سن التاسعة أجبروا على الزواج.
وتنبه "مكافحة العبودية الدولية" إلى أن الأطفال في وضع أضعف من البالغين في إعطاء موافقة حرة وكاملة ومستنيرة على الزواج، حتى أبدوا موافقة أو لم يعربوا عن رفضهم، فالأطفال لا يتمتعون برجاحة العقل أو الخبرة أو التعليم أو الثقافة التي تؤهلهم لاتخاذ القرارات الصائبة في مسألة مصيرية كالزواج.
وفي الحالات التي تتحول فيها الطفلة العروس إلى "منقولات" زوجية أو ضمن أملاك الزوج، إضافة إلى الاستغلال للقيام بالأعمال المنزلية، أو أعمال خارج البيت، أو الإجبار على علاقات جنسية، وإن لم تتمكن الصغيرة من مغادرة الزواج أو إنهائه، فقد يؤدي ذلك إلى عبودية مدى الحياة.
أسف من دون تعويضات
وبينما الزواج القسري والعمل الإجباري وعمالة الأطفال وغيرها تظل مثار اختلاف بين الدول والثقافات المختلفة حول إذا ما كانت عبودية، أم إساءة تقدير أم أموراً في حاجة إلى تنظيم أم عبودية حديثة، لا يخلو الأمر من لمحات تسييس أو تبييض سمعة بين الحين والآخر.
شهدت العقود القليلة الماضية قيام بعض الدول بتقديم اعتذارات عن عصور العبودية في تاريخها، وهي اعتبارات مسببة، ولا تخلو من نبرات سياسية أحياناً، بين رغبة في اعتراف بأخطاء الماضي، وسعي إلى المصالحة مع دول أخرى كانت مصدراً لتوريد "العبيد"، وكذلك محاولة لتحقيق السلام الاجتماعي في داخل الدولة واسترضاء مواطنيها المنحدرين من أجداد تجرعوا مرارة العبودية، تختلف أسباب المجاهرة بالاعتذار.
بعض دعوات الاعتذار تكون مصحوبة بمطالبات بدفع تعويضات أو المشاركة في مشروعات تنموية أو إصلاحية في الدول المتضررة، كنوع من التكفير عن الذنب.
ومن أشهر الدول المعتذرة هولندا، إذ اعتذر ملكها فيليم ألكسندر عام 2023، عن دور بلاده في العبودية في الحقبة الاستعمارية، وذلك في مناسبة مرور قرن ونصف القرن على إلغاء الرق في المستعمرات الهولندية السابقة.
كذلك اعتذرت ولايات أميركية متفرقة عن العبودية على مدى أعوام، لكن الاعتذار الرسمي حدث عبر الكونغرس عام 2009، وعلى رغم ذلك تظل مسائل دفع التعويضات محل خلاف ونقاش، ووقع الرئيس الأميركي السابق جو بايدن عام 2021 على قانون ينص على أن يوم الـ19 من يونيو (حزيران) من كل عام، ذكرى نهاية العبودية، وهو يوم عطلة معروف بـ"جونتينث" (كلمة تجمع بين كلمة يونيو ورقم 19 بالإنجليزية)، ويمثل نهاية العبودية في أميركا بتاريخ الـ19 من يونيو عام 1865، إنه التاريخ الذي جرى فيه إنهاء العبودية في ولاية تكساس، التي ظلت تطبق وتحمي هذه المنظومة، حتى بعد ما أصدر الرئيس الـ16 لأميركا أبراهام لينكولن، والملقب بـ"محرر العبيد"، إعلان تحرير العبيد في يناير (كانون الثاني) عام 1863.
في المقابل، ترفض دول عدة شاركت في منظومة العبودية في عهود سابقة مبدأ الاعتذار، وذلك لأسباب عدة أبرزها الخوف من أن تجد نفسها مطالبة بدفع تعويضات مالية، أو لإيمانها بأن الأجيال الحالية لا تتحمل أخطاء من سبقوها، لذا لا داعي للاعتذار، والخوف من أن يشكل الاعتذار سابقة سياسية غير محمودة قد تؤدي إلى سلاسل من المطالبات باعتذارات عن صراعات وحروب وإبادات، أو لاعتقاد بأن الاعتذار ينال من القوة والمكانة. ومن الدول من يمسك العصا من المنتصف، فتعرب عن الأسف، لكن لا تعتذر، مثل بريطانيا.
الغريب أن كثيراً من قدامى الفلاسفة برروا العبودية واعتبروها أمراً عادياً، بين هؤلاء أرسطو الذي كتب عن العبودية في كتابه "السياسة" إنها "الحالة التي يكون فيها الإنسان غير حر بطبيعته، ويصبح ملكاً لشخص آخر"، مشيراً إلى العبد بأنه "أداة عمل منفصلة عن مالكه" وضرورية لتسيير الحياة.
وجاء رأي أفلاطون، صاحب "المدينة الفاضلة" مشابهاً، إذ اعتبر أنه من الأفضل أن يحكم الأفضل غيرهم ممن هم أدنى، أما هوميروس مؤلف الإلياذة والأوديسا، فقد رأى أنه، حتى لو لم يكن الشخص أدنى من غيره قبل أن يصبح عبداً، فإن عبوديته تجعله عبداً طبيعياً.
في اليوم الدولي لإلغاء الرق، اختفى "كينتا كونتي" وتغيرت الصور النمطية للعبودية، وينتظر 50 مليون شخص "محرر عبيد" من نوع جديد.