Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السينما عندما تختزل المسافات وتردم الهوة الجغرافية

أفلام جدية تواجه قضايا راهنة بين  فلسطين والعراق والسودان وإيران

من الفيلم العراقي "الأسود على نهر دجلة" (ملف الفيلم)

ملخص

سلسلة من الأفلام الجديدة تكشف حيزاً واسعاً من الجروح المفتوحة في العالم العربي والشرق أوسطي والأفريقي، مستعرضة الأشكال الفنية التي يمكن للسينما أن تتحوّل من خلالها إلى وسيلة لحماية الذاكرة ومواجهة العنف والمعالجة الجماعية عبر البوح.

أفلام تختزل المسافات بين السودان وإيران، فلسطين والعراق، إذ إنها تردم الهوة بين البقع الجغرافية لترينا ما يجمعها أكثر ممّا يفرقها عن بعضها البعض. غالبية هذه الأفلام عرضت وتعرض في مهرجانات عربية وعالمية. تنطلق من تجارب شخصية وعائلية، لتتشكّل من خلالها صورة قاسية عن خراب مدن ومأساة شعوب عاشت الحروب والقمع والاحتلال، وتبحث اليوم عن النجاة وإعادة البناء. بعيداً من السينما الترفيهية التي تخدّر العاطفة وتقارير الأخبار المشغولة بعجل، كانت لنا رحلة شاقة في دهاليز الواقع الذي تشهده المنطقة والتداعيات التي يعاني منها أهلها. لوحة صادقة عن واقع عربي مشتت تؤكد أن التوثيق يمكن أن يكون بداية التعافي وتطرح رؤية جديدة للمستقبل. 

من العراق الذي ما إن تخلّص من صدام حسين حتى أُقحِم في حرب أهلية وسيطر عليه الإرهابيون، يأتينا "الأسود على نهر دجلة" للمخرج العراقي الكردي زاردشت أحمد. الكاميرا تدخل الموصل بعد زوال "داعش"، حيث يحاول ثلاثة رجال إعادة الروح إلى مدينتهم المنكوبة. من خلال تفاصيل عيشهم اليومي، يقدّم الفيلم صورة عن قدرة البشر على إعادة بناء ما دمّرته النزاعات. يضيء الفيلم على جمال خجول يحاول النجاة من الدمار، ويطرح سؤالاً عن الدور الذي يلعبه الفنّ والذاكرة في إعادة الأمل بعد الخراب.

الخراب هو ما يصوّره أيضاً المخرج الفلسطيني كمال الجعفري في "مع حسن في غزة"، علماً أن غزة هنا ليست تلك التي سُويت بالأرض في أعقاب العدوان الإسرائيلي. يقوم الفيلم على مادة مصوّرة التقطها المخرج قبل أكثر من عقدين، من دون أن يتخيّل أنها ستصبح وثيقة عن حاضر غزة. تبدأ الحكاية من مشروع فيلم أولي حول صديق قديم، قبل أن يقوده القدر إلى شاب غزاوي يُدعى حسن، رافقه في جولات داخل المدينة، ثم اختفى. تتّخذ الصور العفوية طابعاً عاطفياً، إذ تكشف كيف تتحوّل اللحظات اليومية العادية إلى فعل مقاومة. علاقة حميمية تنشأ بين الكاميرا ومن يمسكها بوصفهما شاهدين على زمن يتكرر فيه الألم.

الألم الأسري المحبوس على مدى سنوات والذي يتداخل صداه مع معاناة الوطن، هو ما نلمسه في "بابا والقذافي" لجيهان الكيخيا، المخرجة الليبية الشابة التي تروي قصة والدها منصور الكيخيا، السياسي الذي دفع حياته ثمناً لمعارضته نظام القذافي. عبر دمج أرشيف متنوع مع تسجيلات عائلية، يعيد الفيلم بناء صورة الأب الغائب، محاولاً فهم أثر غيابه في العائلة وفي الذاكرة الليبية عموماً. الفيلم غير محصور بمأساة فرد، ذلك أنه يتطرق إلى إرث القمع وتخاذل العدالة. عمل مهم يتشكّل انطلاقاً من مساحة التصالح مع الألم ومحاولة فهم تاريخ مثخن بالانتهاكات في حق الإنسان.

كوميديا إيرانية

الحديث عن الانتهاكات لا بد أن يحملنا إلى "كوميديا إلهية" للمخرج الإيراني علي أصغري الذي يأتي بقصة انطلاقاً من تجربته الشخصية والتحديات التي لطالما واجهها لصناعة أفلام بحرية واستقلالية في ظلّ نظام قمعي يفرض رؤيته ومبادئه على السينمائيين. سنتعرف إلى مخرج أفلام مستقلة يكافح لعرض فيلمه الأخير الذي يبدو أنه لا يستوفي شروط الدولة ومعاييرها، إذ إن الأخيرة ترفض إعطاءه إجازة تسمح له بعرضه في الصالات التجارية… بدلاً من أن يتحوّل الفيلم إلى سلسلة مترابطة من الشكاوى، يختار أصغري الكوميديا العبثية التي لها تأثير أكبر. بموهبته الفذة في مراقبة الواقع الإيراني "عن مسافة"، يرينا عبثية البيروقراطية التي لا بد أن يمر عبرها لإنجاز عمل فني، ما يجعله ينسى الجوهر لمصلحة كل ما يحيط به. صحيح أن الفيلم عن جهاز بيروقراطي ينهك الأمل أكثر ممّا يخدمه، ولكنه أيضاً عن إيران ما بعد 2022 والطوق إلى الحرية الذي صار الشعار الأبرز للجيل الذي ينتمي إليه أصغري.

في دورة مهرجان الدوحة الأخير، كان للسودان حصة الأسد، جاء فيلم "خرطوم" (إخراج جماعي مشترك بين إبراهيم سنوبي أحمد وراوية الحاج وفيليب كوكس وأنس سعيد وتيمية محمد) ليأخذنا إلى قلب الخرطوم المضطربة، تلك العاصمة العربية التي تتجاهلها وسائل الإعلام على رغم ما حلّ بها في السنوات الأخيرة. نتابع يوميات خمسة سودانيين: موظف حكومي، بائعة شاي، متطوّع في المقاومة وولدان يعيشان في الشارع. من خلال شهاداتهم، تتجلى أحلامهم البسيطة ومحاولاتهم للصمود وسط ثورة وحرب ونزوح يغيّر ملامح المدينة. صُوِّر الفيلم بهواتف نقالة وإمكانات متواضعة، ليتحول في النهاية شهادة عن الحياة تحت الحكم العسكري، قبل أن تدفع أحداث 2023 كل المشاركين في الفيلم إلى المنفى، حيث استمر العمل عليه بالرسوم الغرافية لتجسيد واقع يتبدّل كل يوم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أخيراً، عودة إلى العراق في التسعينيات مع "مملكة القصب" للمخرج العراقي حسن الهادي. طفلة تجد نفسها مكلّفة بتحضير قالب حلوى لعيد ميلاد صدام حسين، ليغدو هذا الواجب البسيط إلى مهمة تقود الفيلم كله ويحمل الأحداث المتنقلة من مكان إلى مكان. صُوّر الفيلم في العراق، مانحاً المكان حضوره الطاغي، من الأهوار ونقاط التفتيش إلى الدكاكين المتواضعة. من خلال تصوير الطفولة التي ستفقد براءتها لقطة بعد لقطة، يوثق حسن الهادي لحقبة عاشها واختبرها من قرب، وهي زمن العقوبات المفروضة على العراق. يستعيد السرد تلك المرحلة من منظور طفولي يركّز على التضامن الخفي بين الجيران والأقارب والناس في مواجهة أوضاع فُرضت عليهم.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما