ملخص
يكشف وثائقي بثّته قناة "آي تي في" البريطانية شهادات جنود إسرائيليين عن استخدام المدنيين، بمن فيهم الأطفال، كدروع بشرية، وتنفيذ هدم واسع للمنازل، وإطلاق نار على فلسطينيين عُزّل فيما تحولت غزة إلى منطقة منكوبة بالكامل. وتوثق الروايات أوامر بتجاهل القانون الدولي وسط حصار خلّف مجاعة، فيما خلصت الأمم المتحدة إلى أن ما جرى يرقى إلى إبادة جماعية.
قال وشاة من داخل صفوف الجيش الإسرائيلي إن قواتهم أطلقت النار على فلسطينيين عزل في غزة "من دون أية ضوابط"، ووضعوا "بروتوكولاً" لاستخدام المدنيين كدروع بشرية، وانتهجوا سياسة تقوم على "دمر، هدم، هجر".
وفي فيلم وثائقي صادم بثته قناة "آي تي في" البريطانية، قدم ما لا يقل عن 12 جندياً روايات مفصلة عن الكيفية التي تحولت فيها غزة إلى "مدينة أشباح لا حياة فيها"، بعد الهجوم الإسرائيلي غير المسبوق الذي استمر عامين.
وخلال تلك الفترة، قال الجنود إن قادتهم أمروا الوحدات بتجاهل القانون الدولي، واستخدام المدنيين - بمن فيهم المراهقون - كدروع بشرية، وكشفوا عن أجواء من الاحتفاء بضربات الطائرات المسيرة، وتلقي أوامر بـ"الانتقام من الجميع".
ووصفت الشهادات، التي تشمل موظفاً متعاقداً مع "مؤسسة غزة الإنسانية" المثيرة للجدل والمدعومة من إسرائيل والولايات المتحدة، الدمار الواسع للبنية التحتية المدنية، وإحراق منازل فلسطينية كانوا حولوها إلى مواقع عسكرية على خط المواجهة، وإطلاق النار على طالبي المساعدات في مواقع التوزيع، إضافة إلى حملة قصف "غير مسبوقة" أدت إلى وقوع خسائر فادحة بين المدنيين.
وقال ضابط عرف فقط باسم المقدم "ب"، خدم أكثر من 300 يوم في غزة، إن الهجوم كان "شاملاً بالكامل"، معرباً عن اعتقاده بأنه "لم يكن هناك أي سقف" لحجم الأضرار الجانبية المرافقة لهذه العملية.
وقال الضابط "لو كان الأمر بيدي، لرميتهم جميعاً في البحر [بجرافات] خلال السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، وأعطيتهم أنابيب تنفس وتركتهم يسبحون إلى مصر"، وذلك في حديثه لبرنامج Exposure على قناة "آي تي في".
وأضاف آخر، وأُخفيت هويته أيضاً: "في سريتي كان هناك أشخاص يقولون علناً: دعونا ندمر، ونهدم، ونرحلهم [خارج غزة]".
وكانت إسرائيل شنت حملة قصف وحصار غير مسبوقة على غزة عقب الهجمات الدموية التي نفذتها حركة "حماس" جنوب إسرائيل، والتي قتل خلالها أكثر من ألف شخص وأسر أكثر من 250 رهينة، وفق التقديرات الإسرائيلية.
وفي الفيلم الوثائقي "تمرد عسكري: داخل حرب إسرائيل"، أفاد الجنود بأن إسرائيل شنت في أعقاب تلك الهجمات "حملة انتقامية".
ومنذ أكتوبر 2023، أدت حملة القصف والحرب الإسرائيلية إلى مقتل أكثر من 64 ألف شخص، وفق وزارة الصحة الفلسطينية. ودمرت أو ألحقت أضراراً بأكثر من 90 في المئة من منازل القطاع، بحسب الأمم المتحدة، وشردت معظم سكانه البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة.
وفي الوقت نفسه، دفع الحصار الإسرائيلي على هذا الشريط الساحلي الصغير البالغ طوله 40 كيلومتراً المنطقة إلى حافة المجاعة، وأطلق أزمة إنسانية غير مسبوقة. وخلصت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة هذا العام إلى أن إسرائيل ارتكبت جريمة إبادة جماعية.
ورد الجيش الإسرائيلي على الاتهامات الواردة في الفيلم بأنها "لا أساس لها"، وقال لـ"اندبندنت" إنه "يعمل وفقاً للقانون الدولي، بما في ذلك قانون النزاعات المسلحة".
وأضاف: "الجيش [الإسرائيلي] ملتزم بسيادة القانون ويواصل العمل وفق التزاماته القانونية والأخلاقية، على رغم الظروف العملياتية غير المسبوقة التي تفرضها عملية تمركز ’حماس‘ داخل البنية التحتية المدنية واستخدامها المواقع المدنية لأغراض عسكرية".
وقال أيضاً إنه يجري التحقيق في أية ادعاءات بسلوك جنائي يرتكبه جنوده.
لكن وثائقي "آي تي في" نقل عن جندي مشاة مجند، عرف فقط باسم "ياكوف"، قوله إن حجم الدمار كان واسعاً لدرجة أنهم "قضوا على مجتمع بأكمله".
وفي شهادة مؤثرة أخرى داخل فيلم "ITV Exposure"، كشف مجند عرف باسم "يعقوب" أن التدمير كان واسع الانتشار لدرجة أنهم "دمروا مجتمعاً كاملاً".
وأضاف بأسى: "كل المساجد، ومعظم المستشفيات، ومعظم الجامعات، وكل مؤسسة ثقافية دمرت. لقد دمرتم مجتمعاً. لستم في حاجة إلى قتلهم واحداً تلو الآخر لمحو كل أثر للمجتمع الذي كان موجوداً هناك".
ووصف كيف استخدمت وحدته فلسطينيين اثنين، من بينهم صبي يبلغ من العمر 16 سنة، كدروع بشرية. وعندما احتج الجنود على هذا السلوك، قال إن قائدهم أخبرهم: "لا ينبغي على الجنود القلق في شأن القانون الدولي، بل فقط في شأن قيم الجيش الإسرائيلي".
وأكد دانيال، وهو قائد وحدة دبابات، الانتشار الواسع لظاهرة استخدام المدنيين كدروع بشرية.
وكشف دانيال عن مسمى رمزي لهذه الممارسة، قائلاً: "يطلق عليه ’بروتوكول البعوضة‘، وهو ينطوي على طريقة يتم من خلالها تحويل الفلسطيني إلى ما يسمى ’العميل‘. وهو مصمم حصراً للعمل في الأنفاق، وهو شيء أثبت فائدته الكبيرة جداً".
وقال إنه بعد نحو أسبوع، أصبحت كل سرية تعمل بـ"بروتوكول البعوضة" الخاص بها.
وتابع دانيال مبرراً هذا الاستخدام: "ذلك يعني ثلاثة فلسطينيين لكل كتيبة، ومن 9 إلى 12 لكل لواء، وعشرات، بل مئات لكل فرقة،" مضيفاً أن هذه الممارسة "تنقذ حياة الجنود".
وكشف تحقيق أجرته "اندبندنت" حول استخدام الدروع البشرية أن أطفالاً بعمر 12 سنة فقط أجبروا على تفتيش البيوت والطرقات والبحث عن الأنفاق والمسلحين، وأحياناً وهم يرتدون ملابس عسكرية.
وعند سؤال الجيش الإسرائيلي عن هذه الشهادات، قال: "إن أوامر وتعليمات الجيش الإسرائيلي تحظر استخدام المدنيين من غزة، الذين يعتقلون في الميدان، ضمن مهام عسكرية تعرضهم للخطر".
وكشف الفيلم الوثائقي عن جانب مقلق آخر تمثل في التدمير العشوائي لأجزاء واسعة من القطاع، وهو دمار قدر البنك الدولي أن إعادة بنائه ستكلف 53 مليار دولار (40 مليار جنيه استرليني).
وخلال العام الماضي، قالت لجنة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إنه حتى لو توقفت الحرب، وإذا بقيت غزة تحت الحصار الإسرائيلي، فإن اقتصادها المنهار قد يستغرق 350 عاماً ليعود إلى مستويات ما قبل الحرب.
الحاخام أفرهام زاربيب، الذي خدم أكثر من 500 يوم في غزة يقود الجرافات ويمهد مساحات واسعة من القطاع، تحدث إلى صناع الفيلم من المستوطنة التي يعيش فيها.
يزعم زاربيب أنه صاحب فكرة الهدم المنهجي لأحياء كاملة في غزة، وهي الفكرة التي ألهمت وحدات أخرى داخل الجيش الإسرائيلي.
وأشار: "نحن غيرنا سلوك الجيش بأكمله. الجيش الإسرائيلي يستثمر مئات الآلاف من الشيكلات [عملة إسرائيل] لتدمير قطاع غزة".
ويؤكد أن الهدم الواسع للمنازل المدنية مبرر، قائلاً في أحد المقاطع المصورة: "كل شيء هناك هو بنية تحتية إرهابية كبيرة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتحدث الجنود أيضاً عن عدد من الحوادث التي قتل فيها فلسطينيون غير مسلحين، من بينهم رجل كان يقف على سطح منزله ينشر غسيله، إذ يقول أحد الجنود إن لواء دبابات من مسافة بين 600 و700 متر صنفه كـ"مراقب" وحطم نصف المبنى. وفي حادثة أخرى، أطلق الرصاص على رأس مراهق كان يدفع عربة.
وقال جندي آخر يعرف باسم "إيلي" إنه عند نهاية خدمته، أبلغهم قائده أنهم قضوا على "112 إرهابياً"، لكنه أضاف: "يمكنني أن أقول بثقة إن واحداً فقط كان يشتبه في أنه مسلح. أما الآخرون، الـ111 الذين قتلناهم، فلم يدع أحد أنهم كانوا مسلحين".
وتحدثت نيتا كاسبين، وهي رائد في الجيش الإسرائيلي، عن حرب الطائرات المسيرة، قائلة إنها شاهدت مشغلي الطائرات يتتبعون رجلاً يمشي في ممر نتساريم لمدة نصف ساعة قبل إطلاق النار عليه، وبعدها قال لهم أحد الجنود: "ابتهجوا".
وقال جندي آخر لم تكشف هويته إن استخدام الطائرات المسيرة في غزة "يجعل الأمر بالنسبة إليهم وكأنه لعبة".
وأوضح: "يمكنك أن تجلس في قبو أي منزل بكل أمان وتخلع خوذتك، وتسترخي وأنت نصف عار وتقتل الفلسطينيين".
يعرض الفيلم الوثائقي "تمرد عسكري: داخل حرب إسرائيل" على قنوات ITV1 وITVX وSTV وSTV Player.
© The Independent