ملخص
يشهد لبنان في نوفمبر الجاري موجة حرائق واسعة امتدت من الجنوب إلى الشمال، تزامناً مع غياب الأمطار واشتداد الجفاف، وقد اقتربت النيران من أكبر غابة صنوبر في الشرق الأوسط في بكاسين، مسببة أضراراً بيئية كبيرة.
وتواصل فرق الدفاع المدني والجيش جهود الإطفاء للحد من انتشارها وسط ظروف صعبة.
في شهر يتراجع فيه عادة خطر الحرائق، تفرض موجة اشتعالات متكررة في غابات لبنان خلال نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري نفسها كتحذير صارخ، بخاصة وسط غياب تام للأمطار في فترة تعد ماطرة بالعادة. ومن جنوب البلاد إلى شرقها وشمالها، تضيء النيران حزم الغابات وتدخن السماء، فتحيي مخاوف من تكرار موسم حرائق أشد وطأة، كتلك التي حدثت عام 2019.
وتعمل فرق الدفاع المدني في الأيام والساعات الماضية بمساندة الجيش اللبناني ومتطوعين من البلديات على محاولة السيطرة على الحرائق التي تهدد المنازل والمزارع القريبة، فيما يحذر الخبراء من أن تغير المناخ وغياب خطط الوقاية الطويلة الأمد يجعلان البلاد أكثر عرضة لمواسم اشتعال غير مسبوقة.
ومع انتشار جهود الإخماد وانتشار فرق الإطفاء ومتطوعي الغابات، تبرز علامات استفهام حول الأسباب: هل هي فصول جفاف مستمر أم تغير مناخي يطيل فترة الجفاف أو ربما ضعف الصيانة وغياب الخطط الوقائية؟ وهي أسئلة باتت ملحة أكثر من أي وقت مضى بخاصة أن غابات لبنان تعد خط الدفاع الطبيعي ضد تدهور البيئة والانجراف والتصحر، وأي تأخر أو تقاعس في حماية هذه المساحات قد ينعكس على كل القطاعات، ومنها الزراعية والسياحية والبيئية وحتى المائية.
الحرائق تقترب من أكبر غابة صنوبر في الشرق الأوسط
تجددت الحرائق مجدداً في قضاء جزين جنوبي لبنان، لتلتهم مساحات واسعة من أشجار الصنوبر، خصوصاً في أحراج بكاسين التي تضم أكبر غابة صنوبر في الشرق الأوسط، وأظهرت مشاهد مصورة تصاعد ألسنة اللهب وأعمدة الدخان الكثيف من الغابة.
وسارعت فرق الدفاع المدني، بدعم من عناصر الجيش اللبناني، إلى العمل على تطويق النيران ومنع تمددها، في وقت لا تزال ألسنة اللهب تمتد باتجاه أحراج بلدتي بكاسين وعراي، وتواصل الطوافات العسكرية عمليات الإطفاء الجوية في محاولة للسيطرة على الحريق والحد من اتساع رقعته.
الدفاع المدني يُخمد سلسلة حرائق اندلعت في مختلف المناطق اللبنانيةhttps://t.co/TPt5aWrduf pic.twitter.com/MttfcKVnsL
— الدفاع المدني اللبناني (@CivilDefenseLB) November 10, 2025
وما زاد الطين بلة في تلك المنطقة، الغارات الإسرائيلية التي شنت قبل أيام وأدت إلى اشتعال حرائق إضافية، ومنها في ضواحي بلدات الجرمق والمحمودية والعيشية والريحان قرب جزين أيضاً.
كذلك شهدت الساعات الـ48 ساعة الماضية اندلاع أكثر من حريق كبير في أحراج وغابات قرى إقليم الخروب في منطقة الشوف ومنها مناطق خراج بلدات المطلة والجليلية وتلة حصروت والزعرورية، كما تجددت حرائق حرج شدرا على نطاق واسع، نتيجة الرياح القوية التي تضرب المنطقة، مما تسبب بمزيد من الأضرار في كامل مساحة الغابة.
وتسببت الحرائق الكثيفة في إقفال بعض الطرق وإعادة الطلاب إلى منازلهم في جبل لبنان خشية خروج النيران عن السيطرة، وفق وسائل إعلام محلية، فيما دعت المديرية العامة للدفاع المدني المواطنين إلى توخي أقصى درجات الحذر وتجنب إشعال النيران في الأعشاب أو قرب الأحراج، والإبلاغ فوراً عن أي حريق على الرقم 125، مؤكدة استمرار فرقها في العمل حتى السيطرة الكاملة على النيران.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
529 بلدة تحت الخطر الشديد
وزيرة البيئة تمارا الزين قالت بدورها في تعليق على الغارات المتنقلة في أكثر من منطقة لبنانية إنه "لا حرائق تنشب من دون تدخل بشري، سواء كان متعمداً أو غير متعمد... في جنوب لبنان تحديداً، أحرق العدو ما يزيد على 8700 هكتار من الأراضي الزراعية والحرجية، والبارحة أيضاً استكمل الجريمة البيئية عبر إلقاء أجسام حارقة في عديد من الأحراج مما زاد من حجم الكارثة".
وتابع رئيس الجمهورية جوزاف عون تفاصيل الحريق الضخم الذي اندلع منذ أمس في منطقة جزين، لا سيما في بكاسين وفي إقليم الخروب ومنطقة الريحان. وقد أعطى توجيهاته إلى الدفاع المدني للعمل على مكافحة النيران، وطلب من قيادة الجيش وضع إمكاناتها الجوية في خدمة عمليات الإخماد ومنع تمدد الحريق.
مركز البحوث العلمية التابع لرئاسة الحكومة، وضع أخيراً على موقعه الإلكتروني 529 بلدة تحت الخطر الشديد لاندلاع الحرائق، و275 بلدة تحت الخطر المرتفع جداً، وأفاد بأن 567 حريقاً اندلع منذ بداية العام الحالي وحتى 10 نوفمبر الجاري.
كما نشر موقع "فيرمز" التابع لوكالة "ناسا" تحديثاً يظهر أماكن انتشار حرائق في لبنان، التي تتكشف بصورة خاصة في الجنوب ومنطقة الشوف وبعض مناطق الشمال.
غابة بكاسين في عين العاصفة
في سياق متصل وبسبب أزمة الجفاف وغياب الأمطار، يتضاءل إنتاج مزارعي غابة بكاسين من الصنوبر. وعزا المزارعون ذلك في بادئ الأمر إلى تقلبات الطقس الموسمية لكن عام 2015 تأكد علماء مما كان يخشاه كثر، إذ تفشت في الغابة حشرة تتغذى على المخاريط التي تنتج الصنوبر اللبناني الثمين.
وقال خبير صحة الغابات نبيل نمر، إن الأمر لا يقتصر على حبوب الصنوبر، إذ إن الحشرة تهاجم المخاريط، أي البلوطات الصنوبرية التي تحمل حبوب الصنوبر، على مدار ثلاثة أعوام، ولا تقلل من الإنتاجية فحسب، بل تقضي عليها تماماً.
وزرعت معظم غابات الصنوبر في لبنان في أواخر القرن 18 وأوائل القرن 19، ولا تزال هذه الأشجار القديمة في أعمارها الإنتاجية، إلا أن الجفاف وعدم انتظام هطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة الناجم عن تغير المناخ جعلها أكثر عرضة للآفات.
وقال نمر، إن الشجرة السليمة قادرة على المقاومة، لكن عندما تعاني قلة المياه والتغذية لا تملك أي قدرة على الدفاع عن نفسها في مواجهة الآفات.
وتضم غابة بكاسين نحو 100 ألف شجرة صنوبر مثمرة لكن وفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة تزداد أعداد الأشجار التي تموت بهذه الغابة أو تصبح غير مثمرة بسبب الآفات والضغوط المناخية.