ملخص
تواجه شبكة "بي بي سي" تهديداً وجودياً من قبل تيارات يمينية تسعى إلى تفكيكها لأسباب أيديولوجية وسياسية، رغم مكانتها المهنية والثقافية الراسخة في بريطانيا والعالم.
ينبغي أن يساورنا القلق حيال مستقبل شبكة "بي بي سي". ففي غضون بضعة أعوام، من المرجح أن تختفي هذه المؤسسة - أقله بالصورة التي نعرفها بها اليوم - بغض النظر عما إذا قرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفع دعوى قضائية ضدها، نتيجة الأخطاء التي وردت ضمن فيلمها الوثائقي الذي عرض في السادس من يناير (كانون الثاني) عام 2021.
أما الجدل الدائر في الوقت الراهن حول الطريقة التي حرر بها برنامج "بانوراما" مقطعاً من خطاب ترمب في السادس من يناير عام 2021، فلم تعد له علاقة تقريباً بالمعركة المصيرية التي تخوضها "بي بي سي" من أجل البقاء. وحتى لو كان ستيفن ميلر مسؤول العلاقات العامة الصارم في البيت الأبيض، قد وافق على النسخة النهائية من المونتاج، فإن حملة التيار اليميني الرامية إلى القضاء على "بي بي سي"، كانت ستستمر بلا هوادة. وستكون هناك فضيحة أو ذريعة أخرى - سواء كانت تتعلق بغزة، أو بفنادق إيواء طالبي اللجوء، أو بحقوق المتحولين جنسياً، أو بقضايا المناخ.
ستظل هناك دائماً قضايا يمكن استغلالها، حقيقية كانت أو مختلقة. بالتالي لن يجدي نفعاً أي اعتذار يقدمه رئيس "بي بي سي" الدكتور سمير شاه، مهما كان شديد التواضع، ولن ترضي خصوم الشبكة سلسلة من الاستقالات، ولن تؤخذ أية ردود على محمل الجد. فمهما تكرر ظهور نايجل فاراج زعيم حزب "ريفورم"، والرئيس السابق للحزب ضياء يوسف ونائب زعيم الحزب ريتشارد تايس على شاشة "بي بي سي"، ومهما بثت القناة من فعاليات لحزب "ريفورم" و"التصريحات السياسية" الخاوية من المضمون، مباشرة ومن دون انقطاع عبر قناة "بي بي سي نيوز"، سيبقى الاتهام بالتحيز ملازماً لها.
لن يهدأ لهم بال حتى تزول المؤسسة تماماً. فالعداء تجاهها متأصل وعميق الجذور. ووصف فاراج في أحدث فعالية دعائية له شبكة "بي بي سي" بأنها "منحازة مؤسسياً"، وبدا كمن يرقص ابتهاجاً فوق قبرها. أعرف هذا لأنني شاهدته للتو يقول ويفعل ذلك - على شاشة "بي بي سي نيوز" نفسها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
والنخبة اليمينية غير الليبرالية في المدن الكبرى - وهي مؤامرة خفية لم تنَل ما تستحقه من التغطية الإعلامية - حسمت منذ فترة طويلة موقفها القائل إن من الأفضل لها الاستغناء عن أي مصدر مستقل للأخبار والحقائق. فغياب "بي بي سي" سيعود بالفائدة على مصالحها الإعلامية وأجندتها الأيديولوجية على حد سواء، ولا سيما على الإنترنت حيث تمثل الشبكة منافساً قوياً.
وهذا الموقف ليس جديداً، بل يمتد عبر عقود طويلة. فقبل نحو قرن من الزمن، قال رئيس الوزراء البريطاني السابق ونستون تشرتشل بغضب للورد ريث [أول مدير عام لـ "بي بي سي"]، إن تغطية الشبكة للإضراب الذي نظم عام 1926، كانت متحيزة، وأضاف: "ليس من حقك أن تقف على الحياد بين الحريق وفرق الإطفاء".
وكانت هناك دائماً نزاعات، بعضها دامٍ، وأخرى أخطاء فادحة. ومع ذلك، لم يكُن وجود "بي بي سي" موضع شك جدي على الإطلاق. أما اليوم، فأصبح وجودها مهدداً، وقد يجري إغلاقها نهائياً.
لم يسبق في الواقع لأي حزب سياسي بريطاني أن دعا صراحة إلى القضاء على "بي بي سي"، لكن نايجل فاراج يقود اليوم حزباً يمتلك فرصة حقيقية للفوز بالسلطة في الانتخابات العامة المقبلة في بريطانيا، وهو يسعى تحديداً إلى تحقيق هذا الهدف. وإن العداء المكشوف لمؤسسة "بي بي سي" واضح وملموس، ويبدو كأنه رد فعل انتقامي على الطريقة التي غطت بها الشبكة استفتاء بريطانيا على عضوية الاتحاد الأوروبي قبل عقد من الزمن، وما عقب ذلك من تداعيات قاسية لخروج المملكة المتحدة من الكتلة الأوروبية.
فاراج الرجل الذي تحركه روح الانتقام، لن يسامحهم على ذلك أبداً، إذ اتسعت قائمة شكاواه لتشمل قضايا مثل "التنوع والإنصاف والشمول" DEI وغيرها من المسائل ذات الصلة. وهو ليس وحيداً في أهدافه الانتقامية، إذ لم يكَد يمضي وقت طويل على تعيين بوريس جونسون رئيس الوزراء السابق نادين دوريس وزيرة للثقافة، حتى تعهدت بأن يكون ميثاق "بي بي سي" [عقد ينظم عمل الهيئة] المقرر تجديده عام 2027، هو "الأخير".
لا ريب في ذلك. ففي ظل حكومة من حزب "ريفورم" بقيادة فاراج - أو كما هو متوقع - حكومة من حزب المحافظين برئاسة شخصية من أمثال كيمي بادينوك - سيختفي كل شيء. ولن تكون هناك بعد الآن برامج مثل "الخونة المشاهير" Celebrity Traitors و"غافن وستيسي" Gavin and Stacey، ولا أفلام وثائقية بارزة عن الحياة البرية، أو موسيقى كلاسيكية راقية على "راديو 3"، وحلقات "إيست إندرز" EastEnders المثيرة، ولن يكون هناك أيضاً مزيد من "راديو كينت" الذي يحاسب مجلساً محلياً يتولاه حزب "ريفورم"، ولا "بي بي سي اسكتلندا"، ولا "الخدمة العالمية"، أو البرنامج الكوميدي "هذا البلد" This Country، وبرنامج الرقص "ستريكتلي" Strictly، ولا "القناة الأخبارية"، و"سي بيبيز" CBeebies، و"والاس وغروميت" Wallace and Gromit، والموقع الإلكتروني الشامل، ولا مراسلون دوليون، ولا برامج مثل "نيوز نايت" Newsnight و"بانوراما" Panorama و"وقت الأسئلة" Question Time و"مباراة اليوم" Match of the Day، ولا موقع التعليم "بي بي سي بايتسايز" BBC Bitesize، ومسلسلات مثل "الحارس الشخصي" The Bodyguard و"خط الواجب" Line of Duty و"بلو بيتر" Blue Peter و"دكتور هو" Doctor Who.
بعدما عملتُ لأعوام عدة موظفاً مبتدئاً في شبكة "بي بي سي"، وعملتُ جنباً إلى جنب مع بعض أبرز الشخصيات الإخبارية الراهنة، أستطيع أن أقول إن صحافيي هذه المؤسسة الإعلامية باتوا يخشون بشدة ارتكاب الأخطاء، ويلتزمون إرشادات المنتجين كما لو كانت نصوصاً منزلة. ومن المهم جداً الإشارة إلى أن حلقة "بانوراما" المثيرة للجدل أنتجتها شركة مستقلة، هي "أكتوبر فيلمز" October Films (تماماً كما الفيلم الوثائقي المثير للجدل الذي تناول حياة طفل في غزة).
مع ذلك، لم تلجأ "بي بي سي" قط إلى التعاقد مع مصادر خارجية لإنتاج أخبارها، وينبغي ألا تفعل الشيء نفسه مع الأفلام الوثائقية والبرامج الإخبارية. ويجب أن يكون كل محرر ومنتج وباحث وعضو في طاقم العمل، متشبعاً تماماً بقيم هذه المؤسسة، مما يصعب تحقيقه من دون إشراف مباشر.
كل ما يحتاج إليه الأمر لإنهاء "بي بي سي" هو أن يحصل حزب "ريفورم" أو حزب المحافظين على غالبية في البرلمان، يتبعها تخفيض تدريجي لتمويل الرخصة السنوية وتقليص خدماتها التلفزيونية والإذاعية والرقمية. ومن منظور نايجل فاراج، سيكون السيناريو الأمثل هو إلغاء الميثاق الملكي المقرر تجديده عام 2027، لكن حتى من دون كل ذلك، ستغلق المؤسسة نهائياً.
وسيكون الأمر بمثابة كارثة وطنية. ففي بريطانيا هناك كثير من الأمور التي يمكن وصفها بأنها "معطلة"، لكن "بي بي سي" ليست من بينها.
وفي الحقيقة، تعد "بي بي سي" مؤسسة مهنية رفيعة المستوى تعمل بكفاءة عالية. وهي من بين القلائل من مؤسساتنا التي تحظى بالاعتراف والاحترام على المستوى العالمي، فضلاً عن أنها تولد عوائد مالية كبيرة للبلاد وتسهم في تعزيز قوتها الناعمة. وهي تحظى بثقة الجمهور، بغض النظر عما يقوله فاراج. أما منتقدوها، مثل قناة "جي بي نيوز" GB News (التي تنبغي تسميتها "ريفورم تي في")، فهم منحازون بصورة واضحة وغير متوازنة. في حين أن ترمب الذي تبدو علاقته بالواقع متوترة، يهدد برفع دعوى قضائية لإزالتها من الوجود.
مع ذلك، فإن "بي بي سي" مهددة بالزوال لأن فاراج وبوريس جونسون وصحيفة "ديلي تلغراف" مستاؤون منها. ومن الممكن أن يهدد ترمب بمقاضاتها ومحوها من الوجود. وربما تتحول في المستقبل إلى خدمة اشتراك مصغرة، ضعيفة التمويل، وربما غير قابلة للاستمرار، تكافح من أجل البقاء. وعندما تختفي هذه الشبكة ستظل لدينا مؤسسات إخبارية ورياضية أخرى، وشركات ترفيهية تنتج محتوى، تماماً كما نفعل الآن. لكن لن يستطيع أي منها محاكاة جودة "بي بي سي"، أو تنوع إنتاجها وعمقه، أو هويتها البريطانية. ولن يكون سوى القليل منها متاحاً للبث المجاني.
كانت "بي بي سي" جزءاً لا يتجزأ من نسيج حياتنا الوطنية، وغرست ثقافتها ولغتها في المجتمع. فكثيراً ما نصف الأشخاص الذين نقابلهم بأنهم يشبهون شخصيات مثل "ديل بوي" أو "آلان بارتريدج" أو "ديفيد برينت"، أو نقول إن لديهم "مواقف ألف غارنت"، وهي كلها شخصيات شهيرة من برامج "بي بي سي".
ما زلنا نستخدم عبارات من برامجها في حياتنا اليومية مثل "كل النغمات الصحيحة، لكن ليس بالترتيب الصحيح"، أو نصف سياسات الحكومة بأنها "فوضى عارمة" (omnishambles) — وهي كلها تعبيرات أصبحت جزءاً من الثقافة البريطانية بفضل "بي بي سي".
إن التخلي عن ذلك الإرث الثمين برمته، وجميع تلك الإمكانات الهائلة، لمجرد إرضاء ترمب وأصدقائه في المملكة المتحدة، لهو أمر سخيف للغاية - وأشبه بما يمكن وصفه بـ "بيثوني" الطابع [نسبة إلى فرقة "مونتي بايثون" المضحكة بصورة عبثية] أو كأنه مشهد من المسلسل الساخر "ذا ثيك أوف إت" The Thick of It.
إن خسارة "بي بي سي" ستكون أمراً محزناً للغاية وجنونياً، ويجب أن تمنع بأية طريقة.
© The Independent