Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المتراؤون... أصحاب البصر الحاد في مهمة رصد "دينية"

تستدعيهم الجهات الفلكية والشرعية بالدول الإسلامية لتحري أهلة الشهور الهجرية ويتعاظم دورهم في رؤية رمضان وشوال وذي الحجة

هؤلاء هم "المترائون"، أصحاب مهارة تمزج بين الموهبة الفطرية والمسؤولية الشرعية والاستعانة بالمعرفة الفلكية الحديثة (أ ف ب)

بينما يترقب الملايين حول العالم شاشات التلفاز انتظاراً لإعلان دخول شهر رمضان من كل عام، يقف عشرات المترائين ومئات المهتمين بالفلك في قمم الجبال وصحاري السعودية، يحدقون في الأفق قبيل غروب الشمس بدقائق.

هناك، في اللحظة التي ينحسر فيها الضوء الأخير، تبدأ مهمة دقيقة تحدد ملامح موسم ديني بأكمله، وهي عملية تحري الهلال وفق التقويم الهجري القمري، وتتم بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين من الشهر، فإذا ثبتت الرؤية أُعلن دخول الشهر الجديد، وإن لم تثبت أُتم الشهر ثلاثين يوماً.

مهارة تتوارثها الأجيال

هؤلاء هم "المترائون"، أصحاب مهارة تمزج بين الموهبة الفطرية والمسؤولية الشرعية والاستعانة بالمعرفة الفلكية الحديثة. يعتمد بعضهم على العين المجردة، ويستخدم آخرون المناظير، فيما يستأنس عدد منهم بالبيانات الفلكية لتحديد أفضل مواقع الرصد وأوقاته.

وتشتهر مناطق في السعودية مثل سدير وتمير بوراثة هذه المهارة جيلاً بعد جيل، حيث برزت أسماء عُرفت بدقة الرصد، من بينهم الرائي متعب البرغش، الذي تنتمي عائلته إلى إرث يتجاوز مئة عام في الترائي بمرصد تمير، وكذلك الخبير عبدالله الخضيري في مرصد سدير.

وفي السياق، لفت المترائي متعب البرغش، إلى أن الترائي مدعوم بشهادة خبراء الفلك العالميين، وقال متعب البرغش، عبر "قناة العربية" أن" الرؤية في السعودية دقيقة ومدعومة بشهادة خبراء الفلك العالميين".

منظومة قضائية دقيقة

ولا يعمل المترائي منفرداً، بل ضمن منظومة قضائية تشرف عليها المحكمة العليا، ووفق الأنظمة المعتمدة في السعودية، تضم لجنة الترائي في كل منطقة مندوباً من إمارة المنطقة، وأحد طلبة العلم، ومندوباً من مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، إضافة إلى المترائين أنفسهم.

وتخضع هذه المهنة لضوابط صارمة، منها المعيار الطبي لفحص حدة النظر، إذ يخضع المترائي لاختبارات وتجربة طويلة قبل اعتماد شهادته رسمياً، ثم تُعرض أوراقه على اللجنة الإشرافية الدائمة في وزارة العدل.

وبعد رصد الهلال، يسجل المترائي شهادته لدى القاضي في الموقع، لتُرفع فوراً إلى المحكمة العليا في الرياض، التي تتخذ القرار النهائي بشأن دخول الشهر.

بين النص الشرعي والحساب الفلكي

ويستند الترائي إلى أصل شرعي مستقر في الفقه الإسلامي، إذ جاء في الحديث النبوي "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"، ما جعل الرؤية البصرية أساساً لإثبات دخول الشهر القمري.

غير أن التطور العلمي أضاف بعداً تفسيرياً، فالحسابات الفلكية باتت قادرة على تحديد لحظة الاقتران بدقة، لكنها لا تعني بالضرورة إمكانية رؤية الهلال بالعين المجردة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويؤكد مختصون أن إمكانية الرؤية تتأثر بعوامل عدة، منها عمر الهلال، وارتفاعه عن الأفق، وبعده الزاوي عن الشمس، وصفاء الغلاف الجوي. فقد يكون الهلال موجوداً فلكياً، لكنه غير قابل للرؤية بصرياً، وهو ما يفسر أحياناً عدم ثبوت الرؤية على رغم دقة الحسابات.

تطور تقني يعزز الشفافية

وفي السنوات الأخيرة، طورت السعودية آلية الترائي عبر ربط المراصد المعتمدة بالبث المرئي المباشر مع المحكمة العليا أثناء انعقاد جلسة التحري، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية وتوثيق الشهادات ميدانياً. كما تُستخدم في بعض المواقع أجهزة تلسكوب متقدمة وكاميرات رقمية عالية الحساسية لدعم الرؤية البصرية التقليدية.

وتشارك في عمليات الترائي أكثر من 15 موقعاً رسمياً موزعة على مناطق مختلفة من السعودية، لضمان تغطية جغرافية واسعة وتحقيق أكبر قدر من الدقة.

اختلاف الممارسات بين الدول

وبينما تعتمد السعودية وعدد من الدول الإسلامية على الرؤية البصرية المدعومة بالحسابات الفلكية، تتجه بعض الدول الأخرى إلى الاكتفاء بالحساب الفلكي المسبق في تحديد بدايات الأشهر، وهو ما يؤدي أحياناً إلى اختلاف في إعلان دخول رمضان أو العيد بين بلد وآخر، ويعكس ذلك تباين المدارس الفقهية في التعامل مع العلاقة بين النص الشرعي والتطور العلمي.

تاريخ طويل من العلاقة مع السماء

وتضم المملكة عدداً من المراصد الفلكية في سدير وتمير والرياض والمدينة والقصيم وغيرها. ووفق بيانات تاريخية، أُنشئ أول مرصد فلكي في مكة المكرمة عام 1948 على جبل أبي قبيس في عهد الملك عبد العزيز، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى برج الساعة.

وقبل ظهور وسائل الإعلام، كان القاضي يصعد الجبل لتحري الهلال، فإذا ثبتت الرؤية أشار بقطعة قماش ليراها الحراس في القلاع، فتُطلق المدافع إعلاناً لدخول الشهر، في مشهد يختصر علاقة قديمة بين الإنسان والسماء.

واليوم، وبينما تُعلن البيانات الرسمية عبر الشاشات والمنصات الرقمية، تبقى اللحظة الأولى للرصد هناك في الأفق، حيث يقف المترائي بصمت، ينتظر خيط الضوء الرفيع الذي يعلن بداية زمن جديد

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات