Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تراجع سمعة "بي بي سي"... مسؤولية يتحملها بوريس جونسون

ما بدأ كخطأ تحريري تحول إلى أزمة مكتملة الأركان داخل الهيئة، أزمة تحمل بصمات رئيس الوزراء الأسبق في كل تفاصيلها... الذي لا يخفي اليوم سعادته في استغلالها إلى أبعد حد

يقول مؤيدو "بي بي سي" إن ما حدث لا يقل عن كونه انقلاباً نفذه أعداء الهيئة للتخلص من مؤسسة ممولة من أموال دافعي الضرائب، بدعوى أنها تميل مؤسسياً نحو اليسار (غيتي)

ملخص

سببت حلقة مجتزأة من برنامج "بانوراما" في زلزال داخل "بي بي سي" انتهى باستقالة قيادتها، بعدما استغلّ بوريس جونسون وحلفاؤه الخطأ لتكثيف هجومهم القديم على الهيئة واتهامها بالانحياز لليسار، في حين تكشف الصلات بين شخصيات مقرّبة منه ومن قناة "جي بي نيوز" شبهة تدخل سياسي ممنهج في مستقبل المؤسسة الإعلامية الأهم في بريطانيا.

قبل أسبوعين فقط، كانت هيئة الإذاعة البريطانية في أوج مجدها. ففي حفلة جوائز نادي الصحافة في لندن، فاز جيريمي بوين بجائزة "مذيع العام"، وحصد كريس مايسون جائزة "الصحافي السياسي الأبرز للعام"، فيما نالت سو ميتشل من وحدة التحقيقات في الهيئة "جائزة هيو كادلب للصحافة المدافعة عن القضايا العامة" عن تحقيقها الذي كشف عن عصابة تستخدم وصايا مزيفة لسرقة ممتلكات من تركات المتوفين.

بالمجمل، كان ذلك انتصاراً مدوياً لقسم الأخبار في "بي بي سي"، لا سيما عندما صعد بوين إلى المسرح فوقف الحضور بأكمله يصفق له بحرارة، ومن بين المصفقين صحافيون من "ذا صن" و"ذا تلغراف" و"ذا تايمز" و"ديلي ميل" و"جي بي نيوز".

نال بوين إشادة خاصة بتغطيته للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، ولم يبد أحد أدنى انتقاد له أو لمايسون أو لميتشل أو للهيئة نفسها.

لكن ها نحن اليوم، وقد قدم المدير العام تيم ديفي ورئيسة الأخبار ديبورا تيرنس استقالتيهما.

أما اليمين البريطاني فيعيش حالة من النشوة، وعلى رأس المحتفلين بوريس جونسون، الذي يقود منذ أن كان في السلطة حملة ضد "بي بي سي"، متهماً الهيئة بانتهاج خط منحاز على الدوام ضد اليمين.


عندما جرى دمج مقاطع من خطاب دونالد ترمب لتبدو وكأنه حث متظاهري الكابيتول على القتال، بينما لم يفعل ذلك في الواقع، فلا شك أن برنامج "بانوراما" ارتكب خطأ فادحاً.

وليس "بانوراما" مجرد برنامج إخباري عادي، بل هو البرنامج الأبرز في القناة، كما أن ترمب ليس هدفاً عادياً، إذ لم يكن بوسعهم اختيار شخص أسوأ منه من حيث حجم رد الفعل المتوقع بعد انكشاف الخطأ، حتى لو حاولوا ذلك عن عمد.

مقطع ترمب كان جزءاً من تقرير أعده مايكل بريسكت، الذي شغل سابقاً منصب المستشار الخارجي المستقل للجنة إرشادات ومعايير التحرير في "بي بي سي". وكان واحداً من 19 مثالاً استخدمت لتسليط الضوء على التحيز، من بينها تغطية الجدل حول المتحولين جنسياً، وتغطية "بي بي سي" عربية للأحداث في غزة. لكن حلقة "بانوراما" كانت محور القضية، وهي التي أشعلت سلسلة الأحداث التي أدت إلى استقالة ديفي وأدخلت السرور إلى أروقة البيت الأبيض.

يقول مؤيدو "بي بي سي": "إنها مؤامرة. ما حدث لا يقل عن كونه انقلاباً نفذه أعداء الهيئة للتخلص من مؤسسة ممولة من أموال دافعي الضرائب، بدعوى أنها تميل مؤسسياً نحو اليسار".

وبغض النظر عن المفارقة في أن جونسون غاضب اليوم بسبب الأخطاء والمغالطات، إلا أنه يملك وجهاً من الحقيقة حين يقول: "علمت بتقرير مايكل بريسكت للمرة الأولى عندما قرأته على موقع ’ذا تلغراف’، فبركة برنامج ’بانوراما’ فضيحة بكل المقاييس. لماذا لا تحاولون معرفة كيف ولماذا حدث ذلك، بدل اختلاق مزيد من ترهات اليسار المجنون؟".

غير أن هذا الجانب، أي كيفية إنتاج البرنامج وآليات المراجعة التي خضعت لها الحلقة أو غيابها، ضاع وسط العاصفة الجارية. وكذلك غيب عن النقاش الحجم الهائل لإنتاج "بي بي سي" والإعجاب الكبير الذي تثيره صحافتها عموماً.

وغاب أيضاً، بالمقابل، كيفية تعيين بريسكت نفسه. فكيف تمكن شخص واحد من أن يصدر حكماً بهذا الحسم؟ لم يكن يعمل ضمن فريق، ولا يترأس لجنة. وقد سبق أن عينته حكومة جونسون ليجري المقابلات بصفته عضواً مستقلاً من خارج المؤسسة في عملية اختيار الرئيس المقبل لهيئة "أوفكوم" Ofcom، الجهة الرقابية على وسائل الإعلام في المملكة المتحدة.

كان منصب رئيس "أوفكوم" في نظر جونسون وزملائه، بالغ الأهمية بقدر إدارة "بي بي سي" نفسها، إذ كانوا يرغبون في أن يتولاه بول داكر، رئيس تحرير صحيفة "ديلي ميل" السابق.

وقد وجهت إلى بريسكت اتهامات بتضارب المصالح، لكن متحدثاً باسم الحكومة قال نيابة عنه: "إن عملية اختيار رئيس ’أوفكوم’ نزيهة وشفافة، ولا وجود لأي تضارب في المصالح. وقد وافق المفوض المستقل لشؤون التعيينات العامة على دور السيد بريسكت في لجنة الاختيار".

كان ذلك في عام 2021. أما الآن، فقد عاد اسم بريسكت للظهور مجدداً، وهذه المرة على صلة بـ«بي بي سي». فبريسكت صديق لسير روبي غيب، المستشار الإعلامي السابق لتيريزا ماي وأحد مؤسسي قناة «جي بي نيوز» لاحقاً. ويعد غيب أحد خمسة أعضاء في مجلس إدارة "بي بي سي" عينتهم الحكومة، وقد اختير لهذا المنصب من حكومة جونسون.

كان ذلك في عام 2021، واليوم يعود اسم مايكل بريسكت للواجهة مجدداً، لكن هذه المرة في سياق يتعلق بـ"بي بي سي". فبريسكت تربطه صداقة بسير روبي غيب، المستشار الإعلامي السابق لتيريزا ماي، وأحد مؤسسي قناة "جي بي نيوز" [اليمينية] لاحقاً. ويشغل غيب حالياً عضوية مجلس إدارة "بي بي سي" ضمن خمسة أعضاء عينتهم الحكومة، بعدما اختارته حكومة جونسون تحديداً لهذا المنصب.

وسبق أن وجهت إلى غيب اتهامات بمحاولة منع تعيين جس برامار، المديرة التنفيذية السابقة لموقع "هافينغتون بوست" في المملكة المتحدة ونائبة رئيس تحرير برنامج "نيوزنايت"، في منصب الإشراف على قنوات الأخبار التابعة للهيئة. وعندما طرح منصب "المستشار الخارجي"، يقال إن غيب كان من أبرز الداعمين لتكليف "بريسكت" به، وكان أحد أعضاء لجنة مؤلفة من أربعة أشخاص تولت إجراء مقابلات الاختيار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من جانبها، أكدت "بي بي سي" أن "[مناصب المستشارين التحريريين] أعلنت خارجياً في إطار عملية تنافسية عادلة وشفافة، وأن مايكل بريسكت خضع لمقابلة أمام لجنة من أعضاء مجلس الإدارة اتخذت قرار التعيين بصورة جماعية".

في تقريره حول أداء "بي بي سي"، يقول بريسكت: "لم أكن يوماً عضواً في أي حزب سياسي، ولا أتبنى آراء ثابتة في شأن قضايا مثل السياسة الأميركية أو النزاعات في الشرق الأوسط. وملاحظاتي حول طريقة تناول ’بي بي سي’ للمواضيع الواردة أدناه لا تنطلق من أي أجندة سياسية".

ومع ذلك، من الصعب - في ظل تاريخ العداء بين جونسون و "بي بي سي"، وتورط غيب، وتفضيل بريسكت مرتين لتولي مناصب مؤثرة، وما تلا ذلك من أحداث - تجنب الاستنتاج بأن هناك سعياً منظماً إلى التخلص من قيادة "بي بي سي"، على النحو الذي أراده جونسون وحلفاؤه، وقد نجح هذا المسعى بالفعل. أما جونسون فيصر على أن هذا "هراء تام ومطلق"، مؤكداً أنه لم يتحدث مع غيب أو بريسكت، ولم يتواصل مع أي منهما منذ سنوات.

قد يكون هذا صحيحاً، لكن رائحة المؤامرة تفوح بقوة.

نال جونسون وترمب وآخرون جائزتهم، فبعض ما جرى في قضية برنامج "بانوراما" قد يبرر، من زاوية ما، استقالة ديبورا تيرنس. لكن ماذا عن ديفي؟

لنتذكر أن هناك سياسياً بريطانياً قال ذات مرة إن ترمب "غير مؤهل تماماً لتولي منصب رئيس الولايات المتحدة"، كان اسمه بوريس جونسون.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل