ملخص
بانطلاق موسم جني وعصر الزيتون في المغرب، توالت تحذيرات خبراء وفاعلين في مجال حماية حقوق المستهلكين بشأن تنامي حالات الاحتيال والغش في زيت الزيتون التي تباع وتروج في عديد من الأسواق المحلية والوطنية، وفي أماكن بيع خارج القنوات القانونية أيضاً.
أعاد انطلاق موسم جني الزيتون في المغرب، الذي يبدأ عادة في نوفمبر (تشرين الثاني) من كل عام ويمتد إلى يناير (كانون الثاني)، إلى الواجهة هاجس الاحتيال الغذائي الذي يستهدف المغاربة في جيوبهم وصحتهم، حيث تروج في الأسواق العشوائية كميات كبيرة لزيت الزيتون مغشوشاً.
وليس زيت الزيتون وحده الذي يتعرض لعمليات الاحتيال والغش في المغرب، بل هناك أيضاً مواد غذائية رئيسة أخرى، من قبيل الحليب والعسل والقهوة وحتى الأسماك وغيرها، تدخل إلى بيوت المواطنين في غفلة من أعين السلطات الصحية التي ما فتئت تشن حرباً ضروساً على هذه الآفة المجتمعية الخطرة.
وكانت دراسة دولية حول مؤشر الاحتيال الغذائي في العالم لسنة 2025، وضعت المغرب في المركز الـ52 عالمياً، وضمن خانة الدول "ذات الأخطار المتوسطة" على مستوى الاحتيال الغذائي.
طرق الاحتيال والغش
بانطلاق موسم جني وعصر الزيتون في المغرب، توالت تحذيرات خبراء وفاعلين في مجال حماية حقوق المستهلكين بشأن تنامي حالات الاحتيال والغش في زيت الزيتون الذي يباع ويروج له في عديد من الأسواق المحلية والوطنية، وفي أماكن بيع خارج القنوات القانونية أيضاً.
عبدالقادر برضاوي وهو تاجر محترف في بيع زيت الزيتون، يقول إن طرق الاحتيال الغذائي في الاتجار بزيت الزيتون المغربي المعروف بجودته، كثيرة ومختلفة لكن أبرزها إضافة مواد كيماوية يسميها أهل الميدان بـ"الكينة" أي الأقراص التي تضاف إلى قنينة ممتلئة بزيت المائدة (زيت الأكل) أو حتى بالماء، ليعطي الخليط سائلاً نفاذاً يشبه إلى حد كبير زيت الزيتون البكر ذات اللون الأخضر الشفاف.
يضيف التاجر أن من طرق الاحتيال الأخرى المعروفة، طحن أوراق الزيتون وخلطها جيداً مع زيت الطبخ، ممزوجة بملونات تمنح نكهة زيت الزيتون ولونها المعروف، أو مزجها بزيوت نباتية رخيصة الثمن للحصول على كميات وأرباح أكبر، فضلاً عن بيع زيت زيتون تكون فاسدة عبر طرق احتيالية على أنها جديدة.
ويطاول الاحتيال أيضاً مواد رئيسة على موائد المغاربة، من بينها الحليب الذي، وفق العارفين بهذه الأساليب، تتم زيادة كميات الماء فيه ليكون أكثر حجماً ووفرة بغية تحقيق إرباك أكثر، أو إزالة الزبدة وتعويضها بمواد كيماوية، أو إضافة مواد حافظة لحماية الحليب من الفساد رغم مرور الأيام.
هذا الاحتيال لا ينحصر فقط على زيت الزيتون والحليب، بل تمتد أصابعه إلى العسل الذي على رغم حلاوته يتعرض لوابل من ممارسات الغش والتدليس، حيث يشتري الكثر عسلاً مغشوشاً بأثمان مرتفعة على أنه عسل حر ذو جودة.
ومن أكثر طرق الاحتيال شيوعاً في بيع العسل، وفق متخصصي تجارة العسل بالمغرب، "الدغموس" وهو عسل مغربي نادر يتم استخراجه من رحيق نبات الدغموس، عبر الاستعانة بعسل مستورد أو عسل مصنع يتم خلطه بمواد تمنحه مذاق العسل الحر الذي يتميز به "الدغموس".
أسباب الاحتيال الغذائي
تنامي حالات الاحتيال الغذائي من خلال استعمال أساليب الغش والتدليس في بيع وترويج المواد الغذائية، يعزوه الباحث في الاقتصاد الاجتماعي محمد مجدولين، إلى أسباب عديدة أولها الرغبة في الربح السريع من خلال التقليص من كلف الإنتاج.
ويضرب مجدولين المثال بمواد مهمة تشكل جزءاً لا يتجزأ من موائد المغاربة، من قبيل زيت الزيتون التي يفطرون بها كل صباح أو العسل أو الحليب الذي يعد مادة يومية لدى غالب الأسر، إذ إن إضافة مواد رخيصة ومزجها بطريقة احتيالية، لتعطي كميات وافرة من الحليب أو العسل أو زيت الزيتون، يقلص كلف العمل والجهد والإنتاج، كما يفرز كميات أكبر، ومن ثم يمنح هوامس أعلى للربح المالي.
وأكمل المتحدث ذاته بأن هناك عاملاً آخر يفسر تنامي هذه الممارسات الاحتيالية، يتمثل في ضعف الضمير المهني والتجاري، وقلة الوازع المجتمعي والوطني إن صح التعبير، باعتبار أن المحتال في بيع مواد غذائية مزورة أو مغشوشة يكون قد ضرب في الصميم روابطه الاجتماعية مع بني جلدته في نفس المجتمع، وقد يتأذى منها أفراد أسرته من حيث لا يشعر.
وأردف الباحث عينه أن "هناك عاملاً آخر لا يقل أهمية عن سابقيه، هو ضعف الوعي القانوني للتجار المحتالين، إذ لا يدركون مدى خطورة عواقب أفعالهم المرفوضة قانوناً وشرعاً"، متابعاً أن "هناك أيضاً مسؤولية ملقاة على المستهلك الذي يتعين عليه أن يجتهد في معرفة الغث من السمين ويفرق المنتج الأصلي من المغشوش، كما أنه عليه أن يلجأ إلى السلطات المعنية للتبليغ ضد المحتالين ومدلسي المواد والمنتجات الغذائية".
فوضى الأسواق
من جانبه أفاد رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، بوعزة خراطي، أن المغرب يعرف أنواعاً مختلفة من الحيل لبيع منتج مغشوش إلى المستهلك، ومن أكثر المواد الغذائية غشاً مادة العسل والحليب وزيت الزيتون، موضحاً أن كل واحدة لها فترة ذروة مرتبطة بالكميات المعروضة في السوق، وكلما سجل نقص في التموين ارتفعت حالات الغش.
ولفت الخراطي إلى أن "الغش الغذائي قد لا تنتج منه أخطار صحية عندما يتم مزج زيت الزيتون بزيت المائدة العادي، فهذا يسمى غشاً اقتصادياً، أي يمس بصفة مباشرة بالحقوق الاقتصادية للمستهلك، لكن إذا تم المزج بمواد كيماوية أو مواد مضرة للصحة، فإن الغش يكون مادياً ويخلف تداعيات خطرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واستدل رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك بالاحتيال القائم على مزج الحليب بالماء غير الصالح للشرب، إذ إن تناوله قد يفضي إلى آثار صحية خطرة على الجهاز الهضمي للمستهلك، الشيء الذي يجب في مثل هذه الحالات تقديم شكايات إلى النيابة العامة للبت في هذه الملفات.
وذهب الخراطي إلى أن "الأسواق في المغرب تتسم بكثير من الفوضى الناجمة عن تضارب وتداخل في مسارات وصول المنتج الغذائي إلى موائد المستهلكين، مما يعوق نجاعة وسلاسة المراقبة والمتابعة من طرف السلطات الوصية".
وأشار المتحدث إلى أن الآليات المتوافرة حالياً، والتابعة للمؤسسات الحكومية، تنحصر في المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، الذي يتركز عمله في "مراقبة الحدود والوحدات الإنتاجية، أما نقط البيع فهي خارج نطاق عمل هذه المؤسسة الحكومية".
وتقول الحكومة المغربية إنها تقوم من خلال المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، بجهود حثيثة لمراقبة الأسواق المختلفة لرصد أية مواد غذائية مغشوشة، كما أنها أرست ترسانة قوانين لمواجهة هذا الاحتيال الغذائي، ومن ذلك ما يورده القانون "بمعاقبة كل من عرض أو قدم في السوق الداخلية أو استورد أو صدر أي منتج غذائي يشكل خطراً على حياة أو صحة الإنسان أو الحيوان، بالسجن من شهرين إلى ستة أشهر وغرامة مالية".