Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"تشات جي بي تي" ليس صديقنا كي نخبره أعمق مشاكلنا 

كشف بحث جديد عن أن مئات آلاف المستخدمين يظهرون "مؤشرات محتملة على حالات نفسية طارئة" في محادثاتهم وأن الملايين يفرطون في مشاركة تفاصيل حياتهم الخاصة. ومع ذلك، تبقى هناك حقيقة أساسية لا يمكن استبدالها: الحديث إلى إنسان لا يعادله شيء

لوغو شركة "أوبن أي آي" منعكساً على عين بشرية في استوديو باريسي، بتاريخ 6 يونيو 2023 (أ ف ب)

ملخص

الانفتاح المفرط على "تشات جي بي تي" يحول الذكاء الاصطناعي إلى مستمع زائف لعواطف البشر، إذ يفتقر إلى الفهم الإنساني رغم إتقانه اللغة، فيما يتعامل معه الملايين كصديق قادر على الإصغاء. ومع أن كلماته تبدو مطمئنة، فإنه يظل أداة بلا وعي، تغذي تفاعل المستخدمين وتخدم غايات تجارية بحتة.

أورد المفكر النمسوي لودفيغ فيغنشتاين في كتابه "تحقيقات فلسفية" الصادر عام 1953: "لو استطاع الأسد أن يتكلم، لما استطعنا فهمه". وكان يمكنه بالقدر نفسه أن يقول إننا لو استطعنا التحدث مع نموذج لغوي ضخم، لما فهمناه أيضاً. وهو على حق: نحن لا نفهمه. ومع ذلك نواصل إجراء تلك المحادثات.

ليس واضحاً تماماً ما الذي كان فيغنشتاين يقصده تحديداً، فعبارته أقرب إلى استفزاز فكري بين استفزازات أخرى. لكني كثيراً ما فهمتها كتأمل في أن اللغة تقوم على شبكة كاملة من الخبرات التي لا بد  من أن نفهمها كي نفهم الكلام نفسه. وقبل فقرتين من جملته عن الأسد، يلاحظ فيغنشتاين أن البشر أنفسهم قد يكونون غامضين بالنسبة إلينا، حتى إن فهمنا كلماتهم.

وأضاف فيغنشتاين،"ندرك ذلك عندما نصل إلى بلد غريب بتقاليد غريبة تماماً، وحتى لو أتقنا لغته، فإننا لا نفهم أهله (وليس لأننا لا نعرف ما يقولونه لأنفسهم). إننا لا نجد موطئ قدم معهم".

 

وهذه هي المعضلة بالنسبة إلى النماذج اللغوية الكبرى مثل "تشات جي بي تي". فقد أتقنت لغتنا، لكنها تجهل تماماً تقاليدنا الغريبة. وهي لا تستطيع أن "تجد موطئ قدم" لأنها لا تملك أقداماً أصلاً، بل لا تعرف ما تعنيه كلمة "قدم" سوى أنها لفظ يأتي عادة في جملة مع ألفاظ أخرى.

ومع ذلك، لا يتوقف الناس عن محاولاتهم للسير في "نزهات فكرية عميقة" مع "تشات جي بي تي". وقد كشف عن حجم ذلك هذا الأسبوع، عندما أعلنت شركة "أوبن أي آي" المالكة لروبوت الدردشة أن 7 من كل 10 آلاف مستخدم للبرنامج في أسبوع واحد أظهروا "علامات محتملة على حالات نفسية طارئة مرتبطة بالذهان أو الهوس". وقد يبدو الرقم صغيراً، لكنه هائل بالنظر إلى أن عدد مستخدمي التطبيق يبلغ 800 مليون أسبوعياً، مما يعني أن تلك النسبة تضم مئات آلاف الأشخاص. وفوق ذلك، لا يشمل هذا الإحصاء الأشخاص الذين قد لا تكون مناقشاتهم حول صحتهم النفسية مقلقة بما يكفي لتفعيل الأنظمة التلقائية لدى "أوبن أي آي" لرصد علامات الضيق، لكنها تبقى مهمة ومؤثرة مع ذلك.

وتكمن المشكلة جزئياً في أن "تشات جي بي تي" موهوب لغوياً، لكنه في جوهره متملق عديم الإدراك؛ ولو كان شخصاً لسجل علامة قصوى في اختبار "معدل الذكاء" IQ، مع صفر من "معدل الذكاء العاطفي" EQ. ويعني ذلك أنه الشخص الأسوأ للتحدث إليه حول صحتك النفسية، ومع ذلك يسهل الانجذاب إليه والبوح له بالمشكلات. وسيقول كل العبارات الصحيحة، لكنه لن يعني أياً منها. ويمنحك إحساساً بأنك شاركت همك مع أحد، لكن المشاركة الحقيقية عملية متبادلة ونشطة من الطرفين، تتطلب وجود شخص يتلقى بقدر ما يعطي.

 

ويعرف كثرٌ منا هذه الحقيقة منطقياً؛ فمن الواضح، حين نفكر بالأمر، أنه لا يوجد شخص حقيقي على الطرف الآخر من المحادثة. ومع ذلك، يتقن البرنامج إيهامنا بوجود شخص هناك. وفي جوانب كثيرة، تبدو تلك التجربة أفضل من مشاركة همومك مع إنسان فعلي: فهو لا ينم أو يثرثر (حتى لو كانت محادثاتك قد تستخدم ضدك لاحقاً)، وتركيزه منصب عليك دائماً، وردوده لا تكون صعبة أو مزعجة. لكنه، في نهاية المطاف، ليس حقيقياً.

وكذلك يسهل نسيان تلك المحادثات. ويرجع ذلك إلى إنه على امتداد التاريخ، تملك الكلمات معنى لأنها صادرة عن شخص ما؛ فالمعنى كان يحتاج دائماً إلى من يمنحه وجوده. أما التحول الجوهري خلال العقود الأخيرة، ولا سيما في الأعوام الماضية، فتمثل في إنتاج لغة من دون أن يكون هناك من ينطق بها فعلاً. وقد ندرك ذلك عقلياً، ونعلم أنها مجرد "كلمات... كلمات... كلمات"، لكننا لا نشعر بأنها كذلك.

قد يكون السبب في ذلك جزئياً أن الإنترنت التي تتيح إخفاء الهوية أضعفت إلى حد كبير الصلة بين الكلمات ومن يكتبونها. فقد منحتنا هذه البيئة أشياء مذهلة، لكنها في الوقت نفسه قوضت الفكرة القائلة إن كل فكرة تحتاج إلى شخص يعبر عنها. وهي فكرة لم تصمد أمام ثقافة الغضب الزائف والتصريحات المتخفية وراء التلميح والسخرية التي تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي. وتظهر تطبيقات مثل "تشات جي بي تي" بالصورة نفسها التي تظهر فيها المحادثات مع موظفي خدمة العملاء أو معارف تطبيقات المواعدة، على رغم أن الطرف الآخر قد لا يكون موجوداً فعلاً.

 

ليست هذه المشكلة جديدة تماماً؛ فالبشر يتحدثون لمجرد الحديث منذ وجد ما يقال. فعندما يؤدي ممثل دور "هاملت" وينطق جملته الشهيرة "كلمات... كلمات... كلمات"، نشعر في الوقت نفسه بالتصديق والنقد معاً. وكما قال رائد الحوسبة آلان كاي في محاضرة حديثة أمام "الجمعية الملكية" البريطانية، فإن المسرح اعتمد دائماً على حقيقة أن الجزء السريع من أدمغتنا يتعامل مع الدراما كواقع، بينما يدرك الجزء الأبطأ أنها تمرين فني. وفي الواقع، فإن هذا الإدراك المزدوج هو جزء من متعة المسرح وجاذبيته.

لكن في المسرح نعرف من الذي يتحدث. لدينا إطار فكري كامل يتيح لنا فهم أن تلك الكلمات هي كلمات "هاملت"، وهي في الوقت نفسه كلمات شكسبير، والممثل، والمخرج أيضاً، لكنها ليست كلمات أي منهم حقاً، لأنها، بمعنى آخر مهم، لا تقول شيئاً عن العالم خارج حدود المسرحية. نحن بحاجة إلى إطار فكري دقيق ومشابه لفهم لعبة التحدث مع "تشات جي بي تي"، لكننا لم نطوره بعد، بينما يسير افتتاننا بهذه التكنولوجيا بسرعة تفوق كثيراً أية محاولة لفهمها أو التعامل النقدي معها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إن مساعدة شخص آخر في تحمل عبء عاطفي تعد من أكثر الأفعال إنسانية والتي يمكن أن نقوم بها معاً. ويكتب أوسكار وايلد في "من الأعماق" De Profundi في فقرة تستحق الاقتباس بصورة كاملة: "لو أن صديقي أقام مأدبة بعد أن أطلق سراحي ولم يدعني إليها، لما أزعجني ذلك أبداً. يمكنني أن أكون سعيداً تماماً بمفردي. فمع الحرية والزهور والكتب والقمر، من ذا الذي لا يكون سعيداً؟ ثم إن المآدب لم تعد لي بعد الآن، لقد أقمت ما يكفي منها لأتوقف عن الاهتمام بها. ولحسن الحظ، يمكنني القول إن ذلك الجانب من حياتي قد انتهى".

ويتابع: "لكن لو أن صديقي بعد أن أطلق سراحي أصابه حزن ورفض السماح لي بمشاركته، لشعرت بمرارة بالغة. ولو أغلق أبواب بيت الأحزان في وجهي، لعدت إليه مراراً أستأذنه الدخول، حتى أتمكن من المشاركة في ما يحق لي أن أشاركه فيه. ولو ظن أنني غير جدير بالبكاء معه أو غير مؤهل لذلك، لشعرت بأن ذلك أقسى أشكال الإهانة، وأفظع طريقة يمكن أن تلحق بها المذلة بي. لكن ذلك لا يمكن أن يكون، لأن لي حقاً في أن أشارك الحزن. فمن يستطيع أن يتأمل جمال العالم ويشاطر حزنه، ويدرك شيئاً من عظمة الاثنين معاً، يكون على تماس مباشر بما هو إلهي، وقد اقترب من سر الإله بقدر ما يمكن لإنسان أن يقترب".

أما "تشات جي بي تي" فلا يستطيع أن يبكي معنا. قد يطرق أبواب الحزن متوسلاً الدخول، واثقاً بأنه يملك حق المشاركة، لكن ذلك فقط لأن المعاناة النفسية والعاطفية من هذا النوع تبقي المستخدمين متفاعلين، مما يصب في مصلحة العمل التجاري في نهاية المطاف. إنه لا يشاركنا أحزاننا، بل يقف على أبعد مسافة ممكنة من سر الإله.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من علوم