ملخص
الفوضى الإعلامية الجديدة أنتجت استقطاباً حاداً، إذ يلجأ كل فريق إلى غرف الصدى الخاصة به، ليستمع فقط لمن يؤيدونه، مما مزق النسيج المشترك للرأي العام. وهكذا، بينما منحتنا الرقمنة سلطة لم نعهدها من قبل، فإنها في الوقت ذاته سلطت علينا مسؤولية التعامل مع هذه السلطة بحكمة.
قبل عقد من الزمن فقط، لم يكن يكتمل صباح كثرٍ من دون صحيفة يشترونها من كشك يقبع على مسافة خطوات من عملهم أو جامعتهم، أو تلك التي تصل إلى منزلهم بعد اشتراك شهري أو سنوي فيها، إذ كانت طقوس مطالعة الجريدة وارتشاف فنجان قهوة مقدسة، فأينما حضرت الجريدة خلقت عالماً وحالاً فريدة للإنسان مع نفسه والكلمات. وعند حلول المساء كانت العائلة تتسمر أمام ما كان يجمعها وهو التلفزيون لمشاهدة المسلسل الذي يتابعه الجميع في وقت محدد لا نقاش حوله، وهذه كانت الدورة الطبيعية للحياة التي خلقها ما سمي لاحقاً "الإعلام التقليدي".
لكن الزمن تغير فجأة، فاستيقظت هذه القلاع التقليدية لتجد نفسها على شفا انهيار مالي ووجودي، بينما كانت الجماهير تنتقل بكبسة زر إلى عالم رقمي لا يحده مكان ولا زمان. فهذا التحول لم يكن مجرد تغيير في الوسيط، من الورق إلى الشاشة، بل زلزالاً هز أركان الصناعة بأكملها، إذ خلقت هذه النقلة أزمة مالية طاحنة في المؤسسات الإعلامية العتيقة، ولكنها في اللحظة ذاتها فتحت أبواباً لفرص وصناعات رقمية أكثر ابتكاراً وحيوية من أي وقت مضى.
فكيف انهارت هذه القلاع؟ وأية عوالم جديدة ولدت من رحم أنقاضها؟ وكيف غيّر هذا التحول ليس فقط طريقة استهلاكنا للمحتوى، بل أيضاً وعينا الجمعي وذوقنا الفني وسلطتنا السياسية؟
تراجع ملحوظ
يعتبر مفهوم وسائل الإعلام شاملاً ويستخدم للإشارة إلى مجموعة من تقنيات الإعلام مثل الأفلام والتلفزيون والراديو والفيديو والموسيقى وغيرها، وفي إطار هذا المفهوم أصبح لدينا ما يسمى "الإعلام التقليدي" و"الإعلام الرقمي"، إذ يشير الإعلام التقليدي إلى تقنيات الإعلام التي ظهرت منذ ما يقارب نصف قرن، وهي الصحف والمجلات والراديو واللوحات الإعلانية وجميع الإعلانات المطبوعة، أما الإعلام الرقمي فيشير إلى تقنيات الإعلام بعد عصر الإنترنت ويشمل جميع المحتويات المرمزة، وتشمل هذه الوسائط المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي وإعلانات الإنترنت والمدونات ومقاطع الفيديو والبودكاست، وكل ما يبث في صيغة إعلام رقمي.
وعلى مدى الأعوام الـ20 الماضية شهد قطاع الصحف تراجعاً ملحوظاً، فانخفضت جميع مصادر الدخل تقريباً انخفاضاً حاد، فمن مبيعات أكشاك الصحف والاشتراكات إلى الإعلانات المبوبة والتجزئة، مما أدى إلى عمليات إعادة هيكلة مفلسة لعدد من الصحف البارزة. وعليه قامت صحف مثل "واشنطن بوست" و"نيويورك تايمز" و"وول ستريت جورنال" بتسريح مئات الصحافيين والموظفين عام 2009 في محاولة لخفض الكلف، ولكن حتى هذه الجهود لم تكن كافية لاستعادة الأرباح. وقبل أن يصبح التلفزيون مصدراً منتظماً للأخبار، كانت الصحف تتمتع بميزة عدم استبعاد الأخبار، فبينما لم يكن بإمكان أية صحيفة منع منافستها من نشر خبر عاجل بعد نشره، كان تأخر يوم واحد كافياً لجعل نشر خبر عاجل قبل صحيفة أخرى نشاطاً مربحاً للغاية.
وغيّر صعود الإنترنت والقنوات الإخبارية التلفزيونية هذا الوضع الاقتصادي تماماً، إذ لم يعد من المتوقع أن تكون الصحف أكبر المستفيدين من تغطية أي خبر، فبمجرد أن تنشر صحيفة مثل "نيويورك تايمز" خبراً جديداً، يمكن لشبكات الأخبار التلفزيونية والمدونين التحرك بسرعة لتغطية الخبر، وإضافة إلى ذلك أصبح من الممكن إدارة الإعلانات المبوبة بفاعلية أكبر من خلال الخدمات الإلكترونية. وبدأ معلنو الصحف ينجذبون إلى شبكات الإعلانات على الإنترنت التي وعدت باستهداف الإعلانات السياقية، ونتيجة ذلك انخفض التوزيع والإيرادات بصورة حادة خلال الأعوام الأخيرة.
تحول المشاهدة
وفي السياق ذاته، أحدثت صناعة بث الفيديو الترفيهي ثورة، إذ غيرت بصورة لا تصدق طريقة مشاهدتنا للبرامج التلفزيونية والأفلام، فجعلت منصات البث الرائدة الترفيه أسهل من أي وقت مضى مثل "نتفليكس" و"ديزني بلس" و"أمازون برايم فيديو" و"هولو"، مما أدى إلى انخفاض حاد في مشاهدة الأفلام في دور السينما وانتظار برامج التلفزيون.
ومهدت "نتفليكس"، على وجه الخصوص، الطريق لهذا النموذج بمسلسلات عالمية شهيرة ونالت استحسان الجمهور، وبفضل برامجها الجذابة وواجهتها المصممة بعناية التي تشجع على المشاهدة بشراهة، نجحت "نتفليكس" في إجبار المشاهدين على "الإدمان" على هذا البرنامج التلفزيوني الجديد. وفعل كثير من منصات البث الأخرى الشيء نفسه على مر السنين، بخاصة منذ العقد الثاني من القرن الـ21. ونتيجة ذلك، انتقلت سلطة الإعلام التقليدي إلى هذه المنصات، وأصبح لدينا كمشاهدين نطاق أوسع بكثير من المحتوى للاختيار من بينه، وجميعها مصممة لتناسب تفضيلاتنا الشخصية بمساعدة خوارزميات الذكاء الاصطناعي. كما غير قبلها الـ"يوتيوب" طريقة تلقي المشاهد عبر اختيار ما يريده، وتغير كل المشهد الإعلامي مع وجود "فيسبوك" و"إنستغرام" و"تويتر" وتيك توك" وغيرها من التطبيقات التي حولت عالم الإعلام والاتصال معها إلى عالم جديد وطرق جديدة في التواصل والتلقي.
الأثر السياسي
وعليه شهدنا واحداً من أعظم الأمور غير المألوفة في موازين القوة الإعلامية في التاريخ الحديث التي انهارت معها تقريباً فكرة "الرقابة" بالمعنى التقليدي. فلم يعد بوسع أي جهاز أن يخفي حدثاً مهماً عندما يكون كل مواطن صحافياً، يوثق بالصوت والصورة وينشر الخبر في لحظته عبر منصات لا تعترف بالحدود. وهذا التحول نقل السلطة من قصور الحكم ومكاتب رؤساء التحرير إلى يد الجمهور الذي يمسك بهاتفه الذكي. وعن هذا قالت مفوضة الابتكار والبحث والثقافة والتعليم والشباب في الاتحاد الأوروبي مارييا غابرييل إن "عصر الرقابة التقليدية البسيطة قد ولى، والتحدي اليوم لم يعد حجب مصدر إخباري واحد، بل هو مواجهة فيضان من المعلومات المضللة على منصات رقمية لا تعترف بالحدود".
ولعل أخطر تحول في هذا المشهد هو انقلاب ميزان "وضع الأجندة"، فبعد أن كان الإعلام التقليدي يقرر ما هي القضايا الجديرة بالمناقشة الوطنية، أصبح "تويتر" و"فيسبوك" اليوم هما من يفرضان هذه القضايا، فما يبدو كمنشور لمواطن عادي أو "هاشتاغ" ينتشر كالنار في الهشيم، يجبر كبريات المؤسسات الإعلامية على تبنيه والحديث عنه، وكأنها تسابق لحمل راية رفعها الشارع أولاً، مما يؤكده ديفيد إغناثيوس الكاتب في "واشنطن بوست"، قائلاً إن "وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد منصات لنشر المعلومات، بل أصبحت هي التي تحدد أولوياتنا السياسية. لم نعد نحن الصحافيون من يصنع الأجندة، بل أصبحنا نلهث خلف الهاشتاغات التي تتصدر ’تويتر‘".
لكن كل هذا التحرر لم يأتِ من دون ثمن، فالفوضى الإعلامية الجديدة أنتجت استقطاباً حاداً، إذ يلجأ كل فريق إلى غرف الصدى الخاصة به، ليستمع فقط لمن يؤيدونه، مما مزق النسيج المشترك للرأي العام. وهكذا، بينما منحتنا الرقمنة سلطة لم نعهدها من قبل، فإنها في الوقت ذاته سلطت علينا مسؤولية التعامل مع هذه السلطة بحكمة، في عالم لم يعد فيه حارس للبوابة ليقرر عنا ما نراه ونسمعه. وخلص تقرير معهد "رويترز" لدراسة الصحافة في جامعة أكسفورد إلى استنتاج أن "الخوارزميات على منصات التواصل الاجتماعي تعمل على تعزيز الاستقطاب من خلال إنشاء غرف صدى تقدم للمستخدمين محتوى يتوافق مع معتقداتهم المسبقة، مما يضعف الحوار المجتمعي المشترك".
الأثر الثقافي
وإضافة إلى ما سبق، شهدنا ما يمكن وصفه بثورة ديمقراطية حقيقية طاولت ما عرف بأبراج النخبة الفنية العاجية وهدمتها، إذ سقط "الناقد" التقليدي من على عرشه، ذلك الذي كان يملك سلطة تقدير العمل الفني وإصدار الأحكام التي تحدد مصيره، لتحل محله ديكتاتورية الـ"ترند" الجماهيري العابرة للحدود، ولم يعد نجم الغد هو من تختاره لجنة تحكيم أو تروج له مجلة متخصصة، بل هو ذلك الوجه الذي تلتقطه كاميرا هاتف في قرية نائية، ويتحول بين ليلة وضحاها إلى ظاهرة عالمية.
وخلال مقابلة مع مجلة "فاست كومباني"، قالت الرئيسة التنفيذية السابقة لـ"يوتيوب" سوزان وجسيكي "لم يعد الجمهور مجرد متلقٍ سلبي، إنهم يشاركون في الصناعة الثقافية بصورة لم يسبق لها مثيل، فالنجاح اليوم لا يحدده نقاد في نيويورك أو لوس أنجليس، بل يصنعه المجتمع نفسه، والنجم الجديد هو من يستطيع إلهام جمهوره ليصبح شريكاً في رحلته الإبداعية".
إن هذه الديمقراطية الجديدة لم تكتفِ بإسقاط النخبة، بل شرعت في تفكيك مفهوم الثقافة الجماهيرية الموحدة ذاتها، فلم نعد كما في الماضي نجتمع كعائلة واحدة أمام عمل تلفزيوني واحد يخلق ذاكرة مشتركة، إذ انقسم المشهد اليوم إلى آلاف القبائل الثقافية، وكل قبيلة منها تشكلت حول اهتمام دقيق، قبيلة لعشاق الأنمي وأخرى لمتابعي الكيبوب وثالثة لمحبي ألعاب الفيديو، ولكل منها أبطالها ومصطلحاتها الخاصة وتفاعلاتها المنعزلة، مما أثرى المشهد العام بحسب المراقبين، لكنه في الوقت ذاته أفقدنا ذلك الإحساس بالانتماء إلى سردية ثقافية واحدة تجمعنا. وخلال كلمة له في مهرجان "كان" للإعلام، صرح ريد هاستينغز المؤسس والرئيس التنفيذي السابق لـ"نتفلكس" ريد هاستينغز بأن "عصر القناة التلفزيونية الواحدة للجميع انتهى، إذ إن مستقبل الترفيه يكمن في خدمة آلاف الأسواق المتخصصة في وقت واحد، فنحن لم نعد نقدم ثقافة جماهيرية، بل نقدم ثقافة جماهيرية من خلال تلبية اهتمامات ملايين الجماهير الصغيرة".
وهكذا، بينما منحتنا المنصات الرقمية مساحة لا نهائية من الحرية لاكتشاف ذوقنا الخاص والتعبير عنه، فإنها في المقابل سلبت ما وصفه الباحثون ذلك الدفء الإنساني الذي كان يصنعه التجمع حول قصة واحدة، تذرف لأجلها دموعنا الجماعية وتصعد بضحكاتنا في وقت واحد.
وخلال حوار مع "هوليوود ريبورتر، قال المخرج الكوري الحائز جائزة أوسكار عن فيلم "بارازيت" Parasiteونغ جون هو معلقاً على النجاح العالمي للفيلم "الحدود التي كانت تفصل بين المشاهدين آخذة في الانهيار، إذ إن الجمهور اليوم لا يهتم بلغة الفيلم أو بلد منشأه بقدر ما يهتم بقوة القصة الإنسانية، فالمنصات الرقمية خلقت جمهوراً عالمياً متعطشاً لروايات من كل زاوية حول العالم، مما يحطم الفكرة القديمة عن الذوق الغربي السائد".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
محتوى جديد مع إعلان أضخم
ووفق بحث جديد، فمن المتوقع أن يجذب المحتوى على منصات مثل "يوتيوب" و"تيك توك" و"إنستغرام" دخلاً إعلانياً أكبر هذا العام مقارنة بالمحتوى من شركات الإعلام التقليدية، مما يمثل "تحولاً ثقافياً هائلاً" لعالم الإعلام، ووجد البحث أن المواد التي ينشئها المستخدمون، مقاطع الفيديو والبودكاست والمنشورات التي يجمعها المبدعون الأفراد، ستتفوق على عائدات الإعلانات التي تجتذبها الوسائط الإعلامية المهنية التي تنتجها شبكات التلفزيون ودور السينما وشركات الأخبار.
ويأتي ذلك بالتزامن مع زيادة حادة في دخل الإعلانات الذي تجتذبه المحتويات التي ينتجها المبدعون وسط تغير عالمي هائل في عادات المشاهدة واستهلاك الوسائط، فمن المتوقع أن يشهد منشئو المحتوى زيادة في إيراداتهم من الإعلانات وصفقات العلامات التجارية والرعاية بنسبة 20 في المئة هذا العام، وفقاً لتقييم أجرته شركة "دبليو بي بي ميديا" WPP Media، ومن المتوقع أن تتضاعف هذه الإيرادات لتصل إلى 376.6 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030. وجاء في تحليل البحث أنه "عام 2025 وللمرة الأولى، يأتي أكثر من نصف عائدات الإعلانات الموجهة للمحتوى من المنصات والمحتوى الذي ينشئه المستخدمون، بدلاً من المحتوى الذي ينتج بصورة احترافية".
وتبرز هذه النتائج التغيير السريع الذي يشهده الإعلام العالمي مع تحول المستخدمين إلى المنصات الرقمية عبر الهواتف الذكية، وذكر التقرير أن هذا التحول يؤثر بشدة في عالم الإعلام. ويذكر أنه "على رغم أن المبدعين الأفراد يعتمدون في كثير من الأحيان على قنوات الإعلام الاحترافية كمصدر للمواد، فإن الآراء الفردية تعني أن النظام الإعلامي لأي فرد من المرجح أن يصبح شخصياً بصورة متزايدة، وربما يركز حول موضوع أو وجهة نظر معينة"، ويتابع "قد ينظر الجمهور إلى قرارات الشراء الخاصة بهم على أنها امتدادات لتلك المعتقدات والآراء أيضاً". وقال دوغلاس ماكابي الرئيس التنفيذي لشركة "إندرز أناليسيز" التي تقدم خدمة أبحاث الاشتراك التي تغطي قطاعات الإعلام والترفيه والاتصالات المحمولة والثابتة في أوروبا، مع التركيز بصورة خاصة على التقنيات والإعلام الجديدة، إن "التغييرات في استهلاك الوسائط نحو المنصات عبر الإنترنت تمثل تحولاً ثقافياً هائلاً في فترة قصيرة من الزمن".