ملخص
بحسب الروايات الشعبية غير المسندة، فإن الصوفي الكبير خواجة نظام الدين أولياء أصيب باكتئاب شديد عند وفاة ابن أخيه في القرن الـ13 الميلادي، ليقوم تلميذه الشاعر المشهور أمير خسرو بارتداء ملابس نسائية صفراء والرقص أمامه لرفع معنوياته، وبذلك كانت بداية الرقص والاحتفال وارتداء الأصفر في "مهرجان بسنت".
يعود تاريخ الاحتفال بموسم الربيع لمئات الأعوام، ويختلف الناس في استقبالهم لموسم انفتاح الزهور باختلاف الزمان والمكان، إلا أن روح الاحتفال الجماعي والخروج إلى الساحات وأسطح البيوت يبقيان السمة العامة لتلك الاحتفالات.
وتشتهر المنطقة الزراعية في إقليم البنجاب التي تقع اليوم على حدود باكستان والهند، خصوصاً مدينة لاهور الباكستانية بـ"مهرجان بسنت"، حيث يخرج الناس إلى أسطح البيوت وإلى الميادين ليحلقوا الطائرات الورقية احتفالاً بحلول موسم الربيع، ويرتدوا الملابس الصفراء احتفاء بالأراضي الزراعية التي تثمر وتصفر خلال هذا الفصل.
وبحسب الروايات الشعبية غير المسندة، فإن الصوفي الكبير خواجة نظام الدين أولياء أصيب باكتئاب شديد عند وفاة ابن أخيه في القرن الـ13 الميلادي، ليقوم تلميذه الشاعر المشهور أمير خسرو بارتداء ملابس نسائية صفراء والرقص أمامه لرفع معنوياته، وبذلك كانت بداية الرقص والاحتفال وارتداء الأصفر في "مهرجان بسنت".
وعلى رغم أن هذه الحكاية تحوي شخصيات حقيقية مثل نظام الدين وأمير خسرو، فإنها لا تقوم على إسناد تاريخي ثابت. وتوثق المصادر التاريخية احتفالات "بسنت" منذ عهد رانجيت سينغ، إذ تذكر مجلة "نقوش" في عددها الصادر عام 1962 أنه كان يحتفل بـ"مهرجان بسنت" على المستوى الرسمي خلال عهد المهراجا رانجيت سينغ.
على ظهور الأفيال
وكتب الملازم الإنجليزي ألكسندر بيرنز الذي قدم إلى لاهور بدعوة من المهراجا واصفاً مشهد الاحتفال "جرى الاحتفال بمهرجان بسنت، وهو مهرجان الربيع، ببذخ وروعة كبيرين في السادس من فبراير (شباط). دعانا رانجيت سينغ إلى هذا الحدث وذهبنا معه على ظهور الأفيال لمشاهدة المعرض، وفي الطريق، وقف جيش المهراجا وأدى التحية له. ثم نصبت الخيمة الملكية في المعرض، وكانت مزينة بخطوط من الحرير الأصفر. ووسط الخيمة، كانت هناك مظلة تبلغ قيمتها مئة ألف روبية معلقة عليها خيوط من اللؤلؤ والأحجار الكريمة".
ويضيف أن "المهراجا جلس واستمع أولاً إلى قراءة كتاب غرانث صاحب المقدس، ثم قدم الهدايا إلى قارئ الكتاب، ووضع الكتاب المقدس في 10 صناديق. وكان الصندوق العلوي مصنوعاً من مخمل باسنتي. وبعد ذلك قدمت الفاكهة والزهور إلى المهراجا. وفي وقت لاحق، حضر النبلاء والوزراء والضباط مرتدين ملابس صفراء وقدموا عهودهم. وبعد ذلك، تم تقديم الراقصات وكافأهن المهراجا بسخاء".
وقبل أن نعرج على الجدل الذي أثير حول هذا المهرجان في باكستان، ولماذا منع الاحتفال به لأكثر من عقدين، دعونا نبحث في ما يميزه عن بقية المهرجانات، وهو تحليق الطائرات الورقية.
اخترعت الطائرة الورقية، بحسب الموسوعة البريطانية، في القرن الرابع قبل الميلاد، عندما كان عالم الرياضيات اليوناني أرخيتاس يحاكي الطيور ويجري تجارب على الطيران في الهواء. وتظهر لوحة مصغرة محفوظة في المتحف البريطاني من أوائل القرن الـ19 الآلهة الهندوسية رادها وهي تركض خلف ظل طائرة ورقية بينما يظهر كريشنا وهو يطير طائرة ورقية، لكن هذه اللوحة تحمل خلفية رومانسية ورمزية أكثر منها تاريخية، وذُكر تحليق الطائرات الورقية في أبيات شعرية قديمة.
ويرتبط تقليد تحليق الطائرات الورقية أيضاً بالآلهة القديمة، إذ نجد في جزر نيوزيلندا أن بعض التقاليد الأسطورية تجسد الإله في الطائرة الورقية، بينما يطير الإله موآي نفسه طائرة ورقية في جزر هاواي، مما يدل على أن تحليق الطائرات الورقية كانت له تقاليد مقدسة في العصور القديمة، وكان الناس يطيرون الطائرات الورقية لإرضاء الآلهة.
ويتفاوت استخدام الطائرات الورقية في مختلف الثقافات، إذ استخدمت في نيوزلندا للتنبؤ بالمستقبل، وفي الصين واليابان لطرد الأرواح الشريرة واستحضار الأرواح الطيبة. وبعض الثقافات حددت أيام إطلاق الطائرات الورقية، وكان يمنع لمس الطائرات التي تسقط على الأرض لاعتقادهم بأنها تجلب النحس.
وكتب الفيلسوف الصيني هان فاي زي في القرن الثالث قبل الميلاد، قصة يقال إنها مستوحاة من أحداث وقعت قبل قرن من الزمان، يروي فيها قصة لوبان ومعلمه موزي اللذين صنعا طائرة ورقية خشبية استطاعت أن ترفع هان فاي زي في الهواء واستمرت في التحليق لثلاثة أيام ثم سقطت على الأرض، ليعتبر السكان المحليون أنها كانت إلهاً ويصنعون مثيلاتها من الحرير والورق، لكن كثراً من المؤرخين يعدّون ذلك أسطورة لا حدثاً تاريخياً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعن ربط الطائرات الورقية بالاحتفالات، لا يزال شعب المايا في غواتيمالا يحتفل بيوم الموتى السنوي، فيجتمعون في المقابر ويطلقون الطائرات الورقية تخليداً لذكرى أحبائهم الراحلين. ويعتقدون بأن الطائرات الورقية تطرد الأرواح الشريرة وتساعد المحتفلين في التواصل مع الموتى من أحبائهم.
وبدأ الصينيون ممارسة هواية الطائرات الورقية، إذ كانوا يتسابقون بها، ونقل الرهبان الصينيون هذه العادة إلى اليابان في القرن السادس الميلادي. وفي القرن التالي أصبحت الطائرات الورقية جزءاً من احتفالات اليابان، فكانت تزين جميع المناسبات السعيدة كبداية العام الجديد وعيد الطفل وأيام الحصاد بالطائرات الورقية.
وتشير هذه الأساطير إلى أن الأشكال الأولى للطائرات الورقية تغيرت عبر الزمن، إذ إنها استُخدمت من المجتمعات والحضارات بما يناسب ثقافتها ومعتقداتها الدينية، حتى إنها في بعض الأحيان استُعملت للتواصل مع عالم الآلهة، وأحياناً أخرى كمجرد وسيلة للترفيه.
ألوان السماء المفقودة
تحول الاحتفال بـ"مهرجان بسنت" في لاهور مع مرور الوقت من مناسبة ترفيهية إلى مسابقة دموية وجدل ديني تقاسمت حوله الآراء، إذ بدأ استخدام أدوات مثل الزجاج والأسلاك المعدنية في صناعة خيوط الطائرات الورقية، من أجل قطع الطائرات الورقية الأخرى وإسقاطها لكي تبقى في السماء الطائرة الورقية المنتصرة فقط، وتسببت هذه الخيوط الحادة بحوادث دموية عدة، إذ توفي أكثر من شخص خلال الاحتفال متأثرين بجروحها.
من جانب آخر، جذب "مهرجان بسنت" جدلاً دينياً حول حقيقة الاحتفال وتاريخه ومدى ارتباطه بالهندوسية وجوازه في الدين الإسلامي، وأصبح الحديث حول جدوى هذا الاحتفال "غير الإسلامي"، والمحظورات الشرعية به مثل الغناء والرقص والاختلاط، علاوة على الوفيات التي تسبب فيها.
وفي هذه الظروف، منعت حكومة البنجاب الاحتفال لتغيب الطائرات الورقية الملونة عن سماء لاهور ويسكن صخب المهرجان وتخلو أسطح البيوت من المحتفلين.
لكن هذا العام، وبعد غياب لأكثر من عقدين، يعود "مهرجان بسنت" بمباركة حكومية للاهور، إذ رفعت حكومة البنجاب الحظر المفروض منذ 25 عاماً على تحليق الطائرات الورقية ومنحته تصريحاً مشروطاً، في تطور إيجابي ووسط رد فعل متباين من أولئك المرتبطين بالصناعة، لكن السؤال هو ما إذا كان صانعو الطائرات الورقية لا يزالون موجودين.
يصرح الأمين العام لأكبر سوق للطائرات الورقية في بوابة موتشي بلاهور محمد فيصل إلى "اندبندنت أوردو" بأن "هناك استثمارات بملايين الروبيات في هذا العمل، لقد أحسنت الحكومة بالسماح بتحليق الطائرات الورقية، لكننا سنرى الآن إلى متى سيستمر هذا التصريح، وسنستثمر بناء على جدية وفاعلية التصريح الحكومي".
ووظفت الحكومة "مهرجان بسنت" في تسويق نفسها، إذ ملأت شوراع لاهور بصور رئيسة وزراء البنجاب مريم نواز فضلاً عن اللافتات المتعلقة بالمهرجان، واستُثمرت الملايين في التسويق الإعلامي والترويج للمهرجان، مما يظهر في تخصيص القنوات الكبرى تغطيات مطولة تشمل كبار الإعلاميين والمشاهير من قلب لاهور، ولم يتأثر ذلك التركيز الإعلامي بحادثة انفجار إرهابي في العاصمة إسلام آباد خلال ليلة الاحتفالات.
وانتقدت المعارضة التوظيف السياسي لـ"بسنت"، ولا سيما في هذا الوقت الحرج وسط التهديدات الأمنية التي تحيط بالدولة، لكن الحكومة تنفي ذلك. وبعيداً من ادعاءات الحكومة واتهامات المعارضة فإن المهرجان أعاد إحياء الروح الاحتفالية لمدينة لاهور.