ملخص
إيران على طاولة أبحاث الحكومة الإسرائيلية والمطالبة بالاستعداد لمعركة مستمرة.
إسرائيل تقول إن "حزب الله" نقل مراكز ثقله إلى عمق سهل البقاع، مما يجعل أية مواجهة محتملة تتطلب مناورة برية وجوية أوسع داخل لبنان لاستهداف قدرات الحزب الصاروخية والدقيقة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة.
في وقت يحتدم الوضع الأمني على الحدود الشمالية مع لبنان والتقارير الإسرائيلية التي تتحدث عن دعم إيران لـ"حزب الله" لتعزيز قدراته وتحدياته الاستراتيجية تجاه إسرائيل، طرح الملف الإيراني من جديد على طاولة الحكومة الإسرائيلية مع إعلان وزير المالية بتسلئيل سموتريتش تفاصيل موازنة عام 2026 وأنها تتجاوز الـ100 مليار شيكل (نحو 30.8 مليار دولار). وقدم عسكريون وأمنيون أمام متخذي القرار أخطار عدم تضمن الموازنة الملف الإيراني تحديداً، وضرورة اتخاذ خطوات تمنع استمرار الجهود، ليس فقط لجهة تعزيز القدرات النووية، إنما الهيمنة الإقليمية عبر استمرار دعم وكلائها في المنطقة وإبقاء إسرائيل أمام تحديات إقليمية خطرة تجاه لبنان وسوريا وأيضاً غزة.
العقيد احتياط يعقوب نيغل الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، رأى أن ملف إيران يجب أن يتصدر أبحاث الحكومة الإسرائيلية وطرحه بمثابة إنذار خطر لها، ويقول "الوضعية الأمنية الحالية تتطلب مناقشة ما تشمله الموازنة من جوانب أمنية إزاء التحديات المتصاعدة التي تواجه إسرائيل على مختلف الجبهات، وفي مركزها إيران التي تدير مختلف الجبهات عبر وكلائها".
حديث نيغل جاء في وقت أعلن مسؤولون في جهاز الأمن الإسرائيلي أن الملف الإيراني لا يزال يشكل تحدياً كبيراً، وأن شخصيات إيرانية لا تزال تعمل بدافع قوي لتنفيذ هجمات ضد مصالح إسرائيلية.
وبالتزامن تفاعل نقاش الملف الإيراني مع نشر جهاز "الموساد" تقارير توثق خطط طهران للانتقام من إسرائيل بعد الهجوم الأخير عليها. وبرأي الأمنيين، فإن إزاحة التقرير الستار عن بنى تحتية "لم ولن يفشل النوايا الإيرانية وأن طهران لا تزال تملك حافزاً قوياً للهجوم على إسرائيل"، وفق ما نقل الخبير العسكري أمير بوحبوط عن مسؤولين كبار في جهاز الأمن.
وأوضح "الموساد" موقفه عبر بيان أصدره مكتب رئيس الحكومة، أشار فيه "إلى أن إيران وسعت جهودها لإلحاق الضرر بإسرائيل وأهداف إسرائيلية واليهود حول العالم"، وأضاف البيان أن "بفضل نشاط مكثف من الموساد وأجهزة استخبارات أخرى في إسرائيل والعالم، جرى إحباط عشرات محاولات الهجوم، مما أتاح الكشف عن آليات الإرهاب الإيرانية واتخاذ خطوات قضائية ودبلوماسية ضد المتورطين".
وتدعي إسرائيل أن إيران عملت بأسلوب معقد هدفه طمس الصلة المباشرة بالنظام الإيراني من خلال فصل المستويات وتجنيد مدنيين أجانب واستخدام عناصر إجرامية واتصالات مشفرة، وهدد "الموساد" باستمرار وتكثيف الجهود "بالتعاون مع شركائنا حول العالم وبحزم لإحباط تهديدات الإرهاب من إيران وأذرعها، وحماية الإسرائيليين داخل إسرائيل وحول العالم".
من إيران وحتى لبنان
بحسب نيغل، يجب فهم ما الذي تتضمنه الموازنة وما لا تتضمنه، جنباً إلى جنب مع فهم افتراض السيناريو الأمني المحدث تجاه إيران، ويقول "على أساس هذا السيناريو فقط، ينبغي بناء موازنة الأمن مع مراعاة القيود الاقتصادية، فالمواضيع المركزية التي ستؤثر في بنية الموازنة وحجمها هي الجاهزية للتحولات المفاجئة واستمرار الجاهزية للقتال ضد إيران وفي غزة والوضع عند الجبهات القريبة، لبنان وسوريا".
وضمن دعوة الحكومة والأجهزة الأمنية إلى الاستعداد وتنفيذ عمليات لمنع التهديد الإيراني على إسرائيل، يحذر نيغل من تكرار خطأ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 وكيف نجحت حركة "حماس" في هجومها، قائلاً "هذا اليوم أثبت أن هيكل الجيش وحجم القوات، بخاصة حجم المخزونات والتسليح في الجو وعلى الأرض وفي البحر، لم تكن ملائمة بالكامل للتهديد الذي انكشف أمام إسرائيل. ومفهوم ’جيش صغير وذكي‘، المبني أساساً على الإنذار المبكر والتكنولوجيا، انهار تماماً"، ويضيف "صحيح أن التكنولوجيا أثبتت أهميتها لكنها ليست بديلاً عن حجم الجيش وتشكيلاته ومخزون السلاح. إسرائيل عليها أن تدير المعارك من دون إهمال أي ميدان وبناء قدرة لحرب متعددة الجبهات، حتى لو بدا أن أعداءنا ضعفوا بدرجة كبيرة".
وفي مناقشته الملف الإيراني، قال إن الحرب الأخيرة أو كما يسميها الإسرائيليون "حرب الـ12 يوماً"، سجلت فصلاً جديداً ومهماً في العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه إيران وسائر أعدائها، وبحسبه "انتقلت إسرائيل من سياسة دفاع واحتواء إلى سياسة منع وهجوم. وهذا التغيير نفذ بنجاح كبير عند الجبهة الشمالية، وترسخ في اتفاقات وقف النار وضمن النشاط المستمر حتى اليوم في لبنان وسوريا".
وحذر نيغل أن "على إسرائيل أن تستعد لمعركة متواصلة وطويلة مع إيران. وبناء ردع موثوق ليس أمراً مفروغاً منه، وهو يبنى فقط عبر أفعال موثوقة ومعلنة والاستعداد للحفاظ على مفهوم الضربة الاستباقية ومواصلة بناء القدرة اعتماداً على استخبارات استراتيجية عميقة، فضلاً عن بناء عتاد مناسب".
واتفق مع نيغل أمنيون وعسكريون يرون أن الملف الإيراني هو الأخطر والأكثر تحدياً، على رغم التطورات التي تشهدها الجبهة الشمالية تجاه لبنان، ودعوا إلى تثبيت وترسيخ العلاقة والثقة مع واشنطن. وجاء ضمن توصية للحكومة الإسرائيلية حول الملف الإيراني التي تتوافق ورؤية نيغل أن "مواجهة إيران هدفها واحد، التفكيك الكامل للقدرة النووية والتعامل المناسب مع المواد المخصبة الباقية التي نجت من الضربات والموجودة في منشآت مثل فوردو، سواء بوسائل دبلوماسية أو عسكرية، فضلاً عن التعامل مع الصواريخ الباليستية والدفاع الجوي، وما بين الاثنين تقويض قدرة دعم وكلائها في المنطقة".
وأضافت التوصية أن "جبهة إسرائيل- أميركا الموحدة ستقوي الردع وبالمجمل ستتيح إنجاز المهمة. فلا مكان الآن للمصالحة وللتخصيب وللصواريخ الباليستية أو لدعم الإرهاب. والطريقة الوحيدة هي التفكيك الكامل، أقل من ذلك لن يكفي إسرائيل التي يجب عليها أن تكون جاهزة لتحولات استراتيجية، حتى لو أن الموازنة لا تسمح ببناء القوة الكاملة المطلوبة لمواجهتهم".
"حزب الله" الانعكاس الأخطر لإيران
على مدى اليومين الأخيرين، وقبل مغادرة مبعوثة الرئيس الأميركي مورغان أورتاغوس تل أبيب متوجهة إلى لبنان بعد زيارة استمرت يومين، طرح الإسرائيليون خلال مناقشتهم ملف "حزب الله" في لبنان أيضاً الملف الإيراني، وعرضوا تقارير أمامها ادعوا فيها أن طهران تعمل على تعزيز قدرات "حزب الله" وتساعده في تهريب الأسلحة من سوريا إلى لبنان ودعمه مالياً.
وحمّل الإسرائيليون أورتاغوس رسالة مفادها بأن تل أبيب لن تحتمل استمرار الوضع الحالي تجاه لبنان وبأن الهجوم على لبنان بات مسألة وقت، وادعى أمنيون أن تل أبيب وواشنطن متفقتان على أن الجيش اللبناني تراجع في نشاطاته وعملياته لتنفيذ اتفاق وقف النار ومنع "حزب الله" من تعزيز سلاحه وعدم إعادة انتشاره في المنطقة، تحديداً شمال الليطاني.
وأعلن مسؤولون إسرائيليون خلال تقرير نقله موقع "واللا" الإخباري أن الجيش يعيد توجيه جهوده لتعزيز الجبهة الشمالية خلال فترة وقف إطلاق النار، على خلفية تقديرات تفيد بأن "حزب الله" يستعد لحرب مستقبلية عبر سياسة احتواء مدروسة، تتضمن التضحية بقوات تكتيكية على الحدود للحفاظ على قدراته وتعزيزها في العمق اللبناني.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبحسب الجهات الأمنية الإسرائيلية المشاركة في تقييم الوضع تجاه "حزب الله"، تقع على شعبة الاستخبارات العسكرية مهمة بالغة التعقيد هي تحديث نظام إنذار مبكر قادر على التصدي لاحتمال هجوم مفاجئ مشابه لما حصل في السابع من أكتوبر من عام 2023، وهو تحذير يتوافق وما عرضه عقيد احتياط نيغل.
وفي إسرائيل يدعون أن "حزب الله" نقل مراكز ثقله إلى عمق سهل البقاع، مما يجعل أية مواجهة محتملة تتطلب مناورة برية وجوية أوسع داخل لبنان لاستهداف قدرات الحزب الصاروخية والدقيقة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة. وفي هذا الإطار، سيحتاج الجيش الإسرائيلي إذا تطلب الأمر، وفق الجهات الأمنية "إلى زيادة الآليات المدرعة من ناقلات جند ودبابات وتعزيز الدعم الناري من الجو والأرض وتوسيع قدرات الإسناد واللوجستيات، إضافة إلى قوات هندسية متخصصة".
من جهته أعلن قائد مركز النيران في قيادة الشمال الذي لم يسمح بذكر اسمه، أن الجيش يستعد لأيام قتالية عدة تشكل جزءاً من خطة منع إعادة تأهيل "حزب الله" وتعزيز قدراته العسكرية، وأكد هذا القائد ضمن تصريحات صحافية أن الجيش لن يتراجع هذه المرة قبل تقويض قدرات الحزب وأن بلاده ستحسم الأمر لوحدها، مضيفاً أن "الحزب عاد للعمل وهذا أمر غير مقبول بتاتاً، سنواصل العمل ضد ذلك أياً كان الثمن ووفق قواعد جديدة، ولم نعد نتعامل بالمعادلة المتمثلة في الرد عندما نهاجم"، وأردف أن "هذه معادلة لم تعد قائمة ونحن اليوم نستعد لأيام قتال ولن نسمح لـ’حزب الله‘ بتفعيل أية قوة ضد إسرائيل".
يشار إلى أن الإسرائيليين أطلعوا المبعوثة الأميركية على تقارير استخباراتية وعسكرية ادعت فيها قيادة الشمال أن المستوطنات المحاذية للحدود بينها "أفيفيم" و"حانيتا" معرضة للخطر، وزعمت أن الحزب "قد ينفذ عمليات من شأنها أن تهز المنطقة".