ملخص
مع مواصلة "حماس" تسليم جثث الرهائن الإسرائيليين وتأكيد التزامها خطة ترمب للسلام والازدهار في غزة، تشرف المرحلة الأولى لوقف إطلاق النار على الانتهاء بنجاح نسبي جيد، وتتجهز المنطقة لبدء تنفيذ المرحلة الثانية التي تتضمن بنوداً صعبة ومعقدة قد تهدد استمرار وقف إطلاق النار.
في المرحلة الثانية من اتفاق غزة، يجب نزع سلاح "حماس"، وإدخال قوة دولية للقطاع لإدارته وتولي شؤون الحياة اليومية للمواطنين، وكذلك تشكيل لجنة حكم جديدة تحت مسمى "مجلس السلام" وبدء إعمار المدينة المدمرة وفقاً للرؤية الأميركية.
بينما تستعد الولايات المتحدة ونحو 59 دولة ومنظمة عالمية، لتطبيق المرحلة الثانية من خطة ترمب للسلام والازدهار في غزة، التي تتضمن نزع سلاح "حماس"، أكد رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر أن بلاده ستتولى دوراً قيادياً في نزع سلاح الفصائل الفلسطينية.
ليس عبثاً قال ستارمر ذلك، إذ لبريطانيا تجربة ناجحة وخبرة في إقناع الجماعات المسلحة بالتخلي عن بنادقها، ونموذج إيرلندا الشمالية الناجح أكبر دليل، وهو ما يحاول رئيس وزراء لندن تطبيقه في غزة مستعيناً بالأشخاص ذاتهم الذين توصلوا إلى اتفاق "بلفاست".
المرحلة الثانية
مع مواصلة "حماس" تسليم جثث الرهائن الإسرائيليين وتأكيد التزامها خطة ترمب للسلام والازدهار في غزة، تشرف المرحلة الأولى لوقف إطلاق النار على الانتهاء بنجاح نسبي جيد، وتتجهز المنطقة لبدء تنفيذ المرحلة الثانية التي تتضمن بنوداً صعبة ومعقدة قد تهدد استمرار وقف إطلاق النار.
في المرحلة الثانية من اتفاق غزة، يجب نزع سلاح "حماس"، وإدخال قوة دولية للقطاع لإدارته وتولي شؤون الحياة اليومية للمواطنين، وكذلك تشكيل لجنة حكم جديدة تحت مسمى "مجلس السلام" وبدء إعمار المدينة المدمرة وفقاً للرؤية الأميركية.
وبما أن المرحلة الثانية مرحلة التغيير، وتبدأ في نزع سلاح "حماس"، طرحت بريطانيا التي يشارك رئيس وزرائها السابق توني بلير في إدارة مجلس السلام الذي سيتولى إدارة القطاع والذي أسهم في نزع سلاح إيرلندا، الاقتداء للنموذج ذاته.
"حماس" مستعدة لنزع سلاحها لكن وفق رؤية
يضيف ستارمر "لبلادنا خبرة في إخراج الأسلحة من المعادلة السياسية، قد يكون الاحتذاء بنموذج إيرلندا الشمالية في غزة ناجحاً"، يعرف رئيس وزراء بريطانيا أن مهمة نزع سلاح "حماس" ليست بالأمر السهل، لكنه يعتبر تجربة لندن حيوية وناجحة، وأن نزع سلاح "حماس" خطوة شديدة الأهمية.
ستشارك بريطانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول عربية في مهمة نزع سلاح "حماس"، الحركة الفلسطينية لديها قبول نسبي في شأن التخلي عن بنادقها وقذائفها الصاروخية، لكن وفقاً لشروط واضحة، يقول متحدثها حازم قاسم "قضية نزع السلاح مطروحة للنقاش، أي خطوة في هذا الاتجاه يجب أن تحصل بالتوافق الوطني ومن خلال حوار جاد، وفق مقاربات مشتركة في شأن هذه المسألة".
ترى "حماس" أن نزع سلاحها مربوط برؤية سياسية واضحة وهي إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وتسليم السلاح يكون لهذه الجهة وليس وضعه تحت وصاية دولية، ولا في ظل وجود الجيش الإسرائيلي كقوة احتلال.
ما النموذج البريطاني في إيرلندا الشمالية؟
في النموذج البريطاني مع إيرلندا الشمالية، الذي بدأ عام 1998، وفق عملية سلام تعرف بـ"اتفاقية الجمعة العظيمة"، نجحت بريطانيا بالصبر والإقناع في نزع سلاح الجماعات السياسية المتنافسة خلال فترة استغرقت سبعة أعوام وتكللت بالنجاح حتى يومنا هذا.
كانت في إيرلندا الشمالية جماعات سياسية مسلحة تتنافس على السلطة، من جهة يرغب الجيش الإيرلندي الموالي لبريطانيا في بقاء بلاده جزءاً من المملكة المتحدة، فيما يرفض المعارضون ذلك ويريدون توحيد أراضيهم مع جمهورية إيرلندا المستقلة، وبسبب هذا الخلاف نشب بينهما صراع مسلح استمر 30 عاماً.
نجح رئيس الوزراء البريطاني آنذاك توني بلير بمشاركة رئيس أركانه جوناثان باول الذي يعد العقل المدبر لما يسمى اتفاق "الجمعة العظيمة"، في وضع حد للعنف الطائفي في إيرلندا، وأقنع المتنازعين بإلقاء سلاحهم.
اتبع بلير ومستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان سياسة إصلاح شاملة لكل الجوانب، تضمنت تقاسم السلطة بين الحكومتين البريطانية والإيرلندية والأحزاب السياسية، وشجعا جميع الجماعات المسلحة على إلقاء السلاح وبناء جهاز شرطة جديد ومحايد يحظى بثقة جميع أفراد المجتمع.
نجحت بريطانيا في تطبيق اتفاق "بلفاست" لكنها نفذتها بصورة متدرجة وبطيئة، إذ عملت على إنشاء لجنة دولية مستقلة لنزع السلاح، واستمرت عملية نزع السلاح سبعة أعوام واكبتها تسوية سياسية شجعت الجماعات المسلحة على التخلي عن بنادقها.
ولتشجيع الإيرلنديين، قللت بريطانيا من وجود قواتها وأزالت المنشآت الأمنية وبنت اتفاقية تطبيع معهم وهذا ما أسهم في نجاح الاتفاقية، ومع وجود تشابه كبير بين الوضع في غزة وما نجحت فيه "الجمعة العظيمة"... هل يمكن تطبيق هذا النموذج على "حماس"؟
عودة بلير وباول للواجهة
وفقاً للرئيس الأميركي دونالد ترمب، فإن توني بلير يرغب في تولي مهام اليوم التالي في غزة، وبهذا يكون راعي "الجمعة العظيمة" عاد للواجهة مرة ثانية لتطبيق خطته في إيرلندا الشمالية لكن هذه المرة في القطاع المنهك المدمر.
وبحسب ستارمر، فإن بلاده تتجهز للمشاركة في هذه المهمة بصفة رسمية، ويساعده في ذلك باول الذي أسهم مع بلير في نزع سلاح إيرلندا الشمالية، واليوم يتجهز لتطبيق خطته مرة ثانية في غزة.
شارك بلير وباول في وضع وصياغة اتفاق غزة، وشارك البريطانيان مع ترمب في حضور "قمة شرم الشيخ للسلام"، وأثنى المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف على مستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول، وقال عنه "له إسهامات رائعة في خطة السلام والازدهار في غزة".
وبعد ذلك الثناء، أكد ترمب أن "حماس" أبلغته بأنها ستتخلى عن سلاحها، ولكنه هدد باستخدام العنف في حال عادت بكلامها ورفضت إلقاء البنادق، ثم نظر الرئيس الأميركي إلى باول الذي نزع سلاح الإيرلنديين ويستعد اليوم لنزع سلاح الفصائل الفلسطينية في غزة، وهز رأسه مبتسماً.
وبهذا يكون شخصيتا عملية السلام الإيرلندية، وهما رئيس الوزراء السابق توني بلير ورئيس أركانه السابق جوناثان باول، عادا إلى الواجهة الدولية، بعد مشاركتهما في محادثات مع الولايات المتحدة ودول أخرى في شأن مستقبل غزة.
وجه الشبه والاختلاف
وعن وجه الشبه بين الحالة الإيرلندية والغزية، يقول الباحث السياسي هاني السويسي "في غزة، هناك سلاح بيد ’حماس‘، وجيش إسرائيل بثكناته في غزة، وصراع على الحكم، عند النظر إلى نموذج بلفاست، فإننا في حاجة إلى أخذ آليات نزع السلاح التي اتبعتها بريطانيا مع إيرلندا، إذ شكلت لجنة دولية مستقلة لذلك، لكنها قدمت حلولاً سياسية شجعت الأطراف على إلقاء بنادقهم".
ويضيف "قللت بريطانيا قواتها وفككت منشآتها الأمنية، وكذلك الأمر في خطة ترمب، بعد نزع سلاح ’حماس‘ على تل أبيب الانسحاب من غزة، وأيضاً أنشأت بريطانيا شرطة مدنية متفقاً عليها، وهذا ما تحتاج إليه غزة شرطة موحدة تشمل جميع الأطراف الفلسطينية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن أوجه الاختلاف يوضحها السويسي، بأن "حماس" تحكم غزة وهي جهة منتخبة على عكس الجيش الإيرلندي الذي لم يحكم بلاده، وأيضاً أشركت بريطانيا المتورطين في العنف عندما حلت مشكلة إيرلندا وكان ذلك مفتاح نجاح عملية السلام، لكن أميركا لا تريد إشراك "حماس" بل إقصاؤها من المشهد نهائياً.
وكذلك يشير السويسي إلى أن بريطانيا قدمت حلولاً سياسية واضحة، لكن ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يرفضان إقامة دولة فلسطينية، وخطتهما للسلام والازدهار لا تجيب عن الترتيبات الأمنية والحدود ومصير الضفة الغربية ولا عن مستقبل القدس، على عكس اتفاق "الجمعة العظيمة" الذي كان واضحاً ووضع حلولاً للمشكلات السياسية.
لكن وسط التشابهات الكبيرة والفروق المحدودة، هل يمكن استنساخ هذا النموذج في غزة، يجيب أستاذ علم الصراعات الدولية ماجد طهراوي "لتطبيقه يجب تحويل جميع الأطراف الفلسطينية إلى سياسية فعالة من دون إقصاء أي طرف، ومساعدتها في قيادة مسار ديمقراطي فلسطيني"، ويضيف "لنجاح النموذج في غزة يجب تقديم حلول سياسية، الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين سياسي، ويجب إقامة دولة لهم وفق رؤية السعودية لإنهاء الخلاف للأبد، وهذا الحل السياسي يساعد في إقناع ’حماس‘ بنزع سلاحها وتحقيق مكاسب ملموسة".
ويعتقد طهراوي أن أميركا تتبع النهج ذاته على ما يبدو، إذ تنص خطة ترمب على منح العفو العام لكل من يضع سلاحه، وهذا ما قام به بلير عندما كان رئيس وزراء بريطانيا وحل مشكلة إيرلندا حينها، واستخدم آليات العفو والإفراج المشروط لكسب الأطراف.
الاستنساخ ممكن
من جانبه يقول المتخصص في مجال القانون الدولي محمود حنفي "نجاح النموذج الإيرلندي في غزة ممكن وقد يكون فعالاً لكنه مشروط، إذ لا بد من إطار سياسي يربط العملية بترتيبات أمنية بديلة لتفادي فراغ، وتفويض دولي متعدد الجنسيات بصلاحيات واضحة لعملية تسلم البنادق، مع تنسيق لوجيستي استخباراتي مع إسرائيل ومصر لمنع التهريب"، ويضيف "يجب أن تترافق عملية نزع السلاح مع خطة شاملة تدمج المقاتلين في أجهزة أمنية، لكن غياب الحل السياسي الجذري سيؤدي إلى فراغ أمني وانشقاقات وظهور مجموعات بديلة، ينظر للسلاح في غزة على أنه درع دفاع ضد إسرائيل، لذلك فإن وعود الإعمار والنهوض الاقتصادي لا تكفي".
ويوضح حنفي أن التجارب التاريخية في نزع السلاح عادة ما تأتي بعد اتفاقات سياسية تعالج الأسباب البنيوية للنزاع، وفي غزة فإن نزع السلاح من دون معالجة جذور المشكلة قد يؤدي إلى تجدد الحرب أو ظهور تشكيلات مسلحة بديلة.
ميدانياً، سكن إطلاق النار، وقادت السعودية جهوداً للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وتستعد مصر وفرنسا وتركيا لإرسال قوة دولية لغزة، وتتجهز الفصائل لمناقشة السلاح والوحدة الوطنية، فهل نحن على أعتاب خطوة نزع السلاح وفق نموذج بريطانيا في إيرلندا الشمالية، بخاصة أن توني بلير عاد للواجهة وما زال جوناثان باول في منصب رسمي، إذ يشغل مستشار الأمن القومي لستارمر؟