ملخص
الواقع أن مرغريت دورا، التي حققت بنفسها، وبتقنيات متقدمة وبارعة في استخدام اللغة السينمائية كما في إدارة الممثلين وبخاصة الممثلات، عدداً لا بأس به من أفلام يعد بعضها، مثل "سد على المحيط"، و"اختطاف لول"، و"إنديا سونغ" و"امرأة الغانج"، و"غياب طويل"، وغيرها من تحف سينمائية صغيرة، قادرة على أن تنتمي إلى سينما سوريالية لم تخطر على أية حال على بال أي من أساطين السوريالية في الأزمنة السابقة.
عندما أطلقت الصحافية الفرنسية فرانسواز جيرو اسم سينما "الموجة الجديدة" على مجموع تلك الأفلام التي ظهرت أواسط خمسينيات القرن الـ20 لتحدث واحدة من أروع الثورات في تاريخ الفن السابع في فرنسا، ولكن في العالم أيضاً، كانت التسمية بالنسبة إليها أقرب إلى أن تكون مزاحاً، وربما نوعاً من تهكم على محاولة السينما، لا سيما سينما تروفو وآلان رينيه وغودار ورومر وريفيت ورفاقهم، أن تصطبغ بقدر "مبالغ فيه" من الجدية تحت شعار سينما المؤلف، غير أن الاسم سرعان ما التصق بالتيار، بل حتى سرعان ما ارتبط بتيار الرواية الجديدة الذي كان في ذروته، والحقيقة أن ذلك الارتباط سيكون تحديداً على يد السينمائي آلان رينيه، الذي لم يكن من الواضح أنه يؤمن بسينما المؤلف، بالتالي رأيناه في أول فيلمين كبيرين له في مجال السينما الروائية، وهما "هيروشيما يا حبي" عن نص لمرغريت دورا، التي لم تكن تحسب نفسها بعد كروائية "جديدة"، و"العام الماضي في مارينباد" عن نص لآلان روب غرييه الذي كان يتزعم ذلك التيار الأدبي التشكيلي من دون منازع، رأيناه شكلياً في الأقل، يحقق أفلاماً عن نصوص أدبية تبدو وكأنها من كتابته. والغريب في الأمر أن أياً من هذين الكاتبين روب غرييه ودورا، لم يكن قبل تدخل آلان رينيه يأخذ السينما جدياً، كوسيلة تصلح للتعبير عن أدبه، كما أن رينيه نفسه، الذي بدا في إخراج للفيلمين أقرب ما يكون إلى سينما المؤلف، لن يكون سينمائياً مؤلفاً بالمعنى الذي قننه فرانسوا تروفو.
من حيث لا يدرون
إذاً، على يد هؤلاء الثلاثة ولدت تلك العلاقة الغريبة والمدهشة، بين السينما الفرنسية والأدب الروائي الفرنسي الجديد. فهل يمكننا الحديث هنا عن سوء تفاهم ما؟ لسنا ندري، لكننا نعرف تماماً أن أصحاب هذه الأسماء الثلاثة، أوصلوا العلاقة بين السينما والأدب الجديد بل الأكثر حداثة، إلى مستوى لا نظير له في أية سينما في العالم وليس فقط من جراء تعاونهم في الفيلمين اللذين ذكرناهما.
بل كذلك خصوصاً، لأن كلاً منهم استمرأ اللعبة على طريقته شديدة الخصوصية. ففي المقام الأول سيواصل رينيه تلاقيه مع الأدب الأكثر حداثة وطليعية، مقتبساً روايات من جورج سمبران وجان كايرول ومسرحيات من البوليفار في مسار شديد الغرابة والتنوع، ولكنه مغر للمتلقين دائماً حتى حين اشتغل على نصوص أدبية إنجليزية، في "العناية الإلهية" مثلاً. أما المصير السينمائي للمبدعين الآخرين فسيكون أكثر أهمية. فلعبة الإخراج السينمائي راقت لروب غرييه محولة إياه إلى مخرج سينمائي بالمعنى المتكامل للكلمة إذ إن تعاونه في "مارينباد" مع رينيه أغراه بالعمل على أن يحقق بنفسه أفلاماً لا تقل غرائبية و"سوريالية" عن الفيلم الأول، لا سيما منها ذلك الفيلم المدهش "انزلاق تدرجي للذة" الذي حققه في إسطنبول وعنها. فلئن عبر روب غرييه بهذه الطريقة عن تقديره لمبادرة آلان رينيه تجاه الأدب النخبوي وتجاهه هو كذلك، لا شك أن فيلمه الإسطنبولي كان رد فعله الإيجابية بدورها، تجاه المخرج الصديق، وكان مفتتحاً لاهتمام سينمائي، سيصل إلى عدد لا بأس به من كتاب الرواية الجديدة كنوع من تدخل في نصوص أفلام مقبلة وحتى في إخراجها. مع روب غرييه، إذاً، تحولت "مزحة فرانسواز جيرو" إلى ممارسة سينمائية نخبوية حقيقية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
سينمائية بامتياز
على رغم ذلك ظل إنتاج غرييه السينمائي نادراً منذ ذلك الحين، ظل نادراً ولو أن في وسع القارئ المدقق أن يعثر كيف أن كتابات غرييه التي شغلت مرحلة ما بعد السينما بالنسبة إليه، شهدت حضوراً للسينما يطغى حتى على كتاب مذكراته الذي أصدرها قبل سنوات قليلة من رحيله. على أية حال، كانت أقل كسلاً منه وأكثر طموحاً زميلته، الكاتبة مرغريت دورا، إذ تمكنت من أن تحول نفسها إلى سينمائية حقيقية بالمعنى الجدي وغير العارض، للكلمة. فاليوم حين يكتب تاريخ السينما الطليعية الفرنسية كما ظهر خلال الربع الأخير من القرن الـ20، سيكون من الإجحاف في حق الواقع التاريخي، كما في حق السينما وفي حق مرغريت دورا، ألا يصار إلى الحديث المسهب عنها بوصفها سينمائية على قدم المساواة مع كونها أديبة، وصحافية وكاتبة مسرحية، بل صاحبة واحدة من الروايات الأكثر شعبية وحداثة في تاريخ الأدب الفرنسي الحديث "العاشق" التي وزعت وبيعت في ملايين النسخ، وأفلمتها في شريط كان من الأنجح في تسعينيات القرن الـ20، فجاء الأقل نخبوية وطليعية بين أفلامها. للأسف في رأي كثر، صحيح أن "العاشق" كفيلم أتى كلاسيكياً وجماهيرياً وجميلاً في أجوائه وأسلوبه الإخراجي، غير أن مراجعة لفيلموغرافيا مرغريت دورا، أي لائحة رواياتها التي أفلمتها بنفسها، قد تقول لها إنها عرفت فيها جميعاً وأكثر مما في "العاشق" كيف تكون سينمائية مميزة، بل ملتقطة ناصية الفن السابع باحتراف مدهش، تماماً كما تبدو متمكنة من حرفة الكتابة الأدبية لا سيما، من بعد تجربتها في "هيروشيما يا حبي" مع آلان رينيه.
سينما حقيقية
فالواقع أن مرغريت دورا، التي حققت بنفسها، وبتقنيات متقدمة وبارعة في استخدام اللغة السينمائية كما في إدارة الممثلين وبخاصة الممثلات، عدداً لا بأس به من أفلام يعد بعضها، مثل "سد على المحيط"، و"اختطاف لول"، و"إنديا سونغ" و"امرأة الغانج"، و"غياب طويل"، وغيرها من تحف سينمائية صغيرة، قادرة على أن تنتمي إلى سينما سوريالية لم تخطر على أية حال على بال أي من أساطين السوريالية في الأزمنة السابقة. وفي هذا وحده على أية حال، يمكن دائماً وضع دورا وغرييه في خانة تصنيفية واحدة، والحديث عن وجود هائل وفريد نوعه للنخبوية - الشعبية في سينما فرنسية معينة، تستجيب وإن لم ترد أن تعترف بذلك، لنظرية "سينما المؤلف" التي صاغها فرنسوا تروفو يوماً، وهو غير دار بأنها ستكون جاذبة للكتاب أكثر مما للسينمائيين يوماً.