ملخص
من هدم العولمة هو اليمين المتطرف في أميركا وأوروبا في حين لا تزال الصين تدافع عنها. ومن أسقط النظام الأميركي العالمي هو ترمب الذي جاء إلى البيت الأبيض مقتنعاً بأن هذا النظام هو "عبء على أميركا وسلاح في يد خصومها"، كما قال وزير الخارجية ماركو روبيو.
العالم يتحرك بشكل دائري، وإن بدت حركته كأنها سير على خط متعرج إلى أمام. والقرون ليست مفصولة تماماً عن بعضها بعضاً، بحيث نعيش اليوم في شيء من القرن الـ19، وشيء من القرن الـ20، وشيء من القرن الـ21، إلى جانب من يعيش في القرن السابع وصراعاته وحروبه وأفكاره.
ففي أواخر القرن الـ20 سقط الاتحاد السوفياتي الذي تصور قادته أنه مستقبل العالم. وفي الربع الأخير من القرن الـ21 انتهى النظام الليبرالي العالمي الذي بنته أميركا بعد الحرب العالمية الثانية، وانتهت معه العولمة والأحادية الأميركية على قمة العالم، لكن سقوط الاتحاد السوفياتي الذي رآه الرئيس فلاديمير بوتين "أكبر كارثة جيوسياسية في القرن الـ20" لم يكن كما تصور فرنسيس فوكوياما "نهاية التاريخ". ونهاية الأحادية والعولمة والنظام الأميركي العالمي لم تصبح بداية نظام عالمي جديد مبني على صعود الصين وعودة روسيا وهبوط الولايات المتحدة وبروز الهند والجنوب العالمي.
ذلك أن اللعب الحاسم هو في المركز لا في الأطراف. والصراع على المصالح أقوى من الصراع على العقائد. ما أسقط الاتحاد السوفياتي هو موقف روسيا بقيادة الرئيس بوريس يلتسين، لا تمرد أو رغبات الجمهوريات الأخرى ضمن الاتحاد. أما استراتيجية "الاحتواء" التي مارستها واشنطن باقتراح من الدبلوماسي الرؤيوي جورج كينان، واندفاع الرئيس ميخائيل غورباتشوف في سباق تسلح مع الرئيس رونالد ريغان في وضع اقتصادي صعب، وتخفيف قبضة الـ"الكيه جي بي" على المواطنين في ظل سياسة إعادة الهيكلة والانفتاح "بيريسترويكا وغلاسنوست" فإنها، على قوة تأثيرها، لم تكن قادرة على إسقاط القلعة السوفياتية لو لم تقرر روسيا الخروج على الاتحاد.
وما أنهى العولمة والأحادية والنظام العالمي الأميركي هو سياسة "أميركا أولاً" بقيادة الرئيس دونالد ترمب. فلا انتقادات اليسار في العالم للعولمة والتكتل في "المنتدى الاجتماعي العالمي" لمواجهة "المنتدى الاقتصادي العالمي" في دافوس أسقطت العولمة. ولا دعوات روسيا والصين إلى نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب أسقطت النظام الأميركي العالمي والأحادية.
من هدم العولمة هو اليمين المتطرف في أميركا وأوروبا، في حين لا تزال الصين تدافع عنها. ومن أسقط النظام الأميركي العالمي هو ترمب الذي جاء إلى البيت الأبيض مقتنعاً بأن هذا النظام هو "عبء على أميركا وسلاح في يد خصومها" كما قال وزير الخارجية ماركو روبيو. وهو ارتاح إلى ما سماها مدير الاستخبارات المركزية السابق ويليام بيرنز "دبلوماسية همجية". وكانت "عقيدته" هي حرب الرسوم الجمركية والتجارة وحروب السياسات القومية تحت عنوان "أميركا أولاً".
والعالم اليوم، في مرحلة "عدم اليقين" كما قال الرئيس الصين شي جينبينغ على رغم الصعود الصاروخي لبلاده إلى القمة اقتصادياً وعسكرياً وتكنولوجياً. فلم تعد بكين تكتفي بما طلبه مسؤول صيني من البروفيسور زبغنيبف بريجنسكي مستشار الأمن القومي أيام الرئيس جيمي كارتر وهو "نحن نعلم أن أميركا في هبوط، ولكن نرجوكم أن تخففوا سرعة الهبوط" قبل أن تصل الصين إلى الموقع المناسب لتصبح "قوة عظمى علمية".
وما عاد بوتين يلح على شراكة قوية مع الغرب بمقدار ما يركز على مواجهة الغرب و"زرع الشوك على طريق أميركا". فهو في حرب غير مباشرة مع "الناتو" عبر حربه ضد أوكرانيا، وهو احتاج إلى "شراكة بلا حدود" مع الصين وشراكات استراتيجية مع كوريا الشمالية وإيران، بالتالي إلى تحالف جديد بين الدول التي تشكل "محور الاضطراب" حسب أندريا كيندال - تايلور وريتشارد فونتين في مقال نشرته "فورين أفيرز". والقاسم المشترك بين أركان المحور المؤلف من روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران هو "الاعتراض على النظام العالمي الذي لا يراعي مكانتهم ولا يترك لهم حرية الحركة في "الجوار القريب" بالنسبة إلى روسيا، و"تايوان وبحر الصين الجنوبي" بالنسبة إلى الصين، و"محور المقاومة" والنفوذ في العراق ولبنان وسوريا واليمن "بالنسبة إلى إيران و"توحيد شبه الجزيرة الكورية" بالنسبة إلى كوريا الشمالية.
وإذا كان ترمب يرى أنه يستطيع، بقوة أميركا، إجبار بلدان العالم على تلبية ما يريده، فإن الوقائع معاكسة، لا فقط في "محور الاضطراب" بل أيضاً في محاور الحلفاء والأصدقاء في أوروبا وآسيا. وليس هناك اليوم نظام عالمي. لا أحادي أميركي، ولا ثنائي أميركي - صيني، ولا ثلاثي أميركي – صيني - روسي. هناك تعددية أقطاب بلا نظام. "تنافس وتعاون وصراع" حسب الظروف. صراع لا توازن. وغلبة لا تسوياًت. يوماً يبدو ترمب كأنه يريد "التعاون مع الصين وروسيا بدل التنافس في مرحلة" هبوط التنافس بعد صعوده بين القوى الكبرى"، حسب ستا سي غودارد.
ويوم آخر يجد الرئيس الجمهوري نفسه أمام "عودة دبلوماسية القوى الكبرى"، على حد تعبير ويس ميتشل الذي يعتقد "أن أميركا أخطأت في التسعينيات، إذ بدل الحيلولة دون صعود الصين بعد الاتحاد السوفياتي استخدمت دبلوماسية التجارة لإزالة الحواجز التي تمنع التوسع الصيني".
وكل محاولة لإعادة ضبط العالم في مرحلة ما بعد الحرب الباردة اصطدمت بحرب باردة جديدة مرشحة لأن تكون طويلة، وحرب حارة في قلب أوروبا، لا في البلقان، عبر الحرب الروسية ضد أوكرانيا. فالأمن الجماعي مهمة مستحيلة. والممكن هو الحد من تجاوز الخطوط الحمر من خلال توازن الرعب النووي وموازين المصالح التي تعدل موازين القوى.
وحين كشف ترمب عن مشروع بناء "القبة الذهبية" في الفضاء قبل تحويل مسمى وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب اعترضت روسيا والصين بحجة أن ذلك يزيد من اللاتوازن في القوى ويضيف أحمالاً ثقيلة على الاقتصاد. وإذا كان الاقتصاد الصيني هو الثاني عالمياً بعد نظيره الأميركي، فإن الدخل القومي لروسيا المقدر بتريليوني دولار لا يكاد يوازي دخل نيويورك وحدها، ويشكل أقل بقليل من نصف اقتصاد كاليفورنيا المقدر بـ4.6 تريليون دولار.
ولا شيء يوحي أن أميركا وأوروبا على عتبة "الاستثمار الآن في مقاومة روسيا أو دفع ثمن أكبر في المستقبل"، حسب تايلور وكوفمان. ولا بالطبع أن أوروبا ستكمل المعادلة التي وضعها ريجيس دوبريه في كتاب "إمبراطوريات ضد أوروبا"، وهي "أن أميركا تهيمن على كل شيء ولا يمكن إنهاء الإمبراطورية السوفياتية في الشرق من دون إنهاء الإمبراطورية الأميركية في الغرب". فالاتحاد السوفياتي انتهى وأميركا باقية، وأوروبا لا تستطيع الاستغناء عن أميركا، أو أقله عن الأمن تحت مظلتها النووية.
غير أن التحدي الكبير لأميركا تمثله الصين، لا روسيا. فاللعبة هي السيطرة على أوراسيا. ويقال إن من يسيطر على السهل الأوراسي (الهارتلاند) يسيطر على العالم. وهذه لعبة أكبر من اللاعب الروسي. والصين لم تعد مجرد قوة برية، إذ صارت تتقدم على أميركا في بناء الغواصات. وأميركا كانت دائماً أكثر من قوة بحرية في (الريملاند) تفوق قوة الهارتلاند وتمنعها من الخروج إلى المحيطات. ومن الصعب أن تكون إمبراطورية المال والسلطة أو "الإقطاع التكنولوجي"، هو النموذج البديل من إمبراطوريات الغرب والشرق. والأصعب هو أن تصبح ما سماها سمير أمين "الإمبريالية الجماعية" التي تمثلها أميركا والاتحاد الأوروبي واليابان هي البديل من "الإمبرياليات الوطنية" في أميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا. فلا أحد، كما يقول الرئيس شي، يستطيع وقف التوجه التاريخي للصين نحو "إعادة الوحدة مع تايوان" وأن تصبح "آسيا للآسيويين" من دون أية قوة أميركية أو أوروبية.
لكن الصين التي كانت قبل ألف عام قوة عظمى ثم سيطرت عليها وأذلتها القوى الغربية واليابان تتقدم على أوروبا وقريباً على أميركا في الإنتاج كما تتقدم استراتيجياً. وهي تعلمت من الغرب لتسبقه على طريقة إمبراطورية سلالة مينغ في القرن الـ19 التي تعاملت مع الغرب، ولكن تحت شعار "صين غنية وجيش قوي، الصين للجوهر والغرب للاستعمال". وإذا كان الرئيس شي يصنف نفسه بأنه "ماركسي القرن الـ21"، فإن 120 ألف صيني يتعلمون الروسية مقابل 300 مليون صيني يتعلمون الإنجليزية. وإذا كانت أميركا تتفوق على الصين وروسيا في التحالفات، من الناتو إلى أوكوس وكواد والتحالف مع اليابان وكوريا الجنوبية والشراكات في الشرق الأوسط، فإن ترمب بدأ يمارس سياسة التخلي عن التحالفات. وإذا كانت أميركا تركز على النوعية قبل الكمية، فإن الصين تتقدم في الكمية والنوعية وتتبنى مع روسيا مبدأ الاتحاد السوفياتي، "في الكمية نوعية في حد ذاتها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما القوة الجديدة المرشحة لأن تكون في منتصف القرن الحالي لاعباً قوياً سياسياً واقتصادياً وتكنولوجياً، فإنها "الجنوب العالمي"، لكن الجنوب العالمي تعبير يتجاوز الجغرافيا. والتفاوت بين بلدانه كبير. والسباق على قيادته قائم بين الصين وروسيا والهند، وهي قوى عظمى بصورة أو بأخرى لا علاقة لها بالجنوب العالمي الذي لا تزال دولة الفقيرة أكثر من دولة الغنية، ولا شيء يجمع أفغانستان وجنوب أفريقيا مثلاً سوى الشكوى من الهيمنة الغربية على الطريق إلى الشكوى من هيمنة الصين وروسيا والهند التي تعد نفسها "قوة على عتبة القوة العظمى". وهذا عالم يعاني سياسة "أميركا أولاً" التي يمارسها ترمب ويوحي أنه لا يريد تضييع وقته في التعامل مع الجنوب العالمي.
والسؤال هو كيف يدار العالم في مثل هذه الأوضاع؟ وهل بقيت أميركا "البلد الذي لا يستغنى عنه" أم صار من الممكن قيام "نظام عالمي من دون أميركا"، كما يرى الأستاذ في أوكسفورد نغير وودس؟ وهل يمكن أن تمارس القوى الكبرى سياسة "التنافس والتعاون والصراع"، حسب الظروف من دون أزمات كبيرة؟ وهل تستطيع الصين وروسيا تحمل مسؤوليات أميركا في العالم؟ ومن أعطى أميركا الحق في السعي إلى الحيلولة دون وصول بكين وموسكو إلى قمة العالم وعدم معاملتهما كشريكين؟ وهل هناك مكان لنظام عالمي تحت عنوان "العالمية السياسية" التي تدعو إليها رئيسة مؤسسة "نيو أميركا" ماري آن سلوتر، أساسها "الاهتمام بالناس لا بالصراعات بين الدول"، وأن يكون مقياس التنافس بين أميركا والصين وروسيا هو "توفير البنية الأكثر نظافة لشعبها مع زيادة رفاهيته ومساعدة البلدان النامية على التخلص من الكربون وتحسين بنيتها التحتية"؟ لا أجوبة حكيمة عن هذه الأسئلة في عالم القوى الكبرى التي تتنقل بين "التنافس والتواطؤ".
وما من نظام عالمي واحد إلا بعد حرب كبيرة، نظام "كونسرت أوروبا" بعد حروب نابليون في بدايات القرن الـ19 القائم على احترام حدود البلدان الأوروبية على رغم التفاوت بينها في القوة، ونظام ما بعد الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية. حتى حرب أوكرانيا، لا فقط حرب غزة وحرب إيران، فإنها أصغر من أن تقود إلى نظام عالمي جديد. والمرجح حتى الآن هو صراع وغلبة لا توازن. والغائب هو القيادة العالمية الحكيمة. والكل يخاف من حرب كبيرة وسط القول إن الأميركيين والصينيين "سائرون في النوم" إلى حرب من أجل العظمة، إن لم تكن تايوان كافية. والعالم ينتقل من أحلام النظام المثالي إلى كابوس اللانظام العالمي وسط تعدد الأقطاب وتهميش دور الأمم المتحدة.