ملخص
لا يمكن للعراق، الذي يعاني تعثراً في نموه الاقتصادي، المخاطرة بتلقي إجراءات عقابية من جانب الولايات المتحدة، التي سبق أن فرضت عقوبات على كيانات عراقية اتهمتها بمساعدة طهران بالالتفاف على العقوبات.
في المشهد العراقي اليوم أزمة سياسية حادة وتدخل أميركي معلن في شؤونه الداخلية وخطر حرب في إيران المجاورة، فهل يمكن أن يجر العراق مجدداً إلى اضطرابات شهدها في الماضي وبالكاد بدأ يتعافى منها؟
بعد عقود من النزاعات التي عاثت خراباً وفوضى في البلاد، بدأ العراق في الآونة الأخيرة يشهد استقراراً نسبياً، غير أن السياسة فيه معبدة بخلافات وبصعوبة الموازنة في العلاقات مع إيران والولايات المتحدة.
ويعد تشكيل حكومة في بغداد مهمة معقدة، غالباً ما تتأثر بمصالح طهران وواشنطن ونفوذهما السياسي.
وهدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذا الأسبوع بوقف كل دعم لبغداد في حال عودة المرشح لرئاسة الوزراء نوري المالكي للسلطة، بينما يمارس موفدون من الإدارة الأميركية ضغوطاً في الكواليس في الاتجاه نفسه على السياسيين العراقيين.
ويرى المحلل السياسي إحسان الشمري أن "إدارة الرئيس ترمب لا تميز بين إيران من جهة والعراق من جهة أخرى، بل تجدهما ملفاً واحداً تتعاطى معه من دون أن تفصل" بينهما.
ما الوضع السياسي في العراق راهناً؟
بعد انتخابات تشريعية في نوفمبر (تشرين الثاني) وتجاذبات سياسية طويلة، أعلن "الإطار التنسيقي"، وهو تحالف يضم أحزاباً شيعية مقربة من طهران ويشكل الكتلة الأكبر في البرلمان، السبت ترشيح المالكي لرئاسة الحكومة المقبلة.
وسبق للمالكي (75 سنة) أن تولى رئاسة الحكومة بين عامي 2006 و2014 لولايتين شهدتا محطات مفصلية في تاريخ العراق الحديث، بينها انسحاب القوات الأميركية، واحتدام العنف الطائفي، وسيطرة تنظيم "داعش" على مساحات واسعة من الأراضي العراقية.
وشهدت علاقاته بواشنطن فتوراً خلال ولايته الثانية مع تنامي علاقاته مع إيران.
واعتبر ترمب الثلاثاء عبر منصته "تروث سوشال"، أن المالكي "خيار سيئ للغاية"، مهدداً بأنه "بسبب سياساته وأيديولوجياته المجنونة، إذا جرى انتخابه، فإن الولايات المتحدة الأميركية لن تقدم مستقبلاً أي مساعدة للعراق"، ويعقد هذا التصريح الأمور في بغداد.
وأفاد مصدر مقرب من "الإطار التنسيقي" وكالة "فرانس برس" بأن المحادثات جارية ضمن التحالف للبحث في المرحلة المقبلة، خصوصاً بعد تصريح ترمب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويسود "الإطار التنسيقي" انقسام، بحسب مصادر سياسية، إذ يحث بعض قادته المالكي على الانسحاب لحماية العراق من تهديدات ترمب، فيما يصر آخرون على التمسك بموقفهم ورفض التدخل الأميركي.
وقال مسؤول عراقي مقرب من المالكي إن هذا الأخير "لا يسعى إلى التصادم" مع الإدارة الأميركية، إنما فريقه يعمل على "إيجاد تفاهمات معها". وأضاف "الوضع صعب لكنه ليس مستحيلاً"، متابعاً "سيحتاج ذلك إلى وقت".
ما الذي على المحك بالنسبة إلى العراق؟
تتمتع الولايات المتحدة بنفوذ كبير في العراق، خصوصاً أن عائدات صادرات البلاد النفطية تودع في الاحتياط الفيدرالي في نيويورك، بموجب ترتيب جرى التوصل إليه بعد الغزو الأميركي في عام 2003 الذي أطاح بحكم صدام حسين.
وانخرطت شركات أميركية عدة في السنوات الأخيرة في استثمارات ضخمة في العراق، فيما تدعو حكومة محمد شياع السوداني الذي تربطه بواشنطن علاقة جيدة، إلى مزيد من الاستثمارات خصوصاً في قطاع النفط الذي يوفر نحو 90 في المئة من عائدات البلد.
وتحدث المصدر المقرب من "الإطار التنسيقي" عن قلق بالغ من أن يفرض ترمب عقوبات على العراق، إذا عاد المالكي لمنصبه.
ولا يمكن للعراق، الذي يعاني تعثراً في نموه الاقتصادي، المخاطرة بتلقي إجراءات عقابية من جانب الولايات المتحدة، التي سبق أن فرضت عقوبات على كيانات عراقية اتهمتها بمساعدة طهران بالالتفاف على العقوبات.
ويحذر الشمري من أنه في حال "مضى العراق في معادلة وبصمة إيرانية" في الحكومة المقبلة، ستكون البلاد "أمام نقطة تحول كبيرة" تتمثل بـ"عزلة قد تفرض على العراق نتيجة عقوبات أو عمليات سياسة الضغوط القصوى التي يمارسها الرئيس ترمب، وتمتد للاقتصاد والمال".
ماذا يحصل في حالة الحرب في إيران؟
يصعب في العراق إبقاء الجارة إيران بعيدة، خصوصاً في ظل سعيها إلى الحفاظ على مكتسباتها في بلد شكل منفذاً رئيساً لتوسع دورها الإقليمي في العقدين الأخيرين، وفي وقت مني حلفاؤها الإقليميون بخسائر بالغة منذ الحرب في قطاع غزة.
وتمسك طهران منذ سنوات بمفاتيح في العراق، عبر أحزاب شيعية كان لها دور رئيس في تسمية رؤساء الحكومات ومنهم السوداني، أو عبر فصائل مسلحة موالية لها تشكل جزءاً أساسياً من ما يسمى بـ"محور المقاومة" الذي تقوده، والمناهض للولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة.
وكثيراً ما تعهدت هذه الفصائل بالتدخل للدفاع عن إيران، على رغم أنها لم تفعل ذلك مثلاً خلال الحرب التي تواجهت فيها إسرائيل وإيران على مدى 12 يوماً في يونيو (حزيران).
وفي ظل تهديد ترمب بتدخل عسكري في إيران وتعهد هذه الأخيرة بـ"رد ساحق"، أعلن هذا الأسبوع فصيلان عراقيان بارزان هما كتائب "حزب الله" وحركة "النجباء" استعدادهما للحرب الشاملة، واستحدثا مراكز للتقدم بطلبات التطوع لتنفيذ عمليات ضد "الأعداء"، إسناداً لإيران.
ويحذر الشمري من أن حرباً أميركية على إيران من شأنها أن تحول العراق إلى "ساحة حرب، أو منصة رد، أو منصة ضغط عسكرية".
ويرى أن تهديدات واشنطن "بإسقاط النظام الإيراني واستهداف المرشد الأعلى (علي خامنئي) وشن ضربة عسكرية سيكون لها صدى كبير جداً على المستويات كافة في الداخل العراقي".
ويضيف "إذا سقط النظام في إيران، ستضطر القوى الحليفة لها في العراق إلى خوض صراع وجودي عسكري وسياسي"، وبالتالي "قد نكون أمام سيناريو جديد يتمثل بإعادة تكييف النظام السياسي في العراق".