مكافحة الفساد في المغرب... نيات حكومية ولا إرادة سياسية

يَعتبر بعض المراقبين أن المواطنين لم يروا في الواقع أثراً للاستراتيجية الوطنية

يشدد الملك المغربي محمد السادس على ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة التي ينص عليها الدستور (وكالة المغرب العربي للأنباء)

على الرغم من تأكيد السلطات المغربية مكافحة الفساد، استطاع المغرب التقدم ثلاث نقاط في مؤشر إدراك الفساد لعام 2018، الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية. فقد انتقل من الدرجة 40/100 عام 2017 إلى 43/100 في 2018.

شدد الملك المغربي محمد السادس، في خطاب لمناسبة انطلاق الدورة التشريعية الجديدة، على ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة التي ينص عليها الدستور، حيث اعتبر ملك المغرب ان "المرحلة الجديدة تبدأ من الآن، وتتطلب انخراط الجميع، بالمزيد من الثقة والتعاون، والوحدة والتعبئة واليقظة...، وبما أن الإدارة موضوعة تحت تصرفها، فإن عليها أن توظف كل الوسائل، لا سيما المعطيات الإحصائية، والآليات المتعلقة بالتفتيش والمراقبة، بما يضمن النجاعة في تنفيذ القرارات، في إطار الشفافية والتعاون والانسجام، بين مختلف المتدخلين، ولا مجال هنا للتهرب من المسؤولية، في ظل التطبيق الصارم لربط المسؤولية بالمحاسبة".

يذكّر الخبير المغربي في الحكامة ومكافحة الفساد محمد براو بأن الحكومة اتخذت إجراءات عقابية بحق بعض المسؤولين الإداريين الواردة عنهم ملاحظات في تقارير المجلس الأعلى للحسابات، فضلاً عن بعض حالات المتابعة الجنائية بالاستناد إلى أشغال اللجنة التي اشتغلت على التقارير السنوية للمجلس الأعلى للحسابات في وزارة العدل، واعتمد الملك على تقرير المجلس الأعلى للحسابات في اتخاذ قرارات عقابية عام 2018 اصطلح عليها بالزلزال السياسي، همت بعض الوزراء وكبار المسؤولين في وزارة الداخلية على خلفية الاختلالات التي سجلت في برنامج "الحسيمة منارة المتوسط".

إعلان نيات 

في ظل الإجراءات التي تقوم بها السلطات المغربية لمكافحة الفساد، يَعتبر بعض المراقبين أن توجه الحكومة مجرد إعلان نيات. ويرى محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، في حديث مع "اندبندنت عربية" أن المواطنين لم يروا في الواقع أثراً للاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد التي أنجزتها الحكومة، على الرغم من احتوائها على العديد من الإجراءات، وعلى الرغم من الميزانية الضخمة التي خُصصت لها، في ظل تنامي حجم الفساد، وبروز أثرها في مختلف المشاريع والبرامج العمومية المنجزة.

ويعتبر الغلوسي أن تقارير المجلس الأعلى للحسابات خير دليل على ذلك، لكونها رصدت العديد من الاختلالات في العديد من المؤسسات.

تحديات 

يشير خبراء إلى وجود العديد من العوائق التي تُصعب مهمة مكافحة الفساد في المغرب. يُجملها الخبير محمد براو في أحد بحوثه في أربعة تحديات. 

التحدى الأول مرتبط بجدية الإرادة السياسية لمحاربة الفساد. 

ويُرجع التحدي الثاني إلى الاختلالات والنواقص على مستوى الإطار القانوني والمؤسساتي وضعف الأداء المؤسساتي في هذا الشأن، ولا سيما محدودية فعالية النظام الوطني للنزاهة بوجه عام، وعلى مستوى منظومة المحاسبة بوجه خاص. 

ويتمثل التحدي الثالث في الضعف المسجل على مستوى الموارد والقدرات، والبطء في تفعيل مؤسسات الحكامة، والخلط بين تحسين الحكامة ومحاربة الفساد. 

فيما يتجلى التحدي الرابع في الصعوبات الملحوظة على مستوى إدماج المجتمع المدني في الجهود الرسمية، وشيوع ثقافة التطبيع مع الفساد.

غياب إرادة سياسية  

يعتبر الغلوسي أن الإجراءات التي تقوم بها الحكومة والنوايا التي تُعبرعنها تبقى غير فعالة في غياب إرادة سياسية للتصدي لمظاهر الفساد، من رشوة ونهب للمال العام والإفلات من العقاب. فالمؤسسات التي أنيطت بها مهمات تخليق الحياة العامة تبقى غير فعالة، إذ ما زالت الهيئة المركزية للحماية من الرشوة تصارع من أجل إصدار قانون يوسع من مهماتها، ولا يزال المجلس الأعلى للحسابات يفتقد إلى العديد من الشروط الضرورية لممارسة مهماته. 

ويخلص الغلوسي إلى أن الأمر أعمق من مجرد آليات وقوانين ومؤسسات، على أهميتها. ويشدد على ضرورة وجود جرأة ووضوح وإرادة سياسية حقيقية للتصدي للفساد والرشوة، نظرا للتأثير الكبير لتلك الآفة على الوضع الاقتصادي والاجتماعي المغربي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مهما كانت أهمية البرامج التنموية وقوتها وطموحها، فإن مآلها الفشل أمام تفشي الفساد في الإدارة وأثناء انجاز المشاريع العمومية وعند وضع الميزانية العامة، وفق الغلوسي الذي يضيف "في ظل غياب مناخ يضمن الشفافية والحكامة ويقطع مع الإفلات من العقاب، لا يمكن للحكومة أن تواجه تلك المعضلة الكبيرة بمجرد نوايا، هناك غياب لمؤشرات في عمل السلطة التنفيذية تُفيد بجديتها في إنهاء ظاهرة الفساد التي يزداد مداها وعمقها في النسيج الاجتماعي والإداري عوض أن يتقلص".

محطات 

ويروي الخبير محمد براو أن موضوع الفساد كان من المحرمات في المغرب حتى النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، أي مع حكومة عبد الرحمن اليوسفي، الذي عمل على فتح هذا الملف مدشنا المرحلة الأولى من سياسات مكافحة الفساد في المغرب، ما استدعى استجابة من طرف الدولة ومؤسساتها. 

يضيف براو أن المرحلة الثانية (فترة حكومة عباس الفاسي، 2007- 2012) انطلقت بشروع المغرب في تنفيذ خطة ملاءمة بين مقتضيات الاتفاقية الدولية وتشريعاته الوطنية. وشهدت هذه المرحلة حدثاً بارزاً، هو تفعيل دور المجلس الأعلى للحسابات في التصدي لمظاهر سوء التدبير والفساد الإداري والمالي. ومع أن الترتيب العالمي للمغرب لم يتحسّن، فقد كان التحول الأساسي في استراتيجية الدولة في مجال محاربة الفساد هو التفعيل العملي للمجلس الأعلى للحسابات ابتداء من سنة 2007، فتبوأ المجلس وبسرعة مكانة الصدارة ضمن الأعمدة الأساسية في منظومة النزاهة في المغرب، نظراً لامتلاكه دراية بحقائق التدبير الإداري والمالي العمومي.

الاستراتيجية الوطنية 

على الرغم من هذه الجهود، يرى براو أن سياسات مكافحة الفساد لم تستثمر المناخ السياسي الملائم في أعقاب دستور 2011، ومن حالة التعبئة الوطنية ضد الفساد التي تمخضت عن تفاعلات الحراك الشعبي، وظلت تلك السياسات تشكو من غياب رؤية استراتيجية عملية وبعيدة المدى، مجسدة في خريطة طريق محددة الأهداف والمواقيت. وقد تجلى ذلك في تأخر إطلاق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد التي لم يعلن عنها إلا في نهاية عهد حكومة عبد الإله بنكيران (2017)، ولم يشرع في تنفيذها إلا في سنة 2018، بعدما تسلم خلفه سعد الدين العثماني المنتمي إلى الحزب نفسه رئاسة الحكومة. ويمكن اعتبار تاريخ بداية تنفيذ الاستراتيجية المذكورة بمثابة إشارة الانطلاقة للمرحلة الثالثة في سياسات مكافحة الفساد في المغرب، وفق تعبيره.

المزيد من العالم العربي