ملخص
تمتلك باكستان أنظمة إطلاق جديدة وأربعة مفاعلات لإنتاج البلوتونيوم وبنية تحتية متنامية لتخصيب اليورانيوم مع مخزون من الأسلحة النووية لديه القدرة على الزيادة بشكل أكبر خلال الأعوام القليلة المقبلة.
من بين دول النادي النووي تواصل باكستان وبحذر واضح وعبر سياسة نووية توصف بالغامضة أحياناً ولكنها فعالة للغاية، عمادها يقوم على تحديث ترسانتها النووية تدريجاً، وذلك من خلال أنظمة إطلاق محسنة وجديدة، وصناعة متنامية لإنتاج المواد الانشطارية.
وأظهر تحليل لصور الأقمار الاصطناعية التجارية لعمليات البناء في حاميات الجيش الباكستاني وقواعد القوات الجوية أخيراً، ما يبدو أنه منصات إطلاق ومنشآت أحدث قد تكون مرتبطة بالقوات النووية.
وخصصت أبرز مواقع الأسلحة النووية الأميركية مطلع سبتمبر (أيلول) الجاري مساحة كبيرة للحديث عن ترسانة الأسلحة النووية الباكستانية. ونشرت بعض هذه المواقع جداول وصوراً دقيقة حول ترسانة هذا البلد المسلم النووية، مركزة على عقيدة إسلام آباد النووية التي وصفتها بأنها "غامضة"، وسلطت الضوء على أول تجربة ناجحة لصاروخ كروز "رعد" المطور محلياً منذ عام 2016 وغيرها من الأحداث.
الصراع مع الهند
يبقى الصراع الطويل والمعقد مع الهند بمثابة أهم تحد تواجهه القدرات الباكستانية النووية، إذ احتل هذا الصراع مكانة كبيرة من الدراسة وكان من أبرز نقاط تحولات البحث.
وأجرى هذا البحث المهم فريق مشروع المعلومات النووية التابع لاتحاد العلماء الأميركيين والمكون من أربعة من أهم الباحثين في هذا الاختصاص وهم المدير هانز م كريستنسن، والمدير المساعد مات كوردا، وزميلا البحث الرئيسان إليانا جونز وماكنزي نايت-بويل.
ونظراً إلى أهميتها أتيحت هذه المقالة تحت عنوان (الأسلحة النووية الباكستانية 2025) في مجلة "نشرة علماء الذرة" الرقمية الصادرة عن دار تايلور وفرانسيس للنشر في الولايات المتحدة وعبر رابط خاص مع تصريح بالاستشهاد بهذه المقالة من كتابها الأربعة.
وثائق مهمة
كان من بين الوثائق الرئيسة التي عرضها البحث جدول يوضح تفاصيل الأسلحة النووية في الجو والبر والبحر، وسمي الجدول رقم واحد للأسلحة النووية الباكستانية لعام 2025، فيما استهل كتاب المقالة الأربعة هذه الدراسة المفصلة بالقول "مع تطوير كثير من أنظمة الإطلاق الجديدة، وأربعة مفاعلات لإنتاج البلوتونيوم، وبنية تحتية متنامية لتخصيب اليورانيوم، فإن مخزون باكستان من الأسلحة النووية لديه القدرة على الزيادة بشكل أكبر خلال الأعوام القليلة المقبلة".
ووفق هؤلاء فإن حجم هذه الزيادة يعتمد على عوامل عدة "بما في ذلك عدد منصات الإطلاق القادرة على حمل رؤوس نووية التي تخطط باكستان لنشرها، وكيفية تطور استراتيجيتها النووية"، إضافة إلى عامل مهم آخر وهو مدى نمو الترسانة النووية الهندية. ويقول المتخصصون الأربعة "نقدر أن مخزون البلاد قد ينمو إلى نحو 200 رأس حربي بحلول أواخر العقد الحالي، ولكن ما لم توسع الهند ترسانتها بصورة كبيرة أو تزيد من تعزيز قواتها التقليدية، فمن المنطقي توقع ألا تنمو ترسانة باكستان النووية بصورة كبيرة، بل قد تستقر مع اكتمال برامج أسلحتها الحالية".
ومن الضروري هنا الاشارة إلى أن التقديرات والتحليلات الواردة في هذا الموقع الإلكتروني النووي مستمدة بصورة شبه كاملة من مجموعة من المصادر المفتوحة ومنها بيانات حكومية، وهي الوثائق التي رفعت عنها السرية، ومعلومات الموازنة، والاستعراضات العسكرية الباكستانية، وبيانات غير حكومية مثل التقارير الإعلامية، وتحليلات مراكز الأبحاث، ومنشورات صناعية، إضافة إلى صور الأقمار الاصطناعية التجارية، ولأن "كل مصدر من هذه المصادر يوفر معلومات مختلفة ومحدودة، وتخضع لدرجات متفاوتة من عدم اليقين"، أكد الباحثون أنهم تحققوا من كل نقطة من هذه البيانات باستخدام مصادر عدة، وأكملوها بمحادثات خاصة مع المسؤولين كلما أمكن ذلك.
ماذا تمتلك باكستان؟
تحت عنوان فرعي عن المواد الانشطارية والرؤوس الحربية وإنتاج الصواريخ، أوضح الباحثون أن باكستان تمتلك "مجمعاً راسخاً ومتنوعاً لإنتاج المواد الانشطارية آخذاً في التوسع"، ويشمل ذلك المجمع أربعة مفاعلات لإنتاج البلوتونيوم بالماء الثقيل في "مجمع خوشاب" تحديداً، وجرى الانتهاء من ثلاثة منها خلال الأعوام الـ15 الماضية.
ووفقاً لأحد التقديرات فقد تكون قوة المفاعل الرابع والأحدث ضعف قوة المفاعلات الثلاثة الأخرى تقريباً، وربما يكون قد تم الانتهاء من منشأة إعادة معالجة يعتقدون بوجودها في "تشاسما" على رغم أن الوضع التشغيلي لها غير واضح حتى الآن.
محطة كاهوتا
يجري إنتاج اليورانيوم العالي التخصيب في محطة "كاهوتا" لتخصيب اليورانيوم شرق إسلام آباد، وربما يكون قد جرى الانتهاء من محطة تخصيب ثانية في "جادوال" شمال العاصمة أيضاً، وذلك وفق تقارير صحافية نشرت في 2018، "إلا أن عدم اليقين في شأن قدرة موارد اليورانيوم الباكستانية وحالها التشغيلية لا يزال كبيراً"، وذلك وفق تقارير للهيئة الدولية للمواد الانشطارية المنشورة العام الحالي.
وعلى رغم أنه لا يعلن بكثرة في باكستان من طريقة إنتاج الرؤوس الحربية النووية، يعتقد المراقبون أن مصانع الذخائر قرب "واه" شمال غربي إسلام آباد تؤدي دوراً في ذلك، إذ يقع أحدها قرب منشأة فريدة تضم ستة مخابئ وصفها الباحثون في هذه الدراسة بأنها تحت الأرض، وبكونها عبارة عن "أكواخ جليدية داخل محيط أمان متعدد الطبقات مع حراس مسلحين".
الرؤوس الحربية الباكستانية
اعتباراً من بداية عام 2024 قدرت اللجنة الدولية للمواد الانشطارية أن باكستان تمتلك مخزوناً يبلغ نحو 5300 كيلوغرام من اليورانيوم العالي التخصيب الصالح للاستخدام في الأسلحة (مخصب بنسبة 90 في المئة)، ونحو 580 كيلوغراماً من البلوتونيوم الصالح للاستخدام في الأسلحة.
وبافتراض أن النواة الصلبة لكل رأس حربي من الجيل الأول من النوع الانفجاري تستخدم ما بين 15 و18 كيلوغراماً من اليورانيوم العالي التخصيب الصالح للاستخدام في الأسلحة أو ما بين خمسة وستة كيلوغرامات من البلوتونيوم، فإن هذه المادة الانشطارية ستكون كافية نظرياً لإنتاج ما يصل من 211 إلى 453 رأساً حربياً قائماً على اليورانيوم العالي التخصيب، و96 إلى 116 رأساً حربياً قائماً على البلوتونيوم إذا استنفدت بالكامل، أو ما مجموعه افتراضياً 308-569 رأساً حربياً.
وتشير الدراسات إلى أنه ربما تكون تصاميم الرؤوس الحربية الباكستانية قد خضعت مع الوقت لبعض التكرار وأصبحت أكثر كفاءة من غيرها.
القدرة النووية القصيرة المدى
يعد صاروخ "نصر" الباكستاني (المعروف أيضاً باسم حتف-9) من الأمثلة المهمة على القدرة النووية القصيرة المدى للترسانة النووية الباكستانية، كذلك تمتلك باكستان طيفاً كاملاً من الأسلحة النووية في ثلاث فئات (استراتيجية وعملياتية وتكتيكية) مع تغطية شاملة للكتلة الأرضية الهندية الشاسعة وضواحيها.
مبدأ الردع الشامل
خلال مايو (أيار) 2024 نقل عن الفريق المتقاعد خالد كيدواي وهو الرئيس السابق لهيئة القيادة الوطنية الباكستانية ومستشارها حالياً، التي تشرف على تطوير الأسلحة النووية ومبادئ استخدامها، تصريحات وضحت جوانب من مبدأ الردع الشامل لدى باكستان.
ويشمل "الردع الشامل" لباكستان جانبين رئيسين، يسمى الجانب الأول بـ"الثالوث" النووي الباكستاني، الذي يشمل قيادة القوة الاستراتيجية للجيش، وقيادة القوة الاستراتيجية البحرية، والقيادة الاستراتيجية للقوات الجوية، أما الجانب الثاني من مبدأ الردع فيشير إلى ثلاثة مستويات من القوة التدميرية وهي (الاستراتيجي والعملياتي والتكتيكي) إضافة إلى نطاق تغطية "من صفر متر إلى 2750 كيلومتراً"، مما يسمح لإسلام آباد باستهداف الهند بأكملها.
قدرات عسكرية
والطائرات التي يرجح أن يكون لها دور في نقل الأسلحة النووية هي سربا المقاتلات الباكستانيان ميراج 3 وميراج 5. وتتمركز قاذفات الميراج المقاتلة التابعة لسلاح الجو الباكستاني في قاعدتين هما - وفق موقع علماء الذرة - "مسرور" و"رفيقي".
وتضم قاعدة "مسرور" الجوية خارج كراتشي الجناح 32 بثلاثة أسراب من طائرات الميراج، السرب السابع والسرب الثامن المسمى "حيدر"، والسرب 22ن "غازي". وتتضمن قاعدة "مسرور" حظيرة تأهب محتملة مزودة بإمكان تخزين أسلحة تحت الأرض، فيما يقع موقع تخزين محتمل للأسلحة النووية على بعد خمسة كيلومترات شمال غربي القاعدة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقاعدة ميراج الأخرى هي قاعدة "رفيقي" الجوية قرب شوركوت التي تضم الجناح 34 مع سربين من طائرات ميراج، السرب 15 (كوبرا) والسرب 27 (زاراس). ووفق معلومات نشرت في الـ25 من فبراير (شباط) 2021 زار الرئيس الباكستاني آنذاك، عارف علوي، القاعدة لحضور حفل الذكرى الـ50 لجائزة ميراج وألوان، التي عرضت فيها 11 طائرة ميراج في الأقل.
ويعتقد أن طائرة ميراج 5 قد كلفت بدور هجومي مع ترسانة باكستان الصغيرة من قنابل الجاذبية النووية، بينما استخدمت طائرة ميراج 3 لإطلاق تجارب صاروخية من طراز رعد الباكستاني الذي يطلق جواً إضافة إلى صاروخ رعد 2 التالي.
التزود بالوقود
ووفق تقارير نشرتها وكالة الصحافة الفرنسية عام 2018 فقد أضافت القوات الجوية الباكستانية قدرة التزود بالوقود جواً إلى طائرة ميراج، وهي قدرة من شأنها أن تعزز بصورة كبيرة مهمة الضربة النووية. وأشارت تقارير إعلامية فرنسية إلى أن "كثيراً من طائرات الميراج التي عرضت في حفل توزيع الجوائز في قاعدة رفيقي الجوية عام 2021 مجهزة بوحدات إعادة التزود بالوقود".
صاروخ رعد
يعتقد علماء الذرة المشاركون في هذا البحث أن صاروخ "رعد" الذي يطلق جواً قد خضع للاختبار سبع مرات في الأقل، وكان آخرها في فبراير 2020. وتقول الحكومة الباكستانية إن "رعد" يستطيع إيصال رؤوس حربية نووية وتقليدية بدقة عالية إلى مدى 350 كيلومتراً.
وتؤكد مصادر حكومية باكستانية أن هذا الصاروخ يكمل قدرة الردع الباكستانية، من خلال تحقيق قدرة المواجهة الاستراتيجية براً وبحراً.
أما في مجال الصواريخ الباليستية البرية فتمتلك باكستان حالياً ستة أنظمة صواريخ باليستية نووية عاملة، تعمل بالوقود الصلب، ويمكن نقلها براً.