Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

زياد عبدالله يعري الاستبداد البعثي قصصيا

ممارسات النظام البائد والحرب والمآسي في مجموعة "سورية يا حبيبتي"

لوحة للرسام السوري إسماعيل الرفاعي (صفحة الرسام - فيسبوك)

ملخص

"سورية يا حبيبتي " مجموعة قصصية للكاتب السوري زياد عبدالله تفضح ممارسات النظام السوري البعثي وترصد آثار الحرب السورية على البشر والوطن.

لعل الانطباع الأول الذي يخرج به قارئ "سورية يا حبيبتي"، المجموعة القصصية الثانية للكاتب السوري زياد عبدالله، الصادرة عن "محترف أوكسجين للنشر"، هو المفارقة بين العنوان والمتن؛ ففي حين يشكل العنوان المستل من أغنية سورية مشهورة تعبيراً عن حب الوطن، تعكس إحدى عشرة قصة من القصص الست عشرة التي تتشكل منها المجموعة الأعطاب التي أحدثها الوطن في نفوس مواطنيه، في عهد النظام السابق. وعلى رغم ذلك، يتمسك المعطوب بحب عاطبه، ما يجعل العنوان اسماً على غير مسمى، ينطوي على قدر من السخرية المرة.

  نزوح وقرف

في "سورية يا حبيبتي"، يرصد عبدالله ممارسات النظام السابق وتداعياتها على شخوص المجموعة. وحسبنا أن نذكر، في هذا السياق، النزوح، القمع، الاعتقال الكيفي، الإخفاء القسري، الاعتقال السياسي، الحرب الأهلية، الخطف مقابل فدية، وغيرها، مما يشغل ثلثي المجموعة، على الأقل، بينما ينشغل الثلث الباقي بموضوعات أخرى؛ ففي "الطريق إلى حلب"، يطرح موضوعة النزوح وما يترجح فيه النازح بين غربة قاسية في مغترب يفشل في التكيف معه، وحنين جارف إلى وطن لا يستطيع العودة إليه. ذلك أن المرأة الخرفة في القصة سعاد التي مات زوجها وقُتِل ابنها في الحرب وتقيم مع أسرتها في نزل ألماني، تشم رائحة بيتها في حلب، فتخرج من النزل مقتفية أثر تلك الرائحة، وتضيع في غابة مجاورة، حتى إذا ما تم العثور عليها وإعادتها إلى النزل، تظن أنها عادت إلى بيتها في حلب.

وفي "القرف"، يؤدي القمع الأمني الذي يمارسه النظام إلى إيثار بطل القصة سعد الصمت على ما عداه، فيشك بالمحيطين به، بدءاً من أبي أنيس المرابط عند بوابة المنزل، وانتهاءً بحارس محمية السلاحف البحرية. لذلك، يتحفظ في الرد على الأول ولا يشفي غليله في الأجوبة، ويتهرب من الخوض في الحديث عن الوضع العام الذي يحاول الثاني استدراجه للخوض فيه مؤثراً الكلام على السلاحف. وهو يفعل ذلك بداعي القرف لا الخوف. يقول سعد: "القرف. القرف يكبلني. أرغب بقول شيء عن الحاصل، فأقرف، ولئلا تستفحل حالتي أصمت وأتناسى ما أود قوله" (ص25).

اعتقال وإخفاء

ولا تقتصر الممارسات المرصودة في المجموعة على دفع الناس إلى النزوح والصمت، بل تتعداهما إلى الاعتقال الكيفي والإخفاء القسري والاعتقال السياسي وسواها من الممارسات؛ ففي "البطل"، يسعى الملاكم السوري الشاب الذي يخوض مباراة كأس العالم في نيويورك إلى الفوز في المباراة، لا كغاية بحد ذاته، بل كوسيلة للإفراج عن أخويه ماهر ونصر المعتقلين في سجون النظام، فيحلم، في لحظة حرجة من المباراة، بتقديم كأس البطولة إلى حافظ الأسد، فيقوم الأخير بإكرامه والإفراج عن أخويه. غير أن لكمة مباغتة من خصمه تخرجه من أحلام اليقظة لينتهي محمولاً على حمالة، ويبقى المعتقلان في سجنهما. وفي "مرسال الغياب"، يتناول القاص الإخفاء القسري، فالراوي في القصة لا يتردد في إخبار صديقته نادية المسكونة باختفاء زوجها، منذ ثلاث سنوات، في زنازين النظام، أنه لا يزال حياً، فيحظى بعناق منها، هو الذي يحلم بأن تحبه ذات يوم، حتى إذا ما علم بواسطة العقيد مرتضى، صديق الماضي، المتنكر للحاضر، أن الزوج قد أُعدم، يتردد في إخبارها بالأمر، لعلها تعيش على أمل كاذب بعودته، كما يعيش هو على أمل كاذب بأن تحبه.

وإذا كان الإخفاء القسري في "مرسال الغياب" يتم طرحه في إطار العلاقة بين الراوي و"صديقته" نادية، فإن الاعتقال السياسي في "سنغور كسلان"، يطرحه عبدالله في إطار العلاقة بين الابن الراوي وأبيه المعتقل السياسي رياض، فالابن الذي يروي من منفاه البعيد من مدينته آلاف الكيلومترات، يلاحظ صغيراً شرود الأب الدائم، وإدمانه التدخين على شرفة المنزل، واحترام الناس الكبير له، وإجماعهم على أهميته، ما يثير فضوله، حتى إذا ما أقدمت السلطة على اعتقال الأب لسبع سنوات، بعد أن كان اعتُقِل سابقاً لعشر، يكتشف أن أباه مناضل سياسي. وهو ما يترتب عليه موت الأم حسرة، وموت الجدة، وموت الأب في مرحلة لاحقة. وهكذا، لا تقتصر الآثار المتمادية للقمع على صاحب العلاقة، بل تتعداه إلى أسرته والمحيطين به.

 حرب أهلية

وتبلغ الممارسات الذروة في الحرب الأهلية التي يشعلها النظام وتداعياتها المدمرة على البشر، من قتل وجرح وخطف وتطرف وإثراء غير مشروع. وهو ما نراه في عدد من قصص المجموعة؛ ففي "الرعاف"، يتناول عبدالله القتل والقتل المضاد في فضاء ميليشياوي، متفلت من الضوابط القانونية والأخلاقية. فالراوي الشاب ماجد الذي يترعف على جثة أمه، وهو يحملها بين يديه، بعد أن سقطت برصاص مسلح الميليشيات أبو ناصر الذي كان كلباً مطيعاً لأبيه وأعمامه، يطلق النار على المسلح ويرديه انتقاماً لأمه. وفي "إحكِ يا إليانور"، تتمظهر تداعيات الحرب في جرح الراوي بشظايا قنبلة في قريته.

غير أن الجرح في القصة هو مجرد ذريعة لطرح موضوعة الاصطدام بين ثقافتين مختلفتين وليس محور القص؛ ذلك أن الجريح يخضع للعلاج في مدينة أجنبية، وتُعنى به الممرضة إليانور، ما يؤدي إلى قيام علاقة حب بينهما. غير أن وجود علاقة صداقة بين إليانور وآخرَيْن، بحيث ترقص مع أحدهما وتتكلم مع الآخر، يثير غيرة الراوي، وهو المتحدر من ثقافة لا تقر الصداقة بين الرجل والمرأة، ويدفع به إلى الاعتذار عن المضي في العلاقة، ما يشكل أحد ترددات الاصطدام بين منظومتي قيم مختلفتين. وفي "السيد عبد العزيز"، تتمظهر الحرب في الخطف مقابل فدية. غير أن مجرى الأحداث في هذه القصة يخرج عن المتوقع، ويتحول الخاطفون إلى ضحايا، ويفر المخطوف بعد قتله، في نهاية غرائبية غير متوقعة بدورها؛ ذلك أن صلابة الأخير في مواجهة خاطفيه، وبرودة أخيه في التعاطي معهم، والدمار المحيط بالمكان، تجعل الراوي يفقد أعصابه ويهم بقتل المخطوف، حتى إذا ما حاول شريكه في الخطف خالد الحؤول دون ذلك تصيبه الرصاصة ويُقتَل عن طريق الخطأ.

وحين يحاول الشريك الآخر جواد التصدي له يُقتل بدوره. وهكذا، ينقلب السحر على الساحر في حرب أهلية حبلى بكل أنواع المفاجآت. وفي "الضوء"، تتمظهر الحرب في التطرف الديني الذي يكفر الآخر المختلف، ويحرض على قتله، ويصور الأمور على غير حقيقتها، ويدفع ثمن هذه السلوكيات غالياً؛ ذلك أن الراوي المقاتل المتدين في القصة يرابط في حفرة يتربص فيها بضوء يلوح له بين فترة وأخرى، ويسترجع خطب شيخه التي تحض على قتال الكفرة، حتى إذا ما صورت له أفكاره أن الضوء نازل من السماء، يتجه نحوه ليُفاجأ بصدوره عن حفل ماجن يحييه رجال ونساء، ويتم القبض عليه وتعريته والدوس على خده، في نهاية غير متوقعة تشي بسخرية القدر من المتطرفين وترهاتهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإذا كانت القصص الآنفة الذكر تعكس تمظهرات الحرب المباشرة على ضحاياها، فثمة قصص أخرى في المجموعة تعكس تمظهرات غير مباشرة كما نرى في قصة "القائدان" التي تتناول التدريب العسكري للطلاب الجامعيين في مخيمات صيفية واختلاف أساليب التدريب بين مدرب وآخر، وقصة "حزن شفيف" التي تعكس جني الثروات الطائلة، على هامش الحرب، من قبل مستغلي الأوضاع وصيادي الفرص. وثمة في "سورية يا حبيبتي" قصص تخرج عن ثيمتي النظام الاستبدادي والحرب الأهلية، ولا تمت لهما بصلة؛ فنقع على الحب بين غير المتكافئين في "يا وردة الحب الصافي"، والخوف من الوحوش في "الوحش"، والفراغ الذي يتردى فيه المتقاعدون والمتقدمون في العمر في "خطة فاشلة"، وحدة الحاضر واستحالة استعادة الماضي في "العتمة"، وغيرها.

إلى ذلك، تقوم قَصَصية المجموعة على مجموعة من التقنيات، من قبيل شراكة الراوي، وتنوع صيغ الكلام، وتلقائية السرد، وكسر أفق التوقعات، والمفارقة بين المتوقع والواقع، والمزاوجة بين الواقعي والغرائبي، وغيرها. ولعل هذه التقنيات معطوفة على الثيمات التي تقدمها هي ما يجعل "سورية يا حبيبتي" مجموعة قَصَصية جديرة بالقراءة حيث المتعة تنتظر القارئ على غير مفرق.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة