ملخص
من الشجرة إلى المغسلة والموقد، ومن البحر الغامض إلى جزيرة الدمى المهجورة، تحضر الرمزية بعمق في مجموعة استبرق أحمد القصصية "طائرة درون تضيء في رأسي"، لتكون كناية عن استكشاف الهوية والاغتراب، ورحلة الإنسان المقبلة في مواجهة الروبوتات الذكية.
تنتمي هذه المجموعة القصصية (دار العين –القاهرة 2025) إلى الأدب الحداثي التجريبي، عبر الجمع بين الفانتازيا والواقع والمخيلة ومرحلة ما بعد الإنسانية، ضمن عناصر تعتمد على التشويق والتكثيف في آن واحد. تتضمن المجموعة 10 قصص لكل منها عالم خاص متفرد جامح وحيوي، يعري الجرح الإنساني المتألم، ويشير إلى أوجاعه عبر التوقف أمام سؤال الذات والوجود، في عالم مملوء بالخيبة والأنظمة الصارمة، والأدوار الزائفة.
عالم ملون
تعتمد الكاتبة على استكشاف تعقيدات الوجود الإنساني عبر تكثيف رمزي وشحنة عاطفية شديدة تتدفق في أنسنة الأشياء، لخلق عوالم سردية تشتبك مع التأملات الحياتية، مما يعزز من طابعها الحداثي التجريبي. في قصة "ما لم تروه الأدلة"، تتحول الأشياء اليومية مثل المغسلة والخزانة والموقد إلى مرتكبي جريمة رمزية، إذ تؤنسن هذه الأدوات لتعكس دورها في الواقع اليومي المعقد، بينما يظهر شبح الشاعرة سيلفيا بلاث كرمز للمعاناة النفسية والانتحار، مضيفاً طبقة من العمق التراجيدي للقصة، إذ تتهاوى الأشياء كما سقطت البطلة، لنقرأ ما تقوله المغسلة "لا تستطيع مياهي مسح صرخاتها في نوبتها الحادة. تكدس الصحون، الأكواب، والملاعق والسكاكين. تكرر ضرب قبضتها على حوضي، رأسها مرتخ على صدرها، تحدق إلى جريان الماء".
في قصص استبرق أحمد يبدو البشر كما لو أنهم مراقبون من الأشياء التي تئن من الألم، وتعرف كل شيء عن أصحابها، وفي لحظات تعلن الرفض والتمرد على مواصلة الرحلة، تتوقف عن العمل، هذه هي الطريقة الصريحة للجهر بكلمة لا. في قصة "ثلاث حركات صديقة"، يتألم مقود السيارة وبابها من صفعات المرأة، وتقوم سماعة الأذن الصغيرة بعملية السرد وهي تحكي عن صاحبتها، وتصف ما يدور في عالمها من خراب، تستمع إلى رسائل صديقتها المختلسة، تعرف عن تحقيق إداري حول الفساد في الحسابات. لنقرأ "هاربة من مكانها المفضل بعد الحادثة، أخرجتني من مخبئي خلف أذنها، تفحصتني معاتبة، لم تنتبه لسقوطي من الطاولة، امتدت يد المرأة باحثة عني، وجدتني، نظفتني، دستني في أذنها، ضبطت مؤشر رفع إمكاناتي".
أما في قصة "ماء الشجر"، فتستخدم الكاتبة رمزية الشجرة لتصوير البطلة الساردة التي تروي قصتها ككائن طبيعي، يجسد علاقة حب مستحيلة بين شاب كويتي مسيحي وفتاة كويتية مسلمة. هذه الأنسنة تتجاوز الوصف الحرفي، لتعبر عن الانقسام الثقافي والديني، إذ تصبح الشجرة استعارة للجذور والانتماء، بينما تعكس العلاقة المستحيلة صراع الهوية في مجتمع محكوم بالتقاليد. ومن خلال هذه التقنيات، تعمل الكاتبة على تحويل الأشياء والرموز إلى كيانات حية، تسرد أوجاع الإنسان، مما يعمق التساؤلات حول الذات والانتماء، في عالم مشحون بالتناقضات.
وهم الوعي
في القصة الأخيرة التي حملت عنوان "يوميات كاثرين كليفتون الأخرى"، وضمن سرد فانتازي عبثي، يحضر عنوان المجموعة، تستند القصة إلى افتراض علمي فلسفي بوجود روبوتات على هيئة بشر، يندمجون في الحياة اليومية، بطريقة تثير التساؤلات حول ماهية الإنسان والهوية والإرادة الحرة.
تتجاوز القصة سؤال الأنوثة والذكورة و"الترانسجندر"، كي تمضي إلى عالم يجمح بقوة نحو الحياة المعدنية، إذ الآلة رفيقة الإنسان، تفهمه، تعي اختياراته وأحاسيسه، خلال وقت تمتلك وعيها الذاتي أيضاً، كي تختار إصلاح الأعطال بسرعة، والعودة إلى العمل بعد غياب ساعات طويلة، وكأنها بذلك تقوم بمحاكاة للحياة الإنسانية، ودورة الصحو والمنام.
ما يلفت الانتباه منذ الصفحة الأولى هو أن الشخصية الرئيسة، الساردة، تتصرف بصورة منطقية دقيقة، حساسة للخلل، مفرطة في الالتزام، تحلل المواقف بدقة، تكشف عن أن اسم كاثرين كليفتون، جاء من فيلم "المريض الإنجليزي"، في الدور الذي أدته كريستين سكوت توماس، وأنها عاشت هذا الدور مدة خمسة أعوام، نزولاً عند رغبة أحد العملاء الأثرياء، ثم أصابه الملل، لنقرأ "رأيت ذبذبات ملله، خيرني بين الحرية أو العودة للشركة التي صنعتني، فأجبت، وأهداني المنزل متكفلاً ببعض المصاريف الخاصة بالصيانة الدورية لأجهزتي، مشترطاً التزامي بعدم التواصل معه".
تكتب نسخة كاثرين كليفتون يومياتها، تحكي عن وصول نسخ أخرى لفنانات مثل مارلين مونرو، هند صبري، وسعاد عبدالله. تحكي قصتها، تمشي في الأماكن العامة، ترصد، تلاحظ، تحلل، وكأنها كاميرا متحركة أو عقل خوارزمي، مما يعني أن لها وعياً، أو في الأقل وهم الوعي في محاولة للتقمص الإنساني. تحاول أن تتصرف كبشر، لكنها تفشل في ذلك، مما يكشف القناع، ويعزز تيمة الغربة عن الجسد والمحيط، حين يقول لها البائع في محل العصير، إن عليها الالتزام بالابتسامة فقط وعدم الضحك.
تنتمي القصة إلى أدب ما بعد الإنسان، إذ نجد الروبوتات أو الكائنات الصناعية تكتسب وعياً ذاتياً، وتخوض تجارب بشرية، وهذا الافتراض لا يبدو بعيداً من الواقع.
في قصة "متاهة ليلى"، تستدعي الكاتبة أسطورة "ليلى والذئب"، لكن ضمن تغيير في طبيعة العلاقة بين الجدة، وحفيدتها ليلى، وغريمهما الذئب. هنا ليلى لم تحب يوماً جدتها، لأنها لا تكف عن إيذائها، أما الذئب فهو كاتب منكب على أوراقه، يعيد صياغة الحكاية من جديد.
تحوم قصة "المختارة"، حول أدب الدستوبيا، مع وجود جزيرة تصل إليها دمى بألوان مختلفة، على صورة نساء صلعاوات بعيون مغلقة بلا أسنان ولا ألسنة. "كن بظهر مستقيم، غاضبات، منبوذات، كارهات، حانقات، يواجهن البحر بأذرع ممدودة، وأيد تشير للسفن البعيدة القاسية بحركة بذيئة، يصرخن بقوة".
تقطيعات وصفية
ينعكس تأثير عمل الكاتبة في السيناريو، ضمن قصة "حبل أزرق لكوابيس البلاد"، التي تختار لها، تقطيعات وصفية مثل نهار داخلي، خارجي، تصف القصة فتيات في مدرسة ثانوية، يشكلن في حضورهن مجازاً عن حكاية مجتمعية قاسية، تسيطر على النص حال ضبابية تتداخل فيها الأحلام والكوابيس مع الواقع الصارم في حق المرأة، إذ تحضر البيئة المحلية في أسماء الفتيات العنود، أميرة، وضحة، ثم وصف الرجال وهم يرتدون دشاديش بيضاء بدرجات متباينة. تكشف القصة عن حكاية عار متسلل من جيل إلى آخر، ورغبة انتقام جامحة، مع جملة تقولها العنود لأميرة ابنة عمها "أنت عارنا، ستكررين ما فعلته أمك على طاولة أبيك".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تشتبك القصص أيضاً مع الموت والانتحار والتهجير والاغتراب، كما في قصة "صندوق"، ومعاناة بطلتها للبقاء في البلد الذي انتقلت إليه، واستعدادها للقيام بأي شيء كي لا تُرحل، لذا "ضاعفت محاولاتها خلال الأشهر الأخيرة، كي تستميل أحدهم فترتبط وتنجو". إنها المعاناة المتشابهة، التي تحدث لكل الراغبين في وجود شرعي، داخل بلاد ترفضهم.
تحضر ثيمات مشتركة في القصص مثل الجزيرة المعزولة، كما في قصتي "المختارة" و"الصندوق"، نجد حضوراً متكرراً للون الأخضر في تدرجات مختلفة، الذئب في "متاهة ليلى"، يرتدي ربطة عنق خضراء، والدمية في قصة "المختارة" ظهرت بلون أخضر داكن، وقصة "ماء الشجر"، تبدأ بجملة "شاردة، تعاينين تعرج الأخضر البارز في السيراميك الأبيض".
بالغت الكاتبة في الرمزية في بعض القصص، والتعتيم على الأماكن، واستندت إلى لغة وصفية منسجمة مع مضمون الحكايات، مثل "بعد أيام قلائل شق نهر أسود الصحارى، واهباً العطايا بعين ماكرة. كان نهراً آسن القلب، يكره أبناء التراب، والنعجة هي الخبث كله"، "عاينت حشائش مخاوفك"، "تتفهم وتخبره أن للضوء إخفاقاته، وقاحاته في كشف قصص العشاق".
تمكنت الكاتبة من نسج عوالم سردية قصصية، تعكس الصراع الإنساني وتعيد الدور الغائب لفن القصة ليس عبر سرد الحكايات فحسب، بل يتعداه إلى تفكيك التناقضات الاجتماعية والثقافية عبر لغة شعرية تحول اليومي إلى استعارة وجودية، إذ تظهر المجموعة كيف يمكن للقصة القصيرة، على رغم إيجازها، أن تكون حاملة لرؤى حداثية تجريبية تتحدى التقاليد السردية، وتسبر أغوار الذات والعالم في عصر يتسم بالانزياحات التكنولوجية والاجتماعية، بين البشر والأشياء.