ملخص
حين يرى القارئ غلاف المجموعة القصصية "الرجل الذي أكل الساعة" (دار صفصافة) للكاتبة والفنانة التشكيلية غادة كمال، لا يفترض به أن يسأل نفسه كيف ولماذا يأكل الرجل الساعة؟ لأنه ببساطة لن يجد جواباً حاسماً، وربما الحياة كلها لا تعطي أحداً جواباً واضحاً.
إذا كان كولومبوس اكتشف أميركا، فإن فرويد اكتشف وحده قارة "اللاوعي" وتحسس تخومها اللانهائية داخل النفس البشرية. هناك في عتمة الذاكرة ترقد مدن وأحلام وروائح عمرها آلاف السنين. من ثم تراجع الشرط السقراطي "إعرف نفسك" لأن الإدراك المباشر للأشياء ومقتضيات الوعي ومنطقه وعاداته، لم تعُد كافية لفهم الذات ما لم تخترق الحجب وتتسلل أشعة الشمس إلى مدن الظلال ومحيطات العتمة وإدراك ما لا يدرك وتحسس ما لا يحس. وتبدأ السوريالية من عدم الثقة بالوعي والحواس الخمس، من الارتياب في الواقع الذي يتبدى كواقع لا فكاك منه. وتبدأ من اللعب أو الهرب من العقل بكل رصانته وتباهيه المنطقي بالوصول إلى اليقين.
يأتي غلاف المجموعة القصصية "الرجل الذي أكل الساعة" للكاتبة غادة كمال رمادياً، يتخلله بياض أقرب إلى منطق الأبيض والأسود، مع رسم كبير لساعة مستديرة يقف داخلها شبح رجل. وللمفارقة يبدو الغلاف تعبيرياً ومباشراً ومنطقياً أكثر مما يجب، على رغم أن المجموعة لا تسلم نفسها إلى المنطق بل تسخر منه.
مخالفة السائد
أما التصنيف المقتضب "قصص"، فسيصدم الذائقة لأننا لسنا إزاء قصص قصيرة بالمعايير المتعارف عليها، مقدمة وحبكة ولحظة تنوير، حتى على مستوى الحجم لأن الكتاب ضخم نسبياً، إذ يقع في 230 صفحة من القطع المتوسط، موزعة على خمس قصص مركزية هي "صيف الجربوع الأخير" و"شبح مدينة الميلاتونين" و"ذاكرة اليوسفي" و"أوراق أتيس الأولى" و"الرجل الذي أكل الساعة"، أي إن متوسط القصة الواحدة يزيد على 40 صفحة، مما يجعلها بعيدة من الحجم المتعارف عليه للقصص القصيرة.
ليس هذا التمرد الوحيد على بنية القصة القصيرة، بل داخل كل قصة عنونة فرعية متنوعة وثرية تشبه أقاصيص قصيرة داخل نسيج القصة الكبيرة، أو تنويعة جانبية تقوي اللحن الرئيس مثل "حارة أم الروايح وذو البطن المستدير وانقطاع جزئي في سلسلة التطور والتهمة جربوع واختلاس الموت والولادة من الذاكرة وكواليس لا ينفذ إليها الضوء".
فالقصص الخمس تنسل منها عشرات الأقاصيص الموسعة والمكملة والمعارضة لها، في ما يشبه دمى الـ"ماتريوشكا" الروسية، فكل دمية في داخلها دمية أصغر منها.
شخصيات مبتورة
وإذا كانت بنية النصوص في شكلها العام لا تنبثق من التقاليد المتعارف عليها، فكذلك الشخصيات لا تخضع للعرف السائد بأن القصة القصيرة تضم شخصيات قليلة قد لا تزيد على ثلاث. فالامتداد السردي المتدفق والسائل يستفيض في ضخ شخصيات مبتورة، أو كاريكاتيرية، لا توصف بشكلها الواقعي المعتاد ولا وفق شرطها الزماني والمكاني، بل لا تقتصر على الجنس البشري، فهناك شخصيات آتية من الأساطير وحيوانات كالضفادع والقط "لوركا" والحرباء والشجر، وأشياء كثيرة تؤنسن وتتحرك ويعبر عن شعورها وذاكرتها وقصتها الخاصة في الوجود. وعلى رغم هذا التغريب والتحريف، تحتفظ القصص ببطل رئيس يناسب القصة الإطارية ويتكرر حضوره مثل الشاب الجربوع في القصة الأولى، أو المرأة التي تطارد أحلامها في "شبح مدينة الميلاتونين". فالنصوص لا تسعى الى قطيعة نهائية مع اللعبة السردية وإنما تبقيها وفي الوقت نفسه تحررها من قيودها المبالغ فيها لمصلحة اللعب والتخييل.
تفكيك سلطة النص
إنها من المرات النادرة أن تصدر مجموعة قصصية تراهن على القيم الجمالية والفلسفية للسوريالية، ولدى غادة كمال التزام واضح وصارم بالحركة السوريالية العالمية. ربما كانت تلك الحركة موضة فكرية عقب الحرب العالمية الثانية وتجلت على سبيل المثال في لوحات سلفادور دالي وبيانات شهيرة ومعروفة لأندريه برتون، منظّرها الرئيس الذي وصفها بأنها "حركة عفوية نفسية نقية". لكن الكاتبة لا تطرح نصوصها كمحاولة خجول تستدعي جماليات السوريالية سردياً وإنما نحن أمام كاتبة تعي وعياً عميقاً ماذا تكتب وتعرف كيف توظف اللغة سوريالياً لتشييد كونها السردي الذي يحاكي جموح اللاوعي. وينطلق النص أحياناً من الواقع المألوف ثم تفتح بوابة السرد نحو أرض الذكريات والأحلام والأساطير العتيقة المستوحاة من الميثولوجيا المصرية والأفريقية واليونانية. ففي نص "ذاكرة اليوسفي" يحضر الواقع وذكريات الطفولة وإشارة جلية إلى رواية "بشائر اليوسفي" وكاتبها رضا البهات، وبصفة عامة ما يميز النصوص أنها لا تعادي الواقع ولا تنفيه وإنما تستعيده وفق شروط جمالية مغايرة، لذلك لا تسعى تلك النصوص إلى الاستغلاق على القارئ، وإنما إلى عقد شراكة بأسس جمالية مختلفة عما اعتاد عليه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعبر رحلة الشخصيات بين الأساطير والأحلام والذكريات ومتاهة الواقع، تحضر الحواس، وربما تقوم كل حاسة بدور في قصة بعينها مثل سماع ما لا يجب أن يسمع، أو معاناة كف البصر. وهذا الاستحضار يسهم في التغريب والإدهاش والتشكيك في قدرة تلك الحواس على بلوغ الحقيقة.
ولا تطلق غادة كمال شخوصها في فضاء الحكاية في "فنتازيا" حرة لمجرد اللعب، بل تبقيها مقيّدة بوجعها الإنساني وكأنه جوهر وجودنا، فكل منا عالق في مأساة غير مرئية لا ينتبه إليها غيره، مأساة تجسدها حركة هذيان عنيفة وهلاوس بصرية يعانيهما أبطالها الذين هم أيضاً ضحايا سلطة مركبة من طبقات وأدوات لا حصر لها، "إجلس يا سيد جربوع، قالها فجلس جربوع مذهولاً من المرة الأولى في حياته التي يبجله فيها شخص ما. إسمع، لقد قمنا بدراسة طلبك أو عرضك بمعنى أدق، لكن لائحة الانتظار طويلة".
نسيج اللغة
لا تضاد النصوص تقاليد اللغة وتراكيبها، مثلما لا تنفي الواقع، وإنما تموقع نفسها كمجموعة سوريالية بامتياز تعيد الاعتبار للوجع الإنساني وتفكك الأساطير والأشباح والمقولات الكاذبة، لكن عبر تدفق الصور التي تنثال من كل حدب وصوب، فهي في الأساس كتابة بالصور لا بالأبجدية. وتنبع تلك الصور من حلم أو ذكرى قديمة أو واقع هامشي أو أسطورة منسية أو خيال جامح.
وهذا التدفق لتيار الصور الذي يعبر بالقارئ إلى قارة اللاوعي وروح الطفولة المفقودة، يمتد إلى زمن عتيق ربما يسبق بداية تاريخنا الإنساني. فتلك الصور تنبع من استجابة جمالية وغريزية، وبقدر ما تنفي المكان والزمان في صورتيهما التقليدية، بقدر ما تستحضرهما في لعبة سردية حرة، "عادت لمنزلها. شعرت بثقل غريب وترقب ذئبة لهزة أرضية أو انفجار كوني جديد، وتساءلت: أين تختبئ الأحلام وتعود؟ لكنها فضلت ألا تفكر فهي منهكة. في صباح اليوم التالي ذهبت فوجدت قبل وصولها من بعيد أن قوات كرامبوس الوطواطية تحيط بالمنزل، وشاهدت من خلف نظارتها حبيبتها يتم سحلها، وحشوداً من الناس تشاهد وتصفق".