ملخص
شن الطيران الحربي التابع للجيش السوداني غارات مكثفة في محاور القتال المختلفة استهدفت أهدافاً ثابتة ومتحركة لقوات "الدعم السريع"، وأشارت المصادر إلى أن العمليات في شمال كردفان تركزت في محاور جنوب وغرب وشرق الأبيض، إذ سمع دوي أصوات أسلحة ثقيلة ومتوسطة في المحاور الثلاثة.
تصاعدت حدة العمليات العسكرية بين الجيش السوداني وحلفائه من جهة وقوات "الدعم السريع" من جهة أخرى في إقليمي كردفان ودارفور، إذ دارت أمس الأربعاء مواجهات عنيفة بين القوتين في المحاور المحيطة بمدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، في حين شهد المحور الغربي بشمال دارفور وغربها معارك ضارية تمكن خلالها الجيش والقوات المساندة له من التوغل في مناطق جديدة.
وبحسب مصادر عسكرية، فإن الطيران الحربي التابع للجيش شن غارات مكثفة في محاور القتال المختلفة، استهدفت أهدافاً ثابتة ومتحركة لقوات "الدعم السريع".
وأشارت المصادر إلى أن العمليات في شمال كردفان تركزت في محاور جنوب وغرب وشرق الأبيض، إذ سمع دوي أصوات أسلحة ثقيلة ومتوسطة في المحاور الثلاثة، بيد أن هذه المعارك تتسم بعمليات كر وفر، فالجيش يسعى إلى تأمين هذه المدينة الاستراتيجية (الأبيض) والتقدم لاستعادة بقية مدن الإقليم التي ما تزال تحت سيطرة "الدعم السريع"، وفك الحصار عن مدينتي كادوقلي والدلنج، كبرى مدن جنوب كردفان، بينما تحاول إعادة التموضع في محور بارا ورهيد النوبة وجبرة الشيخ.
وأكدت تلك المصادر أن الجيش دفع بتعزيزات عسكرية ضخمة إلى المناطق المتاخمة لشمال مدينة الأبيض وتحديداً منطقة رهيد النوبة ومحيطها وهي المواقع التي تحولت إلى نقاط ساخنة مع "الدعم السريع"، التي تتمركز في مدينة بارا التي خسرها الجيش نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
وتأتي هذه التحركات العسكرية في أعقاب هجوم نفذته "الدعم السريع"، السبت الماضي، على منطقة الحوت القريبة من طريق الصادرات الاستراتيجي الرابط بين أم درمان وبارا.
ضربات جوية
في الوقت نفسه نفذت مسيرات الجيش ضربات جوية استهدفت تجمعات "الدعم السريع" والقوات المتحالفة معها في مناطق هبيلا والقردود وجنقارو بولاية جنوب كردفان، إضافة إلى منطقة عيال بخيت بغرب كردفان، ضمن عمليات متبادلة تشهدها محاور القتال بين ولايتي جنوب كردفان وغربها، وذلك بهدف تقليص تحركات تلك القوات والحد من تقدمها.
وأوضحت مصادر ميدانية أن هذه الضربات الجوية الموجعة أسفرت عن تدمير عدد من المركبات القتالية، إلى جانب تحييد عدد كبير من العناصر التابعة للقوات المعادية للجيش.
في المقابل، جددت "الدعم السريع" أمس الأربعاء استهدافها مدينة الدلنج بطائرات مسيرة، إذ تمكنت الدفاعات الأرضية التابعة للجيش من التصدي لها وإحباط محاولة اقترابها من مواقع داخل المدينة، أو تسجيل أي اختراق أو تأثير مباشر في الأحياء السكنية.
ويأتي هذا التصعيد في ظل تزايد الاعتماد على الطائرات المسيرة كأداة رئيسة في العمليات العسكرية، مع سعي كل طرف إلى تعزيز مواقعه الميدانية عبر ضربات جوية محدودة.
وتعكس هذه التطورات اتساع نطاق المواجهات في إقليم كردفان، وسط مخاوف متزايدة من انعكاسات أمنية وإنسانية محتملة على المناطق القريبة من مسار الاشتباكات.
موجة نزوح
في ظل هذا التصعيد، تشهد مدينتي الدلنج وكادقلي موجة نزوح يومية باتجاه مدينة أبو جبيهة بولاية جنوب كردفان، في واحدة من أكبر موجات النزوح التي عرفتها المنطقة منذ اندلاع الحرب.
ووفقاً لناشطين في مدينة أبو جبيهة، فإن هؤلاء النازحين الذين يتدفقون يومياً بأعداد كبيرة يعانون أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة ومعاناة قاسية رافقت رحلة نزوحهم الطويلة والمحاطة بالأخطار والانتهاكات.
وأفاد هؤلاء الناشطون بأنه ما لا يقل عن خمس مركبات من نوع "تراكتور" محملة بالنازحين تصل يومياً إلى مدينة أبو جبيهة قادمة من الدلنج وكادقلي، بعد رحلة شاقة تمر عبر مناطق سيطرة "الحركة الشعبية – شمال"، وصولاً إلى جنوب السودان عبر منطقة إيدا، ثم العودة مجدداً عبر تلودي والتقولا وكلوقي حتى أبو جبيهة.
وأشاروا إلى أنه يجري استقبال النازحين بصورة موقتة داخل مباني الهلال الأحمر السوداني بالمدينة، إذ جرى تخصيص خيمة كبيرة لإيواء القادمين الجدد، إلا أن طاقتها الاستيعابية لا تكفي الأعداد المتزايدة، مما يضطر كثيرين، بينهم نساء وأطفال، إلى الاحتماء بظلال الأشجار في محيط الموقع، في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الإيواء الإنساني.
ونوه الناشطون إلى أن الاستجابة الإنسانية في المدينة تعتمد على جهود مشتركة تقودها مبادرات وطنية ومنظمات مجتمع مدني، إلى جانب منظمات دولية، من بينها مفوضية العون الإنساني ومنظمة "اليونيسيف" و"الهلال الأحمر" السوداني، فضلاً عن مساهمات الأهالي.
استمرار الانتهاكات
في الأثناء، تعاني ولاية غرب كردفان تدهور الأوضاع الأمنية، إذ يشكو المواطنون من تكرار حوادث النهب والاعتداء، وجرائم التغييب القسري الجماعي الذي يستهدف الشباب والعابرين في المنطقة من مسلحي "الدعم السريع".
وأشارت غرقة طوارئ دار حمر إلى احتجاز "الدعم السريع" آلاف الشباب والعابرين في طريق ود بندة – عيال بخيت، قبل أن ترحلهم قسراً وبطريقة مهينة إلى مدينة النهود، إذ انضموا إلى مواطنين آخرين سبق أن جرى احتجازهم في ظروف غامضة ومصير مجهول.
وأبدت الغرفة قلقها من استمرار هذه الانتهاكات، وتساءلت عن مصير الأعداد الكبيرة من المختطفين الذين يساقون إلى أماكن غير معلومة، معتبرة ما يحدث تصفية صامتة وخطفاً جماعياً، فيما حملت قيادة "الدعم السريع" المسؤولية الكاملة عن سلامة المختطفين، وطالبت بالكشف الفوري عن مصيرهم والإفراج عن المرحلين إلى النهود، مع مطالبة المنظمات الحقوقية بالتحرك العاجل لمعاينة المقابر ومواقع الاحتجاز السرية.
وكانت الغرفة اتهمت "الدعم السريع" في الـ10 من يناير (كانون الثاني) الجاري، بنصب نقاط تفتيش وشن حملة اعتقالات استهدفت عدداً من الشباب بمحلية ود بندة التابعة لولاية غرب كردفان، أثناء مرورهم بالمنطقة في طريقهم إلى مناطق التعدين الأهلي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تصعيد بدارفور
أما في دارفور، فشهد محور شمال دارفور وغربها أمس الأربعاء تصعيداً كبيراً في العمليات العسكرية، إذ تمكن الجيش والقوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة من استعادة السيطرة الكاملة على منطقة بئر سليبة ووحدتها الإدارية بمحلية سربا بولاية غرب دارفور، عقب مواجهات ضارية مع قوات "الدعم السريع".
وأكدت مصادر ميدانية أن قوات "الدعم السريع" تكبدت في هذه المعارك خسائر في الأرواح والعتاد، مما أدى إلى تراجعها باتجاه المناطق الحدودية، وتمثل بئر سليبة نقطة محورية كانت تستخدمها "الدعم السريع" ممراً للإمداد والتحرك في نطاق غرب دارفور. وبينت تلك المصادر بأن هذه العمليات تستهدف تأمين الشريط الحدودي وقطع مسارات الإمداد والتهريب التي تعتمد عليها "الدعم السريع"، لافتة إلى أن الجيش نفذ عقب السيطرة على منطقة بئر سليبة، عمليات تمشيط واسعة وتثبيت ارتكازات أمنية لضمان استقرار المنطقة ومنع أية محاولات تسلل أو إعادة تموضع.
تقدم ميداني
إلى ذلك، وصف والي غرب دارفور بحر الدين آدم كرامة المعارك الدائرة حالياً في غرب دارفور بالأعنف، مؤكداً أن الجيش و"القوات المشتركة" أحرزت تقدماً ميدانياً واسعاً بمحوري جرجيرة وبئر سليبة، وألحقت بالقوات المتمردة خسائر بشرية ومادية كبيرة.
وأشار كرامة في تصريحات صحافية إلى أن العمليات أسفرت عن تدمير عشرات المركبات القتالية وسحق القدرات الحركية للقوات المادية، مما أدى إلى انهيار تنظيمها الميداني وتراجعها عن مواقع كانت تعتمد عليها كنقاط إسناد وتحرك، في مؤشر واضح على تغير ميزان القوة لصالح الجيش.
وبين أن المعارك البرية سبقها تنفيذ غارات جوية دقيقة ومركزة استهدفت شرايين الحركة وخطوط إمداد "الدعم السريع"، مما أربك خطوط القيادة والسيطرة لدى هذه القوات، وأفقدها القدرة على المناورة والتموضع.
وأكد والي غرب دارفور أن الضربات الجوية نفذت باحتراف عال وبتنسيق محكم مع الوحدات البرية، مما أفشل محاولات إعادة التجميع أو الانسحاب المنظم لـ"الدعم السريع".
إجازة الموازنة
وأجاز مجلسا السيادة والوزراء في السودان أمس الأربعاء الموازنة الطارئة لهذا العام، في أول اجتماع مشترك يعقد في العاصمة الخرطوم منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023.
وأفاد وزير الثقافة والإعلام خالد الإعيسر، في تصريح صحافي، بأن الاجتماع صادق على الموازنة الطارئة للدولة للعام 2026، كما أجاز عدداً من القوانين، مع استمرار النظر في مشاريع قوانين أخرى، مشيراً إلى أن هذا الاجتماع يعد الأول للمجلسين خلال العام الجديد، ويمثل تدشيناً عملياً لعودة الحكومة التنفيذية بمكوناتها كافة للعمل من العاصمة.
وحث الإعيسر المواطنين إلى ضرورة العودة لديارهم، مؤكداً حرص الحكومة على "رد الجميل للمواقف البطولية التي جسدها الشعب السوداني خلال الأعوام الماضية، في سبيل استعادة الخرطوم لمكانتها ووضعها الطبيعي".
ودرجت الحكومة السودانية منذ نشوب الحرب على عدم إعلان تفاصيل الموازنة، إذ تذهب معظم الموارد لدعم العمليات العسكرية والرواتب مع صرف محدود على الخدمات.
وفي الـ30 من ديسمبر (كانون الأول) 2025 قال رئيس الوزراء كامل إدريس إن الموازنة الطارئة لعام 2026 تستهدف تحقيق معدل نمو في الناتج المحلي الإجمالي بنحو تسعة في المئة، إلى جانب خفض متوسط معدل التضخم إلى 65 في المئة على أساس سنوي.
وأحالت الوثيقة الدستورية لعام 2019، التي جرى تعديلها مرات عدة، سلطات البرلمان إلى اجتماع مشترك بين مجلسي السيادة والوزراء إلى حين تشكيل المجلس التشريعي.
واستعاد الجيش في مارس (آذار) 2025 السيطرة على ولاية الخرطوم، بعد أن ظلت قوات "الدعم السريع" تهيمن على معظم مواقعها منذ اندلاع النزاع.