Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رغم موازنة دفاع تتجاوز 80 مليار دولار.. بريطانيا غير مستعدة للحرب

بغض النظر عن الخطاب المتكرر عن تعزيز قدراتنا الدفاعية، إلا أن الحقيقة الصادمة هي أن المملكة المتحدة تكاد تكون بلا حماية أمام هجمات صاروخية كالتي شهدناها في بولندا وأوكرانيا. والسؤال: ما المطلوب لتغيير هذا المسار وبناء قوات مسلحة قادرة على خوض حروب الغد؟

لا يمكن لأي جيش خوض حرب مقبلة من دون عشرات الآلاف من الطائرات المسيّرة (غيتي)

ملخص

القصف الروسي الكثيف بالمسيرات والصواريخ على أوكرانيا أظهر هشاشة بريطانيا أمام تهديد مشابه، إذ تفتقر لندن إلى منظومات دفاع جوي فعالة وتعاني نقصاً خطراً في المدفعية والذخائر. ورغم إنفاقها الدفاعي الضخم، تعرقل البيروقراطية والمماطلة بناء جيش قادر على مواجهة حروب المستقبل التي تمزج بين الابتكار التكنولوجي والأسلحة التقليدية.

في ليلة التاسع من سبتمبر (أيلول)، شنت روسيا هجوماً مكثفاً بمئات الطائرات المسيرة الانتحارية وعشرات الصواريخ الباليستية والكروز على أوكرانيا، في مشهد بات مألوفاً للسكان هناك. وكما في هجمات سابقة، أسقطت الدفاعات الجوية الأوكرانية أكثر من 75 في المئة من هذه الأسلحة. لكن نحو 20 مسيرة عبرت إلى الأجواء البولندية، حيث تمكنت وارسو من تفعيل منظوماتها الدفاعية وإسقاط معظمها باستخدام المقاتلات والصواريخ الأرضية. لو كانت بريطانيا من يواجه هجوماً مماثلاً، فستنجح غالبية المسيرات والصواريخ في اختراق دفاعاتها. والواقع المقلق أن المملكة المتحدة تفتقر إلى منظومة فاعلة لمواجهة هذا النوع من الهجمات، التي أصبحت جزءاً من يوميات الحرب في أوكرانيا.

ومع مرور أكثر من ثلاث سنوات ونصف سنة على الغزو الروسي، يبرز تساؤل حتمي: لماذا لم تبادر بريطانيا بعد إلى شراء المعدات الدفاعية الأساسية التي تحتاج إليها بوضوح لحماية نفسها؟

هذا السؤال تردد كثيراً في "معرض الدفاع والأمن الدولي" DSEI الأسبوع الماضي، ففي كلمته الختامية أشاد وزير الدفاع جون هيلي بالتعاون العسكري بين لندن وكييف، متحدثاً عن مشاريع تطوير مسيرات هجومية بعيدة المدى، وعن جيل جديد من المسيرات الاعتراضية منخفضة الكلفة لمواجهة هجمات الأسراب الروسية من الطائرات المسيرة من دون اللجوء إلى صواريخ باهظة الثمن. غير أن ما غاب عن خطابه، وعن الأسئلة التي تلته، هو أي التزام بريطاني باقتناء هذه الأسلحة لحماية قواته، فالمسيرات المنتجة في المصانع البريطانية مخصصة لأوكرانيا، لا للجيش البريطاني.


وفي المعرض ذاته قبل عامين، دعا رئيس الأركان السابق الأدميرال السير توني رادكين إلى تشكيل "فوج مسيرات انتحارية" مستلهماً التجربة الأوكرانية الناجحة وتطورها السريع، لكن عامين مرا من دون أن ترى هذه الوحدات النور. وعلى رغم كثرة التجارب والاختبارات، لم تشتر هذه الأنظمة بأعداد كافية تجعلها ذات قيمة عسكرية في حال اندلاع حرب واسعة النطاق.

كما أثبتت الحرب في أوكرانيا أن المدفعية لا تزال "سيدة المعارك" وأداة الحسم الميداني، وبعد أن أرسلت بريطانيا إلى كييف كامل أسطولها من مدافع الهاوتزر (AS90) عيار 155 ملم - القديمة لكنها ما زالت فعالة - لم يتبق لديها سوى 13 مدفع "آرتشر" حديثاً (أحدها تحطم خلال تدريب)، ولن تحصل على أعداد كبيرة من هذا السلاح المحوري قبل عام 2028.

وفي المؤتمر نفسه، شدد قادة عسكريون على أن مهمتهم إعداد قواتهم لحرب شاملة خلال عامين إلى ثلاثة أعوام. فإذا كانت احتمالات الحرب قريبة إلى هذا الحد، فإن استلام المدافع في عامي 2028 أو 2029 لا يعني مجرد تأخير، بل يعني أن تصل متأخراً للغاية.

ومن الواضح أن الجيش يسعى إلى تسريع توريد المدفعية، لكن الرد المعتاد كان: "لا أموال". هذا العجز المالي أوقف أيضاً شراء مئات الصواريخ المضادة للطائرات التي تحتاج إليها بريطانيا لحماية نفسها من هجمات الطائرات المسيرة التي يتعايش معها الأوكرانيون يومياً. وما يوصف اليوم بهجمات "عرضية" على بولندا ورومانيا ودول البلطيق، قد يصبح غداً تهديداً مباشراً لبريطانيا.

الخبراء الذين يستخلصون دروس الحرب الأوكرانية بحذر يتجنبون إصدار أحكام متسرعة، لكن رئيس الأركان الحالي المارشال الجوي السير ريتش نايتون، لخص الموقف بدقة، مشيراً إلى مفارقة واضحة: سباق الابتكار العسكري في موسكو وكييف غير مسبوق، لكن ساحة القتال لا تزال شبيهة بخنادق الحرب العالمية الأولى، وقال بوضوح: "لم ينجح الابتكار ولا التكنولوجيا في حسم المعركة لصالح أي طرف".

صحيح أن الطائرات المسيرة المتنوعة، التي تتطور قدراتها بصورة شبه أسبوعية، ساعدت أوكرانيا في الصمود. وصحيح أيضاً أن شركات ناشئة أوكرانية جلبت الذكاء الاصطناعي إلى ساحة القتال بنتائج مبهرة أدهشت المراقبين الغربيين، لكن الابتكار كان محركاً للطرفين، أوكرانيا وروسيا على حد سواء.


لا يمكن لأي جيش أن يخطط لحروب المستقبل من دون الأخذ في الاعتبار هذه الطفرة التكنولوجية، فمن المستحيل دخول حرب مقبلة من دون عشرات الآلاف من الطائرات المسيرة بمختلف أنواعها. فالأنظمة غير المأهولة ستصبح عنصراً أساسياً في الحروب المقبلة براً وبحراً وجواً.

لكن على رغم الخطابات المتحمسة، فإن وتيرة التقدم في بريطانيا بطيئة إلى حد الجمود. فالإجراءات والبيروقراطية المعقدة الخاصة بالتصاريح والاعتمادات جعلت القرارات المتعلقة بالقدرات الجديدة عاجزة عن إحداث أي تقدم ملموس، وبالتأكيد ليست بالسرعة المطلوبة. هناك خطوات صغيرة متفرقة هنا وهناك، لكن غياب الإلحاح واضح للعيان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"التطوير بإيقاع الحرب"، كان الشعار الذي ردده جميع قادة الأفرع العسكرية والمسؤولين السياسيين في وزارة الدفاع خلال المعرض. المغزى واضح: لا مكان بعد اليوم لدورات تسليح تستغرق 8 أو 10 أو 15 عاماً، بل يجب التفكير بمقياس الشهور، وبحد أقصى بضع سنوات. وقد استحضر عدد من القادة علناً سرعة الابتكار خلال الحرب العالمية الثانية، بوصفها النموذج الذي يجب أن تحتذي به بريطانيا.

لكن نظام المشتريات العسكري البريطاني أشبه بناقلة نفط ضخمة تحتاج إلى وقت طويل لتغيير مسارها، والسؤال المطروح: كيف يمكن تحويل هذا النظام البطيء والمثقل بالهدر إلى آلية رشيقة قادرة على العمل بسرعة عالية؟ إنه سؤال لا يزال بلا إجابة واضحة.


الحرب في أوكرانيا أظهرت أن جوهر القتال لم يتغير: لا بد من السيطرة على الأرض، وعلى الجنود أن يهاجموا ويدافعوا. قد تستخدم الطائرات المسيرة، وقد تسند إليها تقنيات الذكاء الاصطناعي، لكن الجندي المسلح ببندقية كلاشنيكوف ما زال مضطراً إلى عبور خط النار.

الابتكار وحده لا يكفي، فالمخازن المليئة بالذخائر والمدفعية، والذخائر "التقليدية" تبقى ركائز أساسية لأي جيش. ومع ذلك، تعاني بريطانيا نقصاً خطراً في معظم هذه العناصر، ولا تزال مترددة في إصدار الطلبيات الضخمة اللازمة لبناء قوة عسكرية موثوقة.

ويبقى السؤال الأبرز: كيف لدولة بموازنة دفاعية تتجاوز 60 مليار جنيه استرليني (81 مليار دولار أميركي)  - من بين الأكبر في العالم - أن تصل إلى هذا الوضع؟ وكيف يصعب عليها إلى هذا الحد إعادة توجيه مسارها العسكري لبناء قوات قادرة على خوض حروب المستقبل؟ حروب تتطلب مزيجاً من التكنولوجيا القائمة والابتكارات الجديدة. الجميع يدرك ذلك، لكن الفجوة بين الإدراك والتنفيذ تتسع يوماً بعد يوم مع تصاعد حجم التهديد.

فرانسيس توسا، محرر "Defense Analysis"

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل