Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تابوهات السينما التونسية... تذكرة سفر إلى العالمية

تتناول موضوعات بها إسقاطات على قضايا المجتمع وتشارك في المهرجانات الدولية

النزوع الفني داخل السينما التونسية تتحكم فيه اختيارات فكرية أصيلة (مواقع التواصل)

ملخص

في كثير من الأحيان يفوز الفيلم العربي على نظيره الأجنبي، بسبب قدرة بعض الوجوه الجديدة على كتابة أفلام مغايرة تمتح جمالياتها من التربة العربية بكل ما تشهده من تحولات سياسية وتغيرات اجتماعية.

شهدت السينما العربية في الأعوام الأخيرة تحولاً كبيراً في موضوعاتها وصناعتها ومفاهيمها وجمالياتها، بعدما غدت الأفلام العربية تتنزل منزلة رفيعة ومرموقة داخل برامج المهرجانات السينمائية العالمية، إلا أن المثير للانتباه في هذا التمثيل السينمائي الأجنبي أن المخرج العربي لم يعد يدخل ضمن باب "الأكسسوار" الذي يجعله أشبه بمشاهد مدعو لمشاهدة الأفلام المعروضة، بقدر ما غدا يمتلك جرأة سينمائية كبيرة ينتزع بها جملة من الجوائز داخل أكبر المحافل السينمائية العالمية، والأكثر من هذا، أن أصبح الفيلم العربي يخلق الجدل في العالم بمجرد ما يتم عرضه على شاشات المهرجانات الدولية.

هذا الحضور المكثف والغني للسينما العربية خارج العالم العربي، يعكس في مجمله التحولات التي باتت تحتويها الأفلام العربية، إذ يعثر المتفرج على كثير من السمات الجمالية التي تجعل الفيلم العربي "شبيهاً" بالفيلم الأجنبي من ناحية الصناعة السينمائية وأصالتها في القبض على موضوعات سياسية واجتماعية لها وقعها على ذاكرة المتلقي، إذ يتوفران أحياناً على المعايير نفسها من ناحية الكتابة والتصوير التي تجعلهما ينتميان إلى الفئة نفسها داخل مهرجان سينمائي.

وفي كثير من الأحيان يفوز الفيلم العربي على نظيره الأجنبي، بسبب قدرة بعض الوجوه الجديدة على كتابة أفلام مغايرة تمتح جمالياتها من التربة العربية بكل ما تشهده من تحولات سياسية وتغيرات اجتماعية.

تحولات جمالية

استطاعت بعض الأفلام من مصر وفلسطين ولبنان وتونس أن تحصد كثيراً من الجوائز السينمائية المهمة، انطلاقاً مما قدمته من أفق بصري مغاير، بحيث إن الأفلام التي تشارك في تلك المهرجانات تذهب لتدين فداحة الحرب التي تعيشها بعض البلدان العربية وتكشف حجم الدمار والمأساة التي تسبب فيها الاستعمار منذ أعوام طويلة.

على هذا الأساس، تقف بعض الأفلام في وجه النظام السياسي الغربي وهي تتحدى الخوف والجوع والقهر وتقدم للمتفرج الأجنبي سردية سينمائية مختلفة تهجس بالثورة والحداثة والتجديد.

 

 

غير أن الأفلام العربية التي لقيت صدى واسعاً في الغرب، لا ترتبط فقط بالمفاهيم الفكرية والأبعاد الجمالية والصناعة السينمائية التي تقترحها، بل أحياناً تستمد مشروعيتها من خطابها السياسي الطافح في ثنايا صورها السينمائية، أي إنه في خضم التسطيح الذي باتت تشهده السينما المغاربية من خلال سعيها وراء ما بات يسمى السينما التجارية، ثمة كثير من الأسماء العربية الواعدة التي تراهن في كل ما تبدعه من مشاهد وصور، على نوع من السينما الحقيقية التي تمجد الإنسان وتجعله موضوعاً لتفكيرها.

الوعي بقوة السينما على التغيير يبدو واضحاً في السينما العربية اليوم، إيماناً بقدرتها على نقد الواقع وكشف الاختلالات، فقد أدت السينما المستقلة في أكثر من بلد عربي دوراً كبيراً في توطيد علاقة المخرج بالواقع من خلال جعل الكاميرا تتجول في السراديب وتضمد الجراح وتكشف عن الخيبات والمآسي الذي أحدثتها الأنظمة في أجساد شعوبها وفق آليات مختلفة من التصوير السينمائي الذي يبدأ بالنقل الميكانيكي أحياناً من أجل تصوير بشاعة الحرب والقتل، وأحياناً عبر اللجوء إلى صورة متخيلة تسخر من السلطة وتعري أفكارها ومواقفها تجاه بعض القضايا ذات الصلة بالحرية والديمقراطية والدولة الاجتماعية وغيرها.

سينما تخترق الواقع

وظهرت في الأعوام الأخيرة الأسماء داخل السينما العربية، التي تعمل جاهدة في جعل السينما وسيلة للإدانة والنقد، كما هي الحال في تجربة المخرجة التونسية كوثر بن هنية والمخرجة الجزائرية مونيا مدور والمخرج الفلسطيني إيليا سليمان، حيث تبدو الصورة السينمائية عبارة عن مختبر سياسي أكثر من كونه جمالياً.

هذا النزوع الفني داخل السينما التونسية تتحكم فيه اختيارات فكرية أصيلة تظهر المفهوم الذي يتبناه بعض المخرجين العرب حول السينما، باعتبارها مشروعاً فنياً يبنى ويؤسس على فكر الالتزام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وجاء هذا الاختيار الجمالي في اللحظة التي بدأت فيها اللغة السينمائية داخل الفيلم العربي تبحث لنفسها عن أفق بصري، لا يهادن السلطة، ولا يحاول أن يجد لنفسه مكانة ناعمة داخل المؤسسات الإنتاجية الوطنية، بقدر ما يحرص هذا النوع من الخطاب السينمائي على نقد الواقع وتعرية مكبوت المجتمع التونسي عبر أفلام جريئة في طرح قضايا ذات صلة بالدين والجنس والسياسة.

وبقدر ما نجح بعض المخرجين أمثال فريد بوغدير ومفيدة التلاتلي في اقتناص لحظات دقيقة من الواقع، سقطت بعض الأسماء الأخرى في نوع من الأكلشيه البصري الذي يحاول منذ المشهد الأول أن يركب على موجات وتابوهات المجتمع ويجعلها بمثابة أفق منشود يحقق به نوعاً من الحظوة الرمزية داخل المهرجانات العالمية.

المثلث المحظور

في فيلم "ما البين" للمخرجة التونسية ندى مازني حفيظ، تتناول المخرجة ثنائية الجنسين، بما جعل الفيلم منذ الإعلان عنه يحقق بعضاً من الجدل في أوساط المجتمع، حيث وقفت المخرجة على مدى تأثير هذه الظاهرة البيولوجية في يوميات الناس والطريقة التي يعاملون بها ممن يعيشون هذا العطب الجسدي وذلك من خلال شخصية تتأرجح بين الذكورة والأنوثة.

وعلى رغم أن الفيلم لا يمكن مقارنته من الناحية الجمالية ببعض أفلام المخرجات العربيات الجريئات، فإن الفيلم استطاع أن يلفت انتباه الناس بسبب جرأة المخرجة وقدرتها على تفكيك الواقع التونسي ومحاولة إبراز ما ينضح به من أهوال ومآزق وتصدعات.

ومع أن الفيلم مثل تونس في الدورة الـ97 من جوائز أوسكار، إلا أن المشاهد لا يعثر له على أي أثر يذكر، وذلك لكونه من الأفلام غير المؤثرة بخطابها السينمائي، بحكم النزعة المغايرة التي تتملكه وتجعل صوره غير صادقة ومبنية على نوع من التسرع في اختيار الموضوع.

وفي وقت أصبح فيه النقد السينمائي العربي أشبه بنقد مناسباتي غير خاضع للمعاينة الدائمة اليومية الملتصقة بحميمية العمل السينمائي، تكثر مثل هذه الأفلام التي تدعي قدرتها على اختراق المكبوت ومحاولة وضع الواقع على طاولة التشريح والنقد.

 

 

وبدا هذا النقد في الآونة الأخيرة غير قادر على متابعة ما يحدث في السينما العربية بسبب غياب صحافة فنية متخصصة في الشأن السينمائي لها القدرة على مشاهدة كل ما يعرض من أفلام ومناقشتها وإجراء حوارات مع مخرجيها، بغية خلق خطاب نقدي حقيقي قادر على تفكيك الأفلام العربية وإظهار ما تحبل به من رؤى فكرية وتحولات جمالية.

لكن في مقابل الأفلام السطحية، ثمة أفلام تونسية استطاعت فعلاً أن تخترق بجدارة تابوهات المجتمع وتتحول من كونها مشاهد تعالج قضايا محلية، إلى أفلام تطرق باب العالمية، وذلك لأن المنطلقات الفكرية التي أسست عليها هذه الأفلام تظل حقيقية وتنبني على أصالة من ناحية الكتابة وإمكانات مذهلة من ناحية الإخراج، بما يجعل الفيلم يجد له مكانة في قلوب الناس، كما هي الحال مع فيلم "صمت القصور" (1994) للمخرجة الراحلة مفيدة التلاتلي التي تناولت عبر الفيلم قضية الإجهاض، لكن وفق آلية سينمائية تجعل الموضوع يخرج من إطاره الفردي المرتبط بشخصية "عليا" التي جسدتها الممثلة هند صبري إلى أن يتجذر بخيوطه داخل جسد المجتمع التونسي.

لقد أثار الفيلم منذ عرضه داخل عدد من المهرجانات الكبرى جدلاً كبيراً مثل "كان" و"قرطاج"، لكنه جدل مبني على الصدق وعلى طبيعة الفيلم السينمائية، ذلك أن أسلوب التلاتلي في الإخراج بدا أكبر من موضوع التابو نفسه، إذ بدت المخرجة مهتمة بتقديم أصالتها السينمائية من ناحية الإخراج كواحدة من المخرجات اللواتي نقلن السينما التونسية، صوب آفاق عالمية، أكثر من اهتمامها بموضوع الإجهاض كموضوع يدخل ضمن إطار التابو.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما