ملخص
مع ختام كل دورة من دورات المهرجانات السينمائية الكبرى، تتضح ملامح التوجهات والمواضيع التي ميزتها، وتتشكل صورة عاكسة للهموم الثقافية والاجتماعية والمعيشية التي تحرك ضمائر السينمائيين.
بعدما ساد موضوع العائلة والأمومة في الدورة الأخيرة من مهرجان كان، لفتتنا في "موسترا" البندقية هذا العام (27 أغسطس / آب الماضي – 6 سبتمبر / أيلول) عودة الدين إلى الواجهة، لكن بأبعاد وصور متنوعة. فقد تجلى الدين ليس فقط كخلفية اجتماعية، إنما أيضاً كمحور أساس أو عنصر ثانوي يثري الحبكة ويرسخ السياق. وفي هذا الإطار تألقت شخصيتان دينيتان بارزتان، ترمز كلتاهما إلى النظرة الأنثوية داخل فضاء ديني يهيمن عليه الذكور. الأولى هي الأم البريطانية آن لي (1736 – 1784)، والثانية الراهبة الألبانية التي عرفت باسم الأم تيريزا (1910 – 1997).
نبدأ مع الفيلم الأبرز في هذا السياق، والمشارك في مسابقة المهرجان، وهو "وصية آن لي" للمخرجة النرويجية منى فاستفولد، إذ يستلهم الفيلم قصة البريطانية آن لي مؤسسة طائفة الشاكرين، التي تمثل حركة دينية راديكالية نشأت خلال القرن الـ18. وآن لي شخصية متشددة وصارمة تمثل الوجه الأكثر تطرفاً للمسيحية، أسست طائفة عاش أتباعها في مجتمعات مغلقة رافضين كل التقاليد الاجتماعية، بعدما دعت معلمتهم إلى الزهد المطلق والعيش المشترك والعفة الكاملة، معتبرين العلاقة الجنسية أساس الخطيئة، ومناهضين الزواج والإنجاب. وتحدت آن لي الكنيسة وادعت أنها التجسيد الأنثوي للمسيح، مما أثار غضب السلطات الدينية والسياسية واعتبرته تجديفاً صريحاً. ونادت بمساواة كاملة بين الرجال والنساء في القيادة الروحية، وكان مطلباً ثورياً خلال ذلك الزمن.
واستناداً إلى تفاصيل من سيرتها، أعادت فاستفولد تخيل حياة آن لي (تلعب دورها أماندا سيفريد) في عمل سينمائي ميوزيكالي يمتاز بطموح بصري ومهارة إخراجية عالية، ومع ذلك يعاني بعض التكرار والرتابة. المشاهد الدرامية العادية يتخللها أداء الطقوس الصوفية التي كان يتبعها الشاكريون، والتي تمزج بين الغناء والحركات الجسدية التعبيرية. عباداتهم اتسمت بالاهتزازات والانفعالات الجسدية مثل الارتجاف والرقص والابتهاج التي تعبر عن إيمان عميق وتجرد روحي. لكن تلك الطقوس تتكرر ولا يبدو مجرد تكرار بل تشابه، وعندما تنحسر تلك الطقوس يعود الفيلم إلى إيقاع بطيء يترك المشاهد ضمن حال من الخيبة.
منى فاستفولد، وهي زوجة المخرج برادي كوربيت الذي أطل على مهرجان البندقية العام الماضي بفيلمه الرائع "الوحشي"، تحمل في "وصية آن لي" شيئاً من طموح زوجها الذي شارك ككاتب في العمل. لكن على رغم نزعته إلى السينما الكبيرة والاستعانة بالـ70 ملم، فلا يرتقي إلى مستوى رائعة كوربيت.
تقول فاستفولد عن دوافعها "نشأت في بيت علماني، ومع ذلك تأثرت عميقاً بنبوءات آن لي، على رغم ما قد تبدو عليه من عدم معقولية. ليس لأنني أؤمن بما كانت تعتنقه، بل لأنني أرى فيها توقاً عميقاً إلى العدالة والسمو والنعمة الجماعية. سعيها الجذري لبناء يوتوبيا ما هو إلا تعبير عن الدافع الإبداعي الذي ينبض في جوهر كل عمل فني: الحاجة الملحة إلى إعادة تشكيل العالم من جديد. وضوح رؤيتها وقدرتها على إلهام الآخرين نحو هدف مشترك يعكسان الروح التعاونية التي تقوم عليها كل تجربة إبداعية، سواء كانت تأليف سيمفونية أو بناء صرح معماري أو صناعة فيلم. فجميع هذه الفنون تشترك في شيء واحد: السعي وراء لحظات النعمة. ويأتي هذا الفيلم كتوقير لحلم آن لي وللصمت الذي يلف قصتها اليوم، في محاولة لاستعادة صوت امرأة شكلت بجرأتها استثناء في تاريخ الدين والمجتمع".
الأم تيريزا من منظور حديث
يقدم "أم" (المعروض في قسم "أوريزونتي") للمخرجة المقدونية تيونا ستروغار ميتيفسكا رؤية مغايرة وجريئة للأم تيريزا، ضمن إطار تفكيك الشخصيات الأيقونية ونقدها بعيداً من التمجيد أو الترويج لأعمال الراهبة الخيرية. الفيلم يقدمها بصورة جديدة، أحياناً قاسية، تحولها من رمز قدسته الأجيال إلى إنسانة حقيقية غير كاملة، تحمل في طياتها تناقضات إنسانية. وداعاً للصورة المثالية التي نحفظ عنها في الذاكرة، وهي تطعم الفقراء وتساعد الأقل حظاً. الفيلم متواضع فنياً، يتعثر أحياناً، على رغم بعض المشاهد اللافتة.
خلال الأعوام الأخيرة واجهت مؤسسات الأم تيريزا انتقادات لاذعة، بل وُجهت إليها اتهامات بأنها تبنت فكرة "تقديس المعاناة" بأسلوب يمكن وصفه بالسادي، بدلاً من علاج فعلي وفعال للمرضى. وصف أكاديميون كنديون طريقة تعاملها مع المرضى بأنها مثيرة للشكوك، بسبب ضعف معايير النظافة ونقص الأدوية اللازمة. وأثار استخدام التبرعات التي تلقتها مؤسستها جدلاً واسعاً، وبخاصة الأموال التي وصلتها من شخصيات إشكالية وعدم وضوح آلية صرفها. علاوة على ذلك، عدت مواقفها الصارمة المناهضة للإجهاض ووسائل منع الحمل سبباً في تأخر التقدم في مجال صحة المرأة، وهو ما رأى فيه كثر رجعية تعوق التطور.
ينطلق الفيلم خلال عام 1948 في كالكوتا، مع ترقب الأم تيريزا (تلعب دورها نومي راباس)، التي كانت حينها الرئيسة الروحية لدير راهبات لوريتو، لوصول الرسالة التي ستمنحها الفرصة لمغادرة حياة الدير المغلقة وتأسيس رهبنة جديدة، تلبية للدعوة الإلهية التي شعرت بها في أعماقها. وبينما تتهيأ الظروف لانطلاق مسيرتها الجديدة، تواجه خياراً عسيراً يزلزل قناعاتها ويختبر جوهر إيمانها، لتقف عند مفترق طرق مصيري سيحدد مسار حياتها الروحية والإنسانية إلى الأبد.
تقول المخرجة ميتيفسكا إنها عملت على هذا الفيلم لأكثر من 25 عاماً، قبل أن تصل أخيراً إلى العمل الذي يعبر عنها بالكامل، ويجسد المرأة التي تطمح أن تكونها: جريئة وحرة ولا تخشى المخاطرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتضيف: "مع بلوغي حريتي الشخصية، قررت أن أمنح ’أمنا‘ حريتها هي أيضاً. لم تكن تيريزا أماً بالمعنى التقليدي فحسب، بل كانت أماً لملايين البشر. كانت حازمة وصارمة ومنضبطة وفي الوقت نفسه جسدت الأمومة بما يفوق كل تصور. بعض الحوارات في الفيلم مقتبس حرفياً من مقابلات أجريتها مع آخر الراهبات والشهود الأحياء على شخصيتها أثناء عملي على الوثائقي ’تيريزا وأنا‘ الذي صورته في كالكوتا. وعلى رغم قدسيتها المعترف بها تظل تيريزا شخصية جدالية، خصوصاً في مواقفها من قضايا مثل الإجهاض التي يصعب على بعض فهمها اليوم، على رغم أن كثراً لا يزالون يتفقون معها. قررنا أن نروي قصتها قبل أن تتحول إلى ’الأم تيريزا‘ التي يعرفها الجميع. في فيلمنا، تظهر في سن الـ37، ونتتبع سبعة أيام فقط من حياتها، إذ نراها كما لو كانت مديرة تنفيذية لشركة دولية: لا تعرف الكلل وطموحة ومصممة. لا أحكم على قدسيتها من خلال تصرفاتها اللطيفة فحسب بل من خلال أفعالها. هدفي هو أن نحتفي بالنساء كما هن، لا كضحايا دائمات أو قديسات منزهات، بل كشخصيات كاملة ذات طموحات وأحلام، لا يختزل دورهن في أن تكون ’زوجة أحدهم‘. قد لا تكون تيريزا مثالية، لكنها كانت بلا شك استثنائية. فيلمي لا يسرد قصة امرأة بأسلوب ذكوري نمطي، بل يفتح آفاقاً للتأمل في معاني القداسة والأنوثة والأخوة والأمومة أيضاً".