ملخص
آلاف الممثلين والمخرجين في هوليوود أعلنوا مقاطعة المؤسسات السينمائية الإسرائيلية، في خطوة غير مسبوقة تعكس تحول المزاج الأميركي بعد قرابة عامين من قصف غزة. استندت المبادرة إلى تجارب سابقة في مقاطعة نظام الفصل العنصري بجنوب أفريقيا، مؤكدة أن الثقافة أداة ضغط سياسي فعالة.
لم أصدق عيني عندما قرأت خبراً يفيد بأن بعضاً من أكبر نجوم هوليوود قرروا مقاطعة إسرائيل. فقد انتشر الخبر الإثنين، وسرعان ما تضاعف صداه في الأيام التالية، ليكشف عن انضمام نحو 4 آلاف ممثل ومخرج وشخصية بارزة في صناعة السينما إلى تعهد جماعي بعدم التعاون مع أي مؤسسة سينمائية إسرائيلية، احتجاجاً على ما وصفوه بالإبادة المستمرة في حق الفلسطينيين.
وجاء في بيانهم شديد اللهجة: "نلتزم عدم عرض أفلامنا، أو المشاركة في أي نشاط، أو التعاون مع مؤسسات السينما الإسرائيلية - بما في ذلك المهرجانات ودور العرض والقنوات التلفزيونية وشركات الإنتاج - المتورطة في الإبادة والفصل العنصري ضد الشعب الفلسطيني".
وقد تضمنت القائمة أسماء لامعة ومفاجئة: أوليفيا كولمان، وإيما ستون، ومارك رافالو، وتيلدا سوينتون، وخافيير بارديم، وآيو إديبيري، وسوزان ساراندون، وريز أحمد، وإليوت بيج، وأندرو غارفيلد، وبرايان كوكس، وسينثيا نيكسون من بين الممثلين. كذلك شملت مخرجين بارزين مثل آفا دوفيرناي، ويورغوس لانثيموس، وبوتس رايلي، وجوشوا أوبنهايمر.
لا يجوز التقليل من شأن هذه الخطوة. ففي صناعة قائمة على كسب الجماهير وتجنب الجدل، نادراً ما يجاهر نجوم هوليوود بآرائهم في قضايا دولية بهذا الحجم، والأندر أن يتخذوا موقفاً عملياً ضدها (وقد أثارت المقاطعة فوراً ردود فعل قوية، إذ ووجهت بانتقادات حادة من ناداف بن سيمون، رئيس نقابة كتاب السيناريو الإسرائيليين، الذي وصفها بأنها "مقلقة للغاية"). والمفاجئ أيضاً أن تأتي هذه الموجة من نجوم هوليوود الأميركيين أنفسهم، القادمين من واقع كان الدعم فيه لإسرائيل تاريخياً هو الأشد قوة. كل ذلك يمثل إشارة واضحة إلى تغير المزاج العام، بعد ما يقارب عامين من القصف الإسرائيلي المتواصل والمتصاعد على غزة، وفي وقت وصلت فيه نظرة المواطنين الأميركيين إلى الحكومة الإسرائيلية إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق.
وعلى رغم أن هذه المقاطعة قد تبدو مفاجئة، فإن لها سابقة تاريخية تعود إلى عقود مضت. ففي عام 1963، وقع 48 كاتباً مسرحياً بريطانياً وأميركياً، من بينهم صامويل بيكيت وهارولد بنتر وجي بي بريستلي، إعلاناً يرفضون فيه السماح بعرض مسرحياتهم أمام جماهير مفصولة على أساس عنصري في جنوب أفريقيا. كان وقع هذه الخطوة عميقاً إلى درجة دفعت صناع المسرح هناك إلى طلب اجتماع مع وزير الشؤون الداخلية آنذاك لمناقشة الخطر الذي يهدد ثقافة المسرح في البلاد. وبعد عام واحد، دعا مارلون براندو المخرجين والممثلين والمنتجين في لندن إلى منع عرض أفلامهم للجماهير نفسها التي تخضع لسياسات التمييز.
وفي الثمانينيات، قاد الموسيقي والممثل ستيفن فان زاندت حركة "فنانون متحدون ضد الفصل العنصري" لمقاطعة منتجع "صن سيتي" الفاخر في جنوب أفريقيا. وواجه مغنون وفرق موسيقية من بينهم دوللي بارتون، وشيرلي باسي، وإلتون جون، والأشهر فرقة كوين، انتقادات لاذعة عندما خالفوا المقاطعة وأحيوا حفلات هناك مقابل أجور ضخمة.
وبحلول النصف الثاني من ذلك العقد، باتت المقاطعات الثقافية في صناعة السينما أكثر تنظيماً. ففي عام 1987، ومع تصاعد الاحتجاجات ضد النظام في جنوب أفريقيا، أسس مارتن سكورسيزي وجوناثان ديمي مجموعة "مخرجون متحدون ضد الفصل العنصري". وقاد سكورسيزي فريقاً يضم أكثر من 100 من زملائه في الصناعة مطالبين بعدم عرض أفلامهم في البلاد. وضغطوا على الرئيس الأميركي آنذاك رونالد ريغان، الذي كان ممثلاً قبل وصوله إلى البيت الأبيض، لدعم المقاطعة الثقافية، وكتبوا في خطابهم له: "لقد أصبح واضحاً أن المقاطعة وسحب الاستثمارات... هي آخر الوسائل السلمية المتاحة لتحقيق الهدف النهائي المتمثل في التغيير الاجتماعي في جنوب أفريقيا". لكن ريغان لم يتراجع، إذ عارض بشدة المقاطعات والعقوبات، مما أظهر أن المقاطعات ليست حلاً سحرياً، بل وسيلة للضغط على صانعي القرار.
اليوم، تعتبر المقاطعة الثقافية لدولة جنوب أفريقيا في عهد الفصل العنصري أحد العوامل المحورية في الحركة الأوسع لمناهضة "الأبارتايد". لم يقتصر أثرها في الجوانب الاقتصادية فحسب، بل شمل أيضاً ما يعرف بـ"القوة الناعمة" للدولة. فالثقافة أداة جوهرية في بناء سمعة الدول على الساحة الدولية، ونحن جميعاً نستهلكها وتشكل مواقفنا. وما عليك سوى النظر إلى بريق هوليوود ودورها في إضفاء صورة رومانسية وممجدة للولايات المتحدة عالمياً لتدرك حجم هذا التأثير.
ومن المرجح أن تستمر مثل هذه المبادرات في تصدر العناوين ما دام الهجوم الإسرائيلي على غزة مستمراً. ففي الأسبوع الماضي فحسب، ضاعف الفلسطينيون دعوتهم لمقاطعة فرقة "راديوهيد" بسبب عروض عازف الغيتار الرئيس فيها، جوني غرينوود، في تل أبيب خلال الأعوام الأخيرة، والتي اعتبرت تجاوزاً لاعتصامات مؤيدة لفلسطين. أما أثر ذلك في مبيعات التذاكر وسمعة الفرقة فما زال غير محسوم.
والمقاطعات الثقافية، بطبيعة الحال، تظل عرضة للاختراق أو الالتفاف، وقد تفشل أحياناً. وغالباً ما يحدث ذلك عندما لا تكون مستهدفة أو مدروسة، أو عندما تطاول نطاقاً واسعاً جداً من الأفراد والمؤسسات، أو تفتقر إلى مطالب واضحة ومحددة. أما حين تنفذ بدقة وبشكل مدروس، فإنها تحدث تأثيراً متزامناً على جبهات عدة. فعندما عبر الفنانون عن رفضهم نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، جعلوا الدولة منبوذة عالمياً، ولم تعد قادرة على المشاركة في المشهد الثقافي.
وغالباً ما تركز التغطية الإعلامية على الأسماء الكبرى المنتظمة في هذه المقاطعات، وهو ما يعكس قوة النجوم وقدرتهم على جذب الاهتمام العام. لكن هذا التركيز قد يحجب الجهود المبذولة على الأرض، وكذلك معاناة المتأثرين مباشرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي حال المقاطعة الأخيرة، من المهم التأكيد أنها جاءت استجابة لنداءات فلسطينية، حيث طالب الفلسطينيون العام الماضي العاملين في صناعة السينما بـ"بذل كل ما هو ممكن لوقف وإنهاء التواطؤ مع هذه الفظائع التي لا توصف". وقد نظم هذا التعهد في نهاية المطاف عبر مجموعة "عاملو السينما من أجل فلسطين"، النشطة منذ يناير (كانون الثاني) 2024، التي طالبت في وقت سابق هذا العام منصة "موبي" التي تبث الأفلام المستقلة بقطع علاقاتها مع شركة الاستثمار "سيكويا كابيتال"، وهي شركة رأس مال استثماري مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي.
ومن الواضح أن "عاملو السينما من أجل فلسطين" استلهمت استراتيجيتها من حركة "المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات" BDS، وهي حملة فلسطينية تعتبر المقاطعات الثقافية إحدى أدواتها الأساسية، مستوحية تجربتها من مقاومة "الأبارتايد".
وهم محقون في ذلك. فالثقافة شأن سياسي دائماً، والمقاطعات تذكرنا بهذه الحقيقة. وعلى المشاهدين أيضاً أن يعيدوا التفكير في من يمنحونه أموالهم ونقراتهم ومشاهداتهم. وعلى رغم أن تأثير الأفراد لا يرقى إلى قوة نجم عالمي أو مدير مالي ثري، فإن المشاركة الجماعية في المقاطعات الثقافية ممكنة. فكما تحثنا ستون وكولمان والفلسطينيون، علينا أن "نفعل كل ما هو ممكن".
© The Independent