Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حان وقت معاملة إسرائيل كما عوملت جنوب أفريقيا أيام الفصل العنصري

أثبتت حكومة تل أبيب أن التنديدات الدولية بالفظائع المتواصلة في غزة لا تعني لها شيئاً

تسلك إسرائيل الطريق نفسه الذي سلكته جنوب أفريقيا قبل 75 عاماً (شاترستوك)

ملخص

تحول أصوات معتدلة ووفية لإسرائيل، مثل ماثيو باريس وبنيامين بوغروند، إلى الدعوة لفرض عقوبات يعكس خطورة المسار الذي تسلكه حكومة نتنياهو، إذ يرون إسرائيل تسير على خطى جنوب أفريقيا زمن الفصل العنصري. الكلمات لم تعد تجدي، والعقوبات باتت الخيار الوحيد أمام المجتمع الدولي، بعدما تحولت إسرائيل إلى دولة منبوذة يسودها الفاشيون والعنصريون.

المعتدلون هم من يجب الحذر منهم، فعندما ينقلبون، يكون أثر تحولهم أشد وقعاً من أصوات الصاخبين وراياتهم المرفوعة. كان ذلك رد فعلي على العمود الذي كتبه ماثيو باريس أخيراً في صحيفة "تايمز"، والذي دعا فيه إلى فرض عقوبات حقيقية من جانب المجتمع الدولي بهدف صريح وهو التخلص من نتنياهو وحكومته الفاسدة.

يجسد باريس بالنسبة إلي تصوراً يكاد يكون أورويلياً لمعنى الهوية البريطانية - وأقصد هنا "أورويلي" بالمعنى الذي طرحه جورج أورويل في مقالته "الأسد ووحيد القرن"، لا بمعنى الكابوس الديستوبي في رواية 1984 (وللتحديد، كان أورويل يكتب آنذاك عن معنى الهوية الإنجليزية، لكن الفكرة تنطبق أيضاً على البريطانية).

منذ استقالته كنائب محافظ في البرلمان عام 1986، ظل باريس يكتب مقالات تعكس النزاهة، والإنصاف، والاعتدال، وتمتزج فيها روح الفكاهة بقدرة لافتة على ضبط النفس، إلى جانب دفاع ثابت عن حرية الفكر والعمل والتعبير. وهو في الوقت نفسه متمسك بالماضي والتقاليد، لكن من دون أن يغيب عنه التسامح والبراغماتية. وفي انتخابات عام 2019 صوت لحزب الديمقراطيين الليبراليين بعدما ضاق ذرعاً بالشعبوية الانتهازية لبوريس جونسون. لكنه ما زال يعتبر نفسه محافظاً مدى الحياة.

فتأملوا إذاً هذا الرجل العقلاني، وفكروا في دعوته الرصينة لفرض عقوبات على إسرائيل، استناداً - كما يقول، إلى خبرته الشخصية مع فعالية العقوبات ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، البلد الذي ولد فيه.

ويقر بأنه كان في البداية معارضاً لفكرة العقوبات، لكنه انتهى مقتنعاً بأنه لا بد منها. ويضيف، "حتى ذلك النظام الشرير لم يحاول محو هوية السود، ولا ذبح عشرات الآلاف منهم، ولا تسوية أوطانهم بالأرض."

ولو جاء هذا الكلام بقلم أوين جونز أو كين لوتش أو جيريمي كوربين، لاكتفى المدافعون عن إسرائيل بالقول: "هذا متوقع منهم، أليس كذلك؟" وبالفعل، نشرت "تايمز" في اليوم التالي على صفحة الرسائل الإدانة المعتادة لكل ناقد صريح لإسرائيل باعتباره يردد دعاية معادية للسامية.

لكن تجاهل أصوات رصينة ومعتدلة كهذه خطأ جسيم. وهنا تحضر أبيات روبرت بيرنز: "يا ليت قوة ما تمنحنا القدرة على أن نرى أنفسنا كما يرانا الآخرون! فذلك كان ليجنبنا كثيراً من الأخطاء والأوهام".

قبل نحو 25 عاماً قضيت يوماً كاملاً في غزة، ضمن رحلة هدفت إلى التعمق في فهم الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وهي قصة يصعب تحريرها صحافياً إن لم تزر الأراضي المتنازع عليها وتستمع إلى الناس من جميع الأطراف.

معظم الإسرائيليين الذين التقيتهم لم تطأ أقدامهم غزة قط، ولا يعرفون شيئاً عن ظروف العيش هناك - وربما ينطبق الأمر نفسه على الفلسطينيين. على موائد العشاء، كان أشخاص محترمون يبدون آراء واثقة عن واقع لم يعرفوه. وبينما كنت أعود إلى حياة القدس المريحة والمنفتحة بعد يوم أمضيته وسط بؤس غزة ويأسها، كنت أتأمل الفجوة بين الأقوياء والضعفاء، بين من ينعمون بالراحة ومن يفتقدون إليها.

لم تكن المسافة طويلة - لا تزيد على الرحلة بين سويتو وضواحي جوهانسبورغ الشمالية، وهي رحلة قمت بها في أيام الفصل العنصري - لكن أوجه التشابه كانت فاضحة ولا يمكن التغاضي عنها. في تلك الليلة تناولت العشاء مع ديفيد غروسمان، أحد أبرز الروائيين الإسرائيليين، الذي فقد لاحقاً ابنه في جنوب لبنان. بدأ حديثه قائلاً: "لقد كنت في غزة اليوم. إذاً، أخشى أنك ستكون غاضباً جداً".

بعد خمسة أعوام، كتب مراسلنا في القدس، كريس ماغريل - وكان أيضاً مراسلاً سابقاً في جنوب أفريقيا - سلسلة من جزأين بلغ مجموعها 15 ألف كلمة، تناول فيها بدقة أوجه الشبه بين نظام الفصل العنصري الذي عايشه عن قرب في وطنه، وإسرائيل التي غطى أخبارها على مدى أربعة أعوام بجدارة.

قال ماغريل ما كان يعتبر آنذاك من المحرمات، فانفجرت عاصفة من ردود الفعل المنظمة والشرسة. وعلى رغم شكوى مطولة من 38 ألف كلمة رفعت إلى الهيئة المنظمة آنذاك، لجنة شكاوى الصحافة، لم يعثر على خطأ واحد في الحقائق المنشورة، واقتصر الأمر على تصحيح بسيط في لقب أحد السياسيين.

وكان الرد الأكثر إيلاماً من بنيامين بوغروند، نائب رئيس تحرير صحيفة "راند ديلي ميل" السابق، وهي صحيفة عرفت بسجلها البارز في مقاومة الفصل العنصري. فبعدما أمضى 26 عاماً في القدس، كتب بلا لبس: "لا مجال للمقارنة".

لكن عجلة الزمن دارت، وقبل أكثر من عامين، تراجع بوغروند عن موقفه. فبعدما كان، على حد قوله، قد "جادل بكل ما أوتي من قوة" ضد اتهام إسرائيل بأنها دولة فصل عنصري، اضطر الآن إلى الاعتراف بوضوح: "نحن اليوم تحت رحمة فاشيين وعنصريين (كلمتان اخترتهما بعناية) لا يستطيعون، ولن يستطيعوا، التوقف […] إن الحكومة اليمينية تدفع البلاد إلى التمييز والعنصرية المؤسسية. هذا هو الفصل العنصري.

ويضيف، "إسرائيل 2023 هي جنوب أفريقيا 1948. لقد عشت ذلك من قبل: الاستيلاء على السلطة، والفاشية، والعنصرية، وتدمير الديمقراطية. إسرائيل تسلك الطريق نفسه الذي سلكته جنوب أفريقيا قبل 75 عاماً. الأمر أشبه بمشاهدة إعادة لفيلم رعب".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشك في أن كلمات بوغروند الصادقة تركت أثراً كبيراً، على رغم صدورها عن أكثر الأصدقاء وفاءً لإسرائيل. كان ذلك قبل شهرين من هجوم "حماس" المروع في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لكن حتى حينها كانت الكلمات قد فقدت كثيراً من قوتها أمام خطوط الانقسام المتصلبة في المجتمع الإسرائيلي.

لكن كان ينبغي الإصغاء إليها، إذ اختتم بوغروند تحذيره بالقول: "إن إسرائيل تقدم هدية لأعدائها في حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات وحلفائهم […] لقد دأبوا طويلاً على تشويه ما هو سيئ أصلاً إلى مستوى بشع، لكنهم الآن سيقولون إنهم كانوا على حق. إسرائيل تعطيهم البرهان".

وها نحن اليوم، بعد ثلاثة أعوام، ولم يعد أعداء إسرائيل وحدهم من يطالبون بالعقوبات، بل أصدقاؤها أيضاً. إنهم المعتدلون الذين انقلبوا عليها - وكل المؤشرات تدل على أن إسرائيل ستتجاهلهم بدورهم.

لم تعد الكلمات ذات قيمة - سواء أتت من كتاب الصحف، أو منظمات إنسانية، أو قادة عالميين. لم يعد ثمة جدوى من القول للإسرائيليين إن حكومتهم تسيء إلى سمعة بلدهم، أو أن إسرائيل باتت دولة منبوذة. لا أحد في حكومتهم يبالي.

ولهذا، يرى باريس، ومعه كثر ممن كانوا ينفرون سابقاً من هذه الإجراءات، أن العقوبات الفعلية هي الرد الوحيد الممكن. "وإلا"، كما كتب، "فسنعود إلى هذه الأعوام لاحقاً ونحن مشدوهون وخجلون لأننا سمحنا بوقوع مثل هذه الفظائع من دون تدخل جاد من جانبنا".

هل من مستمع؟

© The Independent

المزيد من آراء