Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سكرة "سد النهضة" تنعش آمال إثيوبيا بإطلالة على البحر

آبي أحمد يتحدث عن قرب تصحيح خطأ تاريخي باستعادة ميناء "عصب" من إريتريا وتحذيرات من "حرب محتملة" تفاقم أوجاع القرن الأفريقي

مرتدية ألوان العلم الإثيوبي خلف صورة جوية مزخرفة لسد النهضة الكبير خلال حفل افتتاحه الرسمي (أ ف ب)

ملخص

ضمن الخلاف المتأصل تحمل مرحلة ما بعد افتتاح سد النهضة غموضاً ومؤشرات لتطورات مرتقبة على المنطقة الإقليمية ككل.

قالت إثيوبيا إنها حققت حلماً كان يراودها منذ 1000 عام، وإنها مسألة وقت فقط قبل أن تستعيد ميناء "عصب" على البحر الأحمر لتصحح الخطأ الذي وقع قبل ثلاثة عقود.

ماذا يمثل افتتاح سد النهضة في الأفق الإثيوبي؟ وهل يطوي الافتتاح الرسمي الخلافات بين طرفي المنبع والمصب، وضمن التطورات في الطموح الإثيوبي هل يكمل البحر مساره عبر النهر؟

في احتفال كبير افتتح رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في التاسع من سبتمبر (أيلول) 2025 سد النهضة الكبير (GERD) برفقة عدد من الرؤساء الأفارقة والضيوف المدعوين، وتزامنت المناسبة مع قدوم رأس السنة الإثيوبية التي يحتفل بها الإثيوبيون سنوياً خلال العشرية الأولى من سبتمبر.

واستقبل الافتتاح كذلك زعماء أفارقة مثلوا القمة الأفريقية الثانية للمناخ، إضافة إلى رؤساء مؤسسات وهيئات دولية، وجموع سياسيين وصحافيين حضروا القمة المناخية (في مجال التكيف مع التغير المناخي) خلال الفترة من الثامن إلى الـ10 من سبتمبر في أديس أبابا. وشارك في الحفل الذي أقيم بموقع السد الرؤساء إسماعيل عمر جيله (جيبوتي)، وسلفا كير ميارديت (جنوب السودان)، وحسن شيخ محمود (الصومال)، ووليام ساموي روتو (كينيا)، وميا أمور موتلي (بربادوس)، وراسل مميسو دلاميني رئيس وزراء مملكة إيسواتيني. إضافة إلى رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمد علي يوسف، ووكيل الأمين العام للأمم المتحدة والأمين التنفيذي للجنة الاقتصادية لأفريقيا التابعة للأمم المتحدة كلافر جاتيتي.

إيقاظ الموتى

وكان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد وصف إكمال مشروع سد النهضة الإثيوبي بأنه "أشبه بإيقاظ الموتى، في إشارة إلى التحديات الكبيرة التي رافقت بناءه. وكانت انطلاقة مشروع سد النهضة على يد رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ملس زيناوي، الذي وضع حجر الأساس للمشروع في الثاني من أبريل (نيسان) 2011، وأطلق على المشروع الذي أقيم في ولاية بني شنقول "سد الألفية"، ليتحول الاسم بعد ذلك إلى "سد النهضة".

 

وخلال لقاء بث في الثاني من سبتمبر 2025 قبيل الافتتاح بموقع السد في منطقة غوبا، أكد أحمد "أنه كان مشروعاً قومياً استثنائياً بذلت فيه جهود مضنية وتضحيات جسيمة، في ظل محاولات متكررة من "أصحاب المصالح الضيقة" لتعطيله، وأضاف أن السد سيكسر قيود الظلم والدمار والفقر الممتد أعواماً طويلة.

وأشار "إلى أن السد ليس مجرد استثمار، بل رمز وطني يعبر عن تطلع الإثيوبيين للحرية والكرامة، وأن استكماله على رغم العقبات يمثل كسراً للفقر والظلم التاريخي، ولفت إلى أن تجربة سد النهضة تقدم دروساً مهمة للمؤرخين والعلماء إذا ما درسوها من دون تحيز سياسي، معتبراً إياها تجربة ملهمة للأجيال القادمة.

وقال إن سد النهضة يمثل حلماً تاريخياً راود الشعب الإثيوبي منذ أكثر من 1000 عام، وإن اكتماله يعني تحقيق ذلك الحلم. وأضاف أن إثيوبيا لم تكن تعمل فقط لبناء سد، بل لتحقيق "سيادة القرار التنموي" واستغلال مواردها المائية بصورة مستقلة، وشدد على أن السد سيكون رمزاً للتكامل الإقليمي وليس للخلاف، ودعا إلى تحويله إلى منطلق للتعاون مع دول حوض النيل.

دلالات كثيرة

المعطيات الحالية في مسيرة سد النهضة وحتى افتتاحه تعطى دلالات كثيرة سواء لإثيوبيا أو لدولتي المصب، فإثيوبيا تعتبر أنها انتزعت حقاً سيادياً في مياه النيل الأزرق الذي يجري تحت قدميها، وبالنسبة إلى دولتي المصب فما شهدته الفترة الماضية من خلاف لا يزال حتى الآن يلاحق قضية السد بعد "اتفاق المبادئ" الذي يتهم طرفا المصب إثيوبيا بعدم التزامه ومحاولة "السيطرة على النيل" والانفراد بالقرار المائي في إدارة السد وتشغيله، من دون الوصول إلى اتفاق قانوني يحفظ الحقوق المائية لكل من مصر والسودان.

وشهدت الفترة الماضية وخلال ما يزيد على الـ10 أعوام مفاوضات بين الأطراف الثلاثة لم تفض إلى تفاهمات حقيقية، وهو ما اعتبرته مصر تعنتاً إثيوبياً، وأعلنت عن مقاطعتها أخيراً المفاوضات، محتفظة بحقها في اتخاذ القرار حال تعرض مصالحها المائية لأي خطر، وجاء ذلك بعد الجولات الأخيرة التي تعاقبت بين القاهرة وأديس أبابا بتوجيهات خاصة من القيادتين المصرية والإثيوبية، وبعد الفشل المتلاحق للمحادثات على مدى 10 أعوام، على أمل حسم الخلاف والتوصل إلى اتفاق، وهو ما لم يحدث.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بدأت مسيرة المفاوضات بعد إعلان إثيوبيا عن مشروع سد النهضة عام 2011، وبدئها البناء من دون التشاور مع دولتي المصب. أعقب ذلك في 2012 – 2013 بداية محادثات فنية وتشكيل لجنة متخصصين دوليين لدراسة آثار السد.

في يوليو (تموز) 2015 تم توقيع "إعلان مبادئ الخرطوم" بين مصر والسودان وإثيوبيا، الذي اعترفت فيه دولتا المصب بحق إثيوبيا في بناء السد وفق مبادئ 10 تنص على التعاون وحسن النية وعدم الإضرار في شأن الاستفادة من مياه النيل مع استكمال الدراسات الفنية. ومنذ البدء اصطدمت المفاوضات بخلاف حول المدة المفترضة لملء بحيرة السد.

 بعد توقيع اتفاق المبادئ وخلال الأعوام (2018 – 2019) تعثرت المفاوضات المتتالية، مما قاد إلى تدخلات إقليمية ودولية للاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة، وعام 2020 دخلت واشنطن إلى جانب البنك الدولي كوسطاء، وأفضى التفاوض إلى توقيع "اتفاق واشنطن"، إذ وقعت مصر بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق، ورفضت إثيوبيا التوقيع، بينما تحفظ السودان.

 

بدأت إثيوبيا ملء خزان السد في 2020 – 2021 (الملء الأول والثاني) على رغم اعتراض مصر والسودان. وبدأت مفاوضات جديدة تحت رعاية الاتحاد الأفريقي خلال 2021 – 2022 في جنوب أفريقيا، ثم الكونغو الديمقراطية، وفشلت جميعها في التوصل إلى اتفاق ملزم. وظلت إثيوبيا مستمرة في عملية الملء الأحادي على رغم رفض طرفي المصب، وظلت الخلافات حول حقوق إخطار دولتي المصب وإشراكهم في مجريات الملء والتشغيل، ووضع اتفاق قانوني ملزم يحفظ حقوقهما المشروعة.

 خلال الأعوام 2023 – 2024أعلنت إثيوبيا استكمال المراحل الكبرى من السد، والتشغيل الجزئي لإنتاج الكهرباء، في ظروف استمرار الخلاف ورفض إثيوبيا التزام أي اتفاق قانوني.

وشهدت الأعوام 2024 – 2025 عودة المفاوضات (الاتصالات الفنية والسياسية) باتفاق تم بين زعامة الدول الثلاث، لكن من دون اختراق جوهري، مما أدى إلى اعتزال مصر التفاوض واحتفاظها بحق الرد حال تعرض نصيبها المائي لأي نقص، وأعقب ذلك تصريحات من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قال فيها إن "نقطة مياه واحدة لن تنقص من حصة مصر"، وإن "أي مساس بمياه مصر هو خط أحمر".

مواقف الأطراف

تمثل موقف دولتي المصب (مصر والسودان) في مطالبة إثيوبيا بإبرام اتفاق قانوني ملزم في شأن قواعد الملء والتشغيل، وتكوين آلية تنسيق، وإخطار مسبق عبر المشاركة في إدارة السد، وضمانات لعدم الإضرار، والتعامل مع السد باعتباره آلية إقليمية مشتركة لا ملكية إثيوبية خاصة.

ويشير الموقف الإثيوبي إلى أن السد مشروع سيادي وحق طبيعي للتنمية، مع القبول بمبدأ التفاوض ولكن من دون التزام اتفاق "ملزم"، إلى جانب عدم اعتراف إثيوبيا بالاتفاقات التاريخية التي كفلت لكل من مصر والسودان 48 و8 مليارات متر مكعب على التوالي.

وفي ظل عدم توصل الأطراف إلى اتفاق تظل قضية سد النهضة معلقة تنظر لمجريات التطورات التي تصاحب تشغيل السد بعد افتتاحه الرسمي الأحادي من قبل الحكومة الإثيوبية، وكان الافتتاح زامن اتفاقاً ثنائياً بين مصر والسودان تجاه ترتيبات المرحلة المقبلة في ظل عدم اعترافهما بسد النهضة، إلى جانب سباق شكاوى بين مصر وإثيوبيا إلى مجلس الأمن، ولغط متجدد حول الأحقية في النيل والحصص التاريخية التي تتمسك بها كل من مصر والسودان، في حين تعدها إثيوبيا اتفاقات استعمارية عفى عليها الزمن وتم إلغاؤها بالاتفاقية الإطارية التعاونية لدول النيل (CFA)، التي لا تعترف بها كل من مصر والسودان.

مرمى البحر الأحمر

ضمن الخلاف المتأصل تحمل مرحلة ما بعد افتتاح سد النهضة غموضاً ومؤشرات لتطورات مرتقبة على المنطقة الإقليمية ككل.

على مستوى آخر وضمن استراتيجية إثيوبيا المائية، ارتبطت خواتيم سد النهضة بمطالبة إثيوبيا بمنفذ بحري كونها دولة ذات علاقة حضارية سابقة بالبحر الأحمر، فضلاً عن حاجتها الاقتصادية الملحة في ظل نموها السكاني الذي يتجاوز 120 مليون نسمة.

وخطت إثيوبيا، إلى جانب تصريحاتها المباشرة حول أحقيتها بالمنفذ البحري، خطوات عملية في اتفاقها مع صوماليلاند عبر مذكرة تفاهم بين الطرفين في يناير (كانون الثاني) 2024 يوفر لإثيوبيا منفذاً بحرياً على سواحل منطقة بريرا (Brbera Port) بطول يقارب 20 كيلومتراً على خليج عدن لمدة 50 عاماً مقابل الاعتراف بصوماليلاند كدولة مستقلة، وهو ما أدى إلى النزاع مع دولة الصومال الأم، وأخيراً التدخل التركي في اتفاق التعاون والمصالحة المبرم بين الطرفين.

 

وخلال الفترة الأخيرة بدأت تصريحات أخرى علنية عن أخطاء تاريخية في التخلي عن الساحل الإريتري وعدم الاحتفاظ بأي منفذ بحري بعد استقلال إريتريا، وهو ما تسعى إثيوبيا إلى تصحيحه خلال المرحلة المقبلة، مما قاد إلى إشعال حرب كلامية مع الجانب إريتريا، واتهام الأخيرة لجارتها بدق طبول الحرب.

رؤية إثيوبيا حول ما تراه من حقوق مائية تضمنتها "استراتيجية الماءين"، والمقصود بهما (النيل الأزرق والبحر الأحمر)، اللذان ترى إثيوبيا أنها تملك حقوقاً أساسية فيهما، وتمضى الاستراتيجية في وصف الماءين باعتبار أنهما يحددان مصير إثيوبيا وتقدمها كدولة ذات طموح واستراتيجية تنظر للمستقبل.

وتقول "استراتيجية الماءين" التي وضعها معهد الشؤون الخارجية (IFA) التابع لوزارة الخارجية الإثيوبية، إن "منطلق الاستراتيجية الرئيس هو الحقيقة الثابتة والقائلة إن مصلحة إثيوبيا مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بهذين الماءين، إضافة إلى أنها تواجه تهديدات مستمرة بسبب الجسمين الماءين، وهما موردان لا غنى عنهما في مسيرة البلاد المستقبلية. ولا يمكن لإثيوبيا بأية حال من الأحوال أن تتنازل أو تتغاضى وتتساهل عن قضايا متعلقة بهذين الماءين، ولأجل ذلك يجب أن يعطى الموضوع الأولوية، وأن توضع له استراتيجية عملية على مستوى البلاد".

يوم تاريخي

في ما يتعلق بالاحتفال الذي شهدته إثيوبيا بافتتاح سد النهضة، يقول الكاتب المتخصص في الشؤون الأفريقية، يوسف ريحان، إن "التاسع من سبتمبر الحالي هو يوم تاريخي بالنسبة إلى الشعب الإثيوبي، لأنه يأتي تتويجاً لملحمة سد النهضة التي استمرت قرابة 15 عاماً من الجدل بين الأطراف الثلاثة (إثيوبيا والسودان ومصر)، لم يتوقف خلالها البناء على غرار المفاوضات التي توقفت مرات عدة، وعلى رغم عدم الوصول لاتفاق ملزم حوله، وإن تغير موعد الافتتاح مرات، لكن المشروع اكتمل، وباكتماله انفتحت لإثيوبيا نافذة جديدة نحو المستقبل والمنطقة الإقليمية".

ويضيف أن "أهمية الاحتفال نتجت من ضخامة المشروع، ومن تاريخ الدراسات الأميركية التي اقترحت عدداً من السدود ذات الأغراض المختلفة، تجاوزت الـ10 في حوض النيل الأزرق وروافده، على عهد الإمبراطور هيلاسي لاسي بين 1956 – 1964، وكان هذا التعاون الإثيوبي - الأميركي في مقابل التعاون المصري - الروسي الذي نتج منه بناء السد العالي. ومنذ اكتمال الدراسات عام 1964 وحتى 2011 وقت وضع حجر الأساس لسد النهضة على عهد رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ملس زيناوي، انقضت قرابة 50 عاماً وأهم سد في الدراسات الأميركية لم يكن قد رأى النور بعد، لحساسية موقعه وسعته التخزينية التي عدلت مرات عدة، ولتوقع فتحه باباً كبيراً من الجدل كما حدث بالفعل".

 

ويستطرد "منذ وضع حجر الأساس لبناء السد في أبريل 2011 والاهتمام الإعلامي به ملأ الدنيا وشغل الناس مروراً بجميع المراحل وحتى الافتتاح، وكلها خلفيات أعطت لسد النهضة أهمية أكبر حتى من السدود التي سبقته، لذلك وحد السد الوجدان الإثيوبي، وتنظر إليه الشعوب الإثيوبية على أنه المشروع الذي سيقلل الفقر ويوسع دائرة الإنتاج ويرفع معدلات التنمية ويحسن حياة الناس، وذلك ما أنتج هذا الالتفاف الشعبي غير المسبوق حوله، منذ عهد رئيس الوزراء الراحل ملس زيناوي، مروراً بخلفه هايلي مريام ديسالين، وانتهاء برئيس الوزراء الحالي آبي أحمد، أي منذ بداية المشروع وحتى نهايته"، ويتابع "أظن أن حال الفراغ في الداخل الإثيوبي، التي كان من الممكن أن تحدث اختلافات جوهرية بين المكونات السياسية والقوميات المختلفة، قد امتلأت بالتفاف الشعب حول المشروع مما أسهم في تهدئتها، وذلك يعني أن المشروع دعم بدرجة كبيرة عملية الاستقرار السياسي وحال السلام المستدام التي لم يعكر صفوها إلا في بعض الحالات الاستثنائية. ومما لا شك فيه أن سد النهضة كان ملحمة تنموية أدخلت ذلك المدى الزمني المحصور منذ وضع حجر الأساس في أبريل 2011 وحتى الافتتاح في سبتمبر 2025، مع القيادة السياسية واللجان الفنية المعنية بالملف، أدخلتهم جميعاً في سجل التاريخ الإثيوبي المشرف الذي ستنظر إليه الأجيال بشيء من الإجلال والتقدير"، ويوضح "صحيح أن الاختلافات التي سببها السد مع طرفي النزاع كانت كبيرة، وهذا الاختلاف في طريقه لإنتاج خريطة تحالفات جديدة لأسباب كان ملف السد رئيساً فيها، بخاصة من جانب دولتي المصب السودان ومصر مع الأطراف الأخرى، نذكر منها على سبيل المثال التقارب المصري الصومالي، والمصري الإريتري، لكن أظن أنه سيكون من الضروري للمحافظة على مكاسب سد النهضة حسم الخلافات المتبقية وصولاً إلى تفاهمات تقلل من حدة الخلاف، على أسوأ الفروض، إن لم تنجح في طيه بما يرضي جميع الأطراف".

ويضيف ريحان "أما ما يتعلق بالمنفذ البحري، فهنالك إشكال يتعلق بالكيفية، وهذه الكيفية من باب التجارب العالمية مفهومة، كون الجغرافيا أنتجت لنا دولاً حبيسة وأخرى مشاطئة، والبناء على تلك التجارب أمر مطلوب ومحمود. أما الحديث عن ضرورة الحصول على منفذ بحري من دون تحديد الكيفية فسيجعل التفسيرات تمضي بعيداً، وستطرح كل دولة مجاورة لإثيوبيا سؤالاً عن المعني وراء هذه التصريحات الإثيوبية، وسيقود ذلك بالضرورة إلى استعداد من قبلهم لجميع السيناريوهات، وهذه معضلة في حد ذاتها يمكن أن تحدث إرباكاً في المشهد، وتوترات قد تتطور إلى حروب تهدم كل البنيان الذي تم فوق الرؤوس، والذي لم يكن ليقوم بعيداً من أجواء السلام التي تعم المنطقة، وأسهم القادة بحكمتهم في الوصول إليها والمحافظة عليها".

تصحيح الخطأ

الكاتب والباحث في الشؤون الأفريقية عمار العركي، يقول "في ظل التطورات الحادثة، وقد أصبح سد النهضة واقعاً، فإن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد سبق أن لمح في شأن المنفذ البحري إلى أن عودة ميناء عصب إلى سيطرة إثيوبيا مسألة وقت، مؤكداً أن فقدان بلاده للمنفذ البحري قبل ثلاثة عقود كان خطأً سيصحح قريباً".

يشير العركي إلى أن "حديث آبي أحمد جاء في مقابلة مع الإعلام الرسمي الإثيوبي قبيل افتتاح سد النهضة، إذ ربط رئيس الوزراء بين الإنجاز المائي والتحولات الجيوسياسية التي تمنح أديس أبابا – بحسب تعبيره – شرعية لاستعادة منفذها البحري. في المقابل كان رد وزير الإعلام الإريتري يماني قبرمسقل حاداً، واصفاً هذه التصريحات بأنها دق لطبول حرب متهورة، وتشويه للتاريخ الإريتري، مؤكداً أن استفتاء عام 1993 كرس سيادة إريتريا كحق غير قابل للتصرف".

ويضيف "تصريحات أديس أبابا تشكل محاولة علنية لإعادة فتح ملف الوصول إلى البحر، وهي تعبر عن نية تحويل الإمكانات الجديدة المرتبطة بسد النهضة إلى نفوذ جيو- اقتصادي، وهذا الخطاب لا يبقى محصوراً في إطار إثيوبي - إريتري فحسب، بل له انعكاسات مباشرة على المنطقة التي يشارك فيها السودان الحدود مع إثيوبيا، والتقاطع الاستراتيجي مع الطرفين، وقد تصبح المنطقة ملعباً للمناورات، أو فتح واجهات قتال، مما يجر المنطقة ككل إلى توترات جديدة".

 

ويشير إلى أن "إثيوبيا فقدت منفذها البحري الوحيد عام 1993 مع استقلال إريتريا بعد استفتاء تقرير المصير الذي اعترفت به الأمم المتحدة، وبذلك أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة تعتمد على موانئ جيبوتي بالأساس، إضافة إلى موانئ في السودان وإريتريا في فترات متقطعة، لكن ميناء عصب ظل رمزاً حساساً، إذ كان المنفذ الحيوي الأبرز لأديس أبابا على البحر الأحمر طوال عقود".

ويضيف العركي "الحرب الإثيوبية – الإريترية (1998 – 2000) أنهت أية إمكان للتعاون، وأغلقت الباب أمام استخدام إثيوبيا الموانئ الإريترية، ورسخت القطيعة التي لم تكسر إلا موقتاً مع اتفاق السلام الذي وقعه آبي أحمد وأسياس أفورقي عام 2018، قبل أن تتراجع العلاقة مجدداً مع اندلاع حرب تيغراي عام 2020، وما تلاها من تباينات حادة بين الطرفين بعد اتفاق (سلام بريتوريا) في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023"، ويوضح "اليوم، يحاول آبي أحمد إعادة فتح الملف مستخدماً لغة القوة والحق التاريخي، في وقت ترى إريتريا أن الحديث عن (تصحيح خطأ) يتجاهل حقائق السيادة والاستقلال لإريتريا، التي دفع الشعب الإريتري ثمنها غالياً، لذلك جاء رد أسمرة متشدداً ومشحوناً بالرفض القاطع، واصفاً الخطاب الإثيوبي بأنه (تشويه للتاريخ)".

ويتابع "إن خطورة التصريحات الإثيوبية تكمن في توقيتها، إذ يشهد البحر الأحمر حالياً تنافساً دولياً محتدماً بين قوى كبرى (الولايات المتحدة، الصين، روسيا) وقوى إقليمية (الخليج، تركيا، إيران)، فأي صراع إثيوبي – إريتري سيقع بالضرورة في قلب هذا التنافس، مما يجعله مرشحاً للتدويل السريع، إلى جانب ذلك فإن فتح جبهة جديدة بين أديس أبابا وأسمرة سيضيف عبئاً أمنياً خطراً على القرن الأفريقي، بخاصة مع استمرار الحرب في السودان، والتوترات في الصومال، والانكشاف الأمني في اليمن عبر الضفة الأخرى من البحر الأحمر".

ويؤكد أن "زيادة الضغوط على الحدود الشرقية (محلية وأمنية) قد تترجم إلى محاولات اختراق أو استحداث نقاط مراقبة أو قواعد موقتة من قبل فصائل تدعمها أطراف خارجية، مع محاولات استغلال الممرات اللوجيستية داخل السودان لدعم تحركات بعض الأطراف، مما يعرض السيادة الوطنية للسودان للخطر، في ظل استغلال جهات إقليمية ودولية للتطورات".

ويتوقع العركي أن "تخلق الأحداث في حال اندلاع حرب إثيوبية - إريترية موجات لجوء ونزوح جديدة، مما يثقل كاهل المنطقة إنسانياً وأمنياً، ويتسبب في تفجرها بصورة عامة، وربما تقود الأحداث إلى تدويل النزاع عبر دخول أطراف متعددة في ظل التنافس الإقليمي والدولي على المنطقة"، موضحاً "الخطاب الإثيوبي بتصحيح أخطاء الماضي سيفرض أجندة جديدة تمثل خطراً حقيقياً، وهو ما وصفته إريتريا بدق طبول حرب تزيد من تعقيد أزمات القرن الأفريقي".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير