Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في الأردن: حكومة كل عام لكن من يدفع الفاتورة؟

كثرة تغيير الوزراء ترهق المواطنين ويصفها مراقبون بهدر لأعوام من التخطيط وكلفة ثقيلة على الخزانة

الوزراء الجدد في صورة جماعية برفقة العاهل الأردني وولي العهد (الديوان الملكي الأردني)

ملخص

يستلزم كل تعديل وزاري في الأردن إجراءات رسمية كمراسم أداء اليمين ومخصصات الوزراء المرتفعة والتعويضات ونفقات السفر الرسمي والصيانة ومخصصات الموظفين المرافقين.

أجرى رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان التعديل الأول على حكومته التي غادرها 10 وزراء، في مشهد سياسي بات مألوفاً لدى الأردنيين الذين اعتادوا على تغييرات مستمرة في بنية الحكومات وتدوير الحقائب الوزارية وبوتيرة مفرطة، إذ بلغ متوسط عمر الحكومة الواحدة ما يقارب 1.2 سنة.

ويتصدر الأردن، وفق مراقبين، قائمة الدول التي تشهد أعلى معدلات تشكيل للحكومات وإجراء تعديلات وزارية عليها، بما يحمله ذلك من انعكاسات مالية وإدارية واقتصادية على أداء الدولة واستقرار العمل التنفيذي.

وتثير هذه الظاهرة تساؤلات جوهرية حول مدى فاعلية الحكومات في تنفيذ البرامج الإصلاحية طويلة الأمد، بينما يتساءل مواطنون حول جدوى تغيير هذه الحكومات، فضلاً عن الأعباء التي تتحملها الخزانة العامة جراء هذه التعديلات المتكررة.

أكثر من 100 حكومة

وفقاً لإحصاءات رسمية شكلت أول حكومة أردنية بعد الاستقلال عام 1947 برئاسة سمير الرفاعي، وخلال عهد الملك حسين (1952- 1999)، جرى تشكيل 57 حكومة بما في ذلك التعديلات التي طاولتها.

أما في عهد الملك عبدالله الثاني (منذ عام 1999 حتى اليوم)، فكانت أول حكومة برئاسة عبدالرؤوف الروابدة، ومنذ ذلك اليوم شكلت 20 حكومة مختلفة وأجري 43 تعديلاً عليها. والحكومة الحالية هي الثالثة بعد المئة منذ إعلان إمارة شرق الأردن عام 1921.

ويتندر الأردنيون على كثرة المناصب الوزارية بعبارة "معالي الشعب الأردني" بما يعكس استياء المواطنين من كثرة التعديلات الحكومية والتوسع في عدد الحقائب الوزارية، إذ يكون كل أردني تقريباً على استعداد أو في انتظار أن يعين وزيراً.

فاتورة مرهقة

بحسب أحدث البيانات المتاحة من رئاسة الوزراء الأردنية، فإن إجمال رواتب رئيس الوزراء والوزراء السنوية يزيد على مليون دولار، وهذا الرقم يعكس الرواتب الأساسية فقط، من دون احتساب البدلات أو الامتيازات الأخرى.

ويبلغ الراتب الأساس للوزير الواحد نحو  4500 دولار شهرياً، وعلى الجانب الآخر، تصل كلفة التقاعد التراكمية لرؤساء ووزراء سابقين إلى نحو 11 مليون دولار سنوياً.

وتشير تقديرات إلى أن عدد المتقاعدين من الوزراء ورؤساء الحكومات بلغ 331 وزيراً ورئيس وزراء. وعام 2018 أقر تعديل على قانون التقاعد المدني، فاشترط 10 سنوات خدمة عامة ليكون الوزير مؤهلاً لراتب دائم، لكن هذه التعديلات لم تطبق بأثر رجعي على وزراء سابقين، مما أدى إلى استمرار التفاوت في الرواتب.

تبعات اقتصادية وسياسية

ويظهر استطلاع حديث لمركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية أن 65 في المئة من الأردنيين لا يدعمون تعديل الحكومة.

ووفقاً لمراقبين فإن كل تعديل وزاري يستلزم إجراءات رسمية، من بينها القرار الملكي ومراسم أداء اليمين، كما تتحمل الدولة كلفاً مالية إضافية تشمل مخصصات الوزراء المرتفعة وتعويضات رؤساء الوزارات ونفقات السفر الرسمي والصيانة ومخصصات الموظفين المرافقين.

وعلى رغم عدم وجود أرقام دقيقة حول هذه الكلف المالية، تزيد هذه التعديلات المتكررة من نفقات الموازنة التشغيلية للدولة، كما أنها تعطل القدرة على تنفيذ مشاريع استراتيجية بعيدة المدى.

ففي الحكومة السابقة أجريت خمسة تعديلات وزارية، كما كانت الحال في الحكومة التي سبقتها أيضاً، فأجريت خمسة تعديلات خلال عامين.

ويقول مراقبون اقتصاديون إن ذلك أدى إلى ضعف التخطيط الطويل الأجل والتزام تنفيذ الخطط الحكومية وبقاء الحقائب الوزارية الحساسة تحت مسارات موقتة، وتغييرات استراتيجية مفاجئة تقطع مسيرة المشاريع والتنفيذ، عدا عن خلق بيئة لا تلائم اتخاذ قرارات صعبة أو إصلاحات هيكلية خوفاً من الخروج من الحكومة.

في المقابل ثمة مطالب بتثبيت الحقائب الوزارية لفترات معقولة لتوفير الاستقرار اللازم للتخطيط طويل الأجل، وتحديد سقف للتعديلات الوزارية السنوية بهدف تقييد الاستنزاف المالي والتعطيل التشغيلي.

وينتقد آخرون عدد الفريق الوزاري في كل حكومة، إذ لا يقل عن 20-24 وزيراً وهو رقم ضخم مقارنة بدول أوروبية.

تغيير أو تدوير

يصف الكاتب والمحلل السياسي ثابت المومني التعديلات الوزارية في الأردن بأنها تدوير للمناصب وطقس بروتوكولي لا يحمل من التغيير  إلا اسمه، ولا من الأمل إلا ظله، فالتعديلات الحكومية باتت استحقاقاً لا أكثر.

ويعتقد المومني بأن المشكلة تكمن في المنهجية التي تحكم تشكيل الحكومات لا في الأشخاص، إذ يجري الاعتماد على اعتبارات ضيقة، ترتكز إلى توازنات جغرافية ومحاصصات وظيفية ومجاملات نخبوية وانطباعات شخصية، في مقابل تغييب واضح للكفاءة والبرنامج.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 ويقول، "كتب التكليف الملكية التي تشكل الإطار المرجعي لكل حكومة تبقى حبيسة الورق، والحكومات المتعاقبة لا تسمع إلا إلى صدى صوتها، ولا تنصت للرأي العام أو للخبراء وتكتفي بخطابات متكررة وتفتقر إلى الخطط الواقعية القابلة للتطبيق، وإلى البرامج المبنية على بيانات دقيقة وقراءة عميقة لحاجات الناس".   

عدم استقرار حكومي

وتشير دراسة تحليلية للباحث أسعد العزام حول تطور تشكيل الحكومات الأردنية خلال مئة عام من عمر الدولة، إلى كيفية تفاعل مؤسسة الحكم مع التحولات السياسية والاجتماعية، وما رافقها من محطات مفصلية أعادت رسم العلاقة بين السلطة التنفيذية والمجتمع.

وتكشف الدراسة عن أن الأردن شهد منذ تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921 حتى عام 2021 نحو 100 حكومة، أي بمعدل حكومة كل سنة تقريباً، مما يعكس حالاً من عدم الاستقرار الحكومي على رغم ثبات النظام السياسي. وتنوعت أسباب تغيير الحكومات بين ضغوط داخلية وأخرى إقليمية، فضلاً عن التغيرات في توجهات القصر الملكي.

كما توضح الدراسة أن التركيبة الوزارية تأثرت بمحددات جغرافية وعشائرية ونخبوية، مما جعل "التمثيل العادل" أحد أبرز الإشكاليات التي لازمت عملية التشكيل. وعلى رغم التعديلات الدستورية المتكررة وتوسيع قاعدة المشاركة، فإن الهيمنة الملكية ظلت واضحة، بخاصة في تعيين رؤساء الوزراء.

وتشير الدراسة إلى أن محطات التحول الكبرى في المشهد الأردني، مثل هبة أبريل (نيسان) عام 1989، وتوقيع "معاهدة وادي عربة" عام 1994، و"الربيع العربي" عام 2011، كانت لحظات ضغط دفعت النظام السياسي إلى إدخال تعديلات شكلية على آليات تأليف الحكومات من دون أن تمس جوهر السلطة.

وتختم الدراسة بتوصية بضرورة تبني نهج إصلاحي شامل يقوم على توسيع قاعدة التمثيل الحقيقي، وتعديل آلية تشكيل الحكومات بما يضمن مشاركة شعبية ومساءلة سياسية، وتحرير السلطة التنفيذية من الاعتبارات غير الدستورية.

حكومات عبر الاقتراع

ومن بين أبرز المنتقدين لطريقة تشكيل الحكومات في الأردن وزير الخارجية السابق مروان المعشر الذي يتساءل لماذا لا يحصل التغيير وفقاً لنظام نيابي حزبي متجذر، تأتي فيه الحكومة وفقاً لبرنامج واضح يتم الحكم عليه من خلال صندوق الاقتراع.

ويضيف المعشر أن "شخص رئيس الوزراء يكتسب أهمية خاصة، فهو الذي يختار غالبية وزرائه. وفي غياب برنامج واضح للحكومات وتقدم الأولويات الجغرافية والمناطقية على تلك الفكرية في اختيار الوزراء، فإن توجهات رئيس الحكومة والفكر الذي يحمله لهما الأثر الأكبر في تحديد توجهات الحكومة".

ويؤكد أنه نادراً ما جاءت للأردن حكومة ذات فكر متجانس، يعمل أفرادها بتناغم، من أجل أهداف واضحة ومحددة. ويكشف عن أنه لا يوجد تصويت حقيقي داخل مجلس الوزراء، بالتالي فإن رأي رئيس الحكومة له الأثر الأكبر في عملية اتخاذ القرار الحكومي، بغض النظر عما قد يحمل أعضاء الفريق الوزاري من آراء متباينة.

ويشير إلى أن التحديات الاقتصادية الكبرى للأردنيين تتمثل في ارتفاع معدلات البطالة وعجز الموازنة والدين العام، وعلى رغم أن كثيراً من رؤساء الحكومات والوزراء جاؤوا من القطاعين العام والخاص من المحافظين والليبراليين، من كبار السن وصغاره، لم ينجح أحد منهم عملياً في معالجة هذه التحديات.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات