ملخص
على رغم تزايد التقارير الصحافية الإسرائيلية والغربية حول ما يعتبر "تعزيز مصر المتواصل لحضورها العسكري في سيناء"، فإن القاهرة لم تتعاطَ رسمياً مع هذا الشأن حتى اللحظة، مما فسرته مصادر إعلامية مقربة بأنها "قضايا أمنية وعسكرية حساسة لا يمكن مناقشتها سوى عبر قنواتها الرسمية من القوات المسلحة في البلاد".
تتحسس مصر وإسرائيل علاقاتهما، بعدما وصلت بشقها السياسي إلى مستوى غير مسبوق من التوتر يتبادل على وقعه البلدان الاتهامات والتلميحات على إثر الحرب الإسرائيلية المتواصلة في قطاع غزة وتبعاتها الإنسانية المدمرة، في وقت تتمسك القاهرة بوساطتها بين تل أبيب والفصائل الفلسطينية لإنهاء الحرب بالاشتراك مع كل من قطر والولايات المتحدة الأميركية.
وفضلاً عن التوتر السياسي المعلن الذي لم يؤثر في التعاون الاقتصادي بالمستوى ذاته، إذ تشير التقارير إلى ارتفاع مستويات التبادل التجاري خلال الفترات الأخيرة والذي توج بتوقيع عقد في أغسطس (آب) الجاري، بـ35 مليار دولار لتصدير الغاز الطبيعي من إسرائيل إلى مصر، في صفقة وصفتها تل أبيب بأنها "الأكبر في تاريخها"، ظهر على السطح خلال الأسابيع الماضية ما بدا أنه تململ إسرائيلي من زيادة القاهرة لوجودها العسكري في شبه جزيرة سيناء، ولا سيما المنطقة (ج) التي تحدد معاهدة السلام الموقعة بين البلدين عام 1979 وجود القوات فيها.
والوجود العسكري المصري في سيناء الذي قدرته بعض المصادر بأكثر من 40 ألف جندي، أثار موجة من النقاش والجدل في الأوساط السياسية والأمنية على مستوى البلدين، وأمام عدم إعلان القاهرة رسمياً طبيعة ومهمات تلك القوات، تصاعدت الأسئلة حول ما إذا كان التحرك يمثل "رسالة ردع" أو أنه تحرك "دفاعي استباقي"، خشية انزلاق الأوضاع في قطاع غزة نحو مزيد من التدهور، ولا سيما مع بدء تل أبيب عملياتها العسكرية الواسعة في منطقة وسط القطاع ومدينة غزة، وهي الخطوة التي تنذر بمخاوف حول تهجير مدنيي غزة الذي ترى فيه مصر "خطاً أحمر" بالنسية إليها وأمنها.
وجود عسكري متزايد في سيناء
على رغم تزايد التقارير الصحافية الإسرائيلية والغربية حول ما يعتبر "تعزيز مصر المتواصل لحضورها العسكري في سيناء"، فإن القاهرة لم تتعاطَ رسمياً مع هذا الشأن حتى اللحظة، مما فسرته مصادر إعلامية مقربة بأنها "قضايا أمنية وعسكرية حساسة لا يمكن مناقشتها سوى عبر قنواتها الرسمية من القوات المسلحة في البلاد".
والصمت المصري الرسمي فتح أبواب التأويل والاجتهاد، ولا سيما أن التحركات العسكرية تزامنت خلال الأسابيع الأخيرة مع تصريحات وتلميحات كانت الأكثر وضوحاً حول موقف مصر العسكري من تطورات الأوضاع في غزة واحتمالات اتساع رقعة الصراع، حين حذر محافظ شمال سيناء اللواء أركان حرب خالد مجاور في وقت سابق من أغسطس الجاري، من أية محاولات لاستفزاز أو اختبار مصر عسكرياً أو الاقتراب من حدودها، قائلاً خلال فيديو مصور إن "الرد سيذهل العالم".
وصرّح مجاور الذي شغل سابقاً منصب رئيس الاستخبارات العسكرية وقائداً للجيش الثاني الميداني في القوات المسلحة المصرية، بأن "مصر جاهزة للحرب إن فرضت عليها"، مشدداً بلهجة حاسمة على أن "أي شخص في العالم يفكر فقط أن يقترب من الحدود المصرية، سيكون الرد المصري مفاجئاً للعالم كله"، وأوضح أن حديثه ليس عاطفياً أو انفعالياً، بل يستند إلى خبرة طويلة تمتد لأكثر من أربعة عقود داخل القوات المسلحة.
وأمام تحذير تقارير إسرائيلية من تزايد الحضور العسكري المصري في سيناء "كماً ونوعاً" بما يخالف اتفاق السلام المبرم بين البلدين، نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن متحدث باسم الجيش الأسبوع الماضي أن تعزيز القاهرة لقواتها في شمال سيناء المحافظة الحدودية مع قطاع غزة وإسرائيل، جاء بالتزامن مع توسيع إسرائيل لعملياتها العسكرية "عربات جدعون 2" في غزة، خشية من تدفق حشود السكان من القطاع إلى الأراضي المصرية تحت وطأة توسيع نطاق القتال.
ووفق هيئة البث، نقلاً عن المتحدث باسم الجيش، فإن إدخال أية قوات أو قدرات عسكرية مصرية إلى سيناء يتم بالتنسيق الكامل مع الجيش الإسرائيلي والقيادة السياسية، وفقاً لما نص عليه الملحق العسكري في اتفاق السلام الموقع بين مصر وإسرائيل عام 1979، قائلاً "وفقاً للملحق العسكري لاتفاق السلام مع مصر، فإن أي إدخال لقدرات عسكرية إلى سيناء يتم بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي والقيادة السياسية"، وأشار إلى أن التعزيزات تتضمن الدفع بنحو 40 ألف جندي مصري، إضافة إلى إدخال مركبات مدرعة إلى شمال سيناء.
وقدرت تقارير إسرائيلية، تعداد القوات المصرية الإضافية في المنطقة (ج) من سيناء بأكثر من 40 ألف جندي، أي نحو 88 كتيبة عسكرية، مما يقارب ضعف العدد المسموح به بموجب معاهدة السلام بين البلدين، فضلاً عن أكثر من 1500 دبابة وآلية مدرعة، وتحركها خلال الفترة الأخيرة لتطوير قواعد عسكرية ومدارج طائرات وأنظمة دفاع جوي في المنطقة الحدودية مع قطاع غزة.
وتتخوف القاهرة من احتمال دفع سكان قطاع غزة نحو سيناء، خصوصاً مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في القطاع ودعوات مسؤولين إسرائيليين إلى "إعادة توطين" الفلسطينيين خارج غزة. وكانت القاهرة حذرت مراراً من أن أية محاولة لفرض واقع تهجير جماعي أو تحويل القطاع إلى أرض غير صالحة للسكان لإجبار السكان على الفرار منه "خط أحمر يمس الأمن القومي" للبلاد، "مما لن تسمح به القاهرة"، وفق تصريحات سابقة لوزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي.
وتخضع التحركات العسكرية المصرية في سيناء لرقابة مشددة بموجب اتفاق كامب ديفيد الذي قسم شبه الجزيرة إلى ثلاث مناطق هي (أ وب وج) بترتيبات أمنية مختلفة تحد من حجم القوات المصرية المسموح بوجودها، غير أن إسرائيل كانت وافقت خلال الأعوام الماضية على إدخال قوات إضافية بطلب من القاهرة، خصوصاً خلال العمليات ضد الجماعات المسلحة في شمال سيناء عقب الإطاحة بنظام "الإخوان المسلمين" من الحكم عام 2013.
وقبل عام 2013، كان الملحق الأمني الخاص بالمعاهدة شهد تعديلاً بخصوص حجم القوات العاملة في سيناء في 2005، حين قررت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون الانسحاب الأحادي من قطاع غزة، لتكون المرة الأولى التي يعدل فيها ملحق اتفاق السلام الأمني بين البلدين.
أية سيناريوهات لتعزيز الحضور العسكري؟
بينما رفضت المصادر الرسمية في الجيش المصري والخارجية الإجابة عن أسئلة "اندبندنت عربية" حول طبيعة تعزيز الحضور العسكري في سيناء وتوقيته ومهماته، بدا التباين واضحاً بين المراقبين والمعنيين في مصر حول الخطوة، ولا سيما بالنسبة إلى "أي سيناريو صدامي محتمل بين القاهرة وتل أبيب على المدى المنظور".
ويقول رئيس أركان الحرب الكيماوية السابق وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية اللواء أركان حرب محمد الشهاوي أن مصر "تعمل جاهدة على تعزيز قدراتها العسكرية وتأمين حدودها في كل الاتجاهات الاستراتيجية الأربعة"، موضحاً في حديثه إلى "اندبندنت عربية" أن مصر تواجه تحديات كبيرة في الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي جراء الحرب الإسرائيلية على القطاع، وهي التحديات التي تمس بصورة مباشرة الأمن القومي للبلاد، مما يتطلب تعزيز القدرات العسكرية في تلك المنطقة".
وشرح الشهاوي أن التحرك المصري الأخير يأتي في إطار "الردع" في ضوء "ما تظهر إسرائيل من غطرسة القوة"، قائلاً "أمام العربدة الإسرائيلية لا بد من قوة عسكرية تردعها، ودائماً الوجود العسكري المصري في سيناء يؤكد يقظة القاهرة لردع كل من تسول له نفسه إمكان المساس بالأمن القومي المصري".
وأضاف أن "نشر مصر مزيداً من القوات العسكرية في سيناء يحمل كثيراً من الرسائل إلى إسرائيل وغيرها"، مشدداً على أن التطورات التي تشهدها المنطقة تفتح الباب أمام السيناريوهات الممكنة كافة التي من بينها احتمال تطور الوضع وانجرار منطقة الشرق الأوسط إلى مزيد من التصعيد، مما يتطلب من القاهرة الاستعداد الجيد على المستوى العسكري لحماية أمنها القومي. وأشار في الوقت ذاته إلى أنه أمام القدرات العسكرية للقوات المسلحة المصرية الكبيرة، تدرك إسرائيل وأية أطراف أخرى "الكلفة الكبيرة التي يمكن أن يدفعها الجميع في حال استفزاز مصر أو التحرش بأمنها القومي".
ومن جانبه يقول رئيس المؤسسة العربية للتنمية والدراسات الاستراتيجية في مصر العميد سمير راغب إن "الرسائل الإسرائيلية حول تعزيز القاهرة لوجودها العسكري في سيناء متناقضة، فمن ناحية تخرج تحذيرات إعلامية من داخل تل أبيب لتحذر من ذلك الحضور وتطالب بوقفه في مقابل رسائل مغايرة توحي بأنه تم بتنسيق مع تل أبيب، مما يعكس حجم تخبط الداخل".
ورأى راغب في حديثه إلينا، أنه في ضوء الحشد الإسرائيلي على الحدود الشرقية لمصر، بخاصة في ما يتعلق بالحرب في غزة، من الطبيعي أن "تقدم مصر على تعزيز حضورها العسكري في الجهة المقابلة وأن تكون قواتها في أعلى درجات الاستنفار والجاهزية"، موضحاً أنه منذ أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، وهناك حال استعداد في مصر لمجابهة الأخطار المحتملة، وأن عملية الاستعداد والاستنفار هذه مرنة طبقاً لتطورات الأوضاع في غزة. وشدد على أنه بعد إعلان إسرائيل توسيع عملياتها في غزة "نحن نتحدث عن مرحلة حساسة ودقيقة من عمر هذا الصراع الدموي والكبير في القطاع".
ورداً على تجاوز عدد القوات المصرية حاجز الـ40 ألف في المنطقة (ج)، شرح أنه "ليس عدداً ضخماً في ضوء طبيعة التحديات المحتملة في تلك المنطقة"، وقال "هناك كثير من المحاور التي ينبغي تأمينها ضمن الاستعداد للسيناريوهات المحتملة المقبلة".
وحول احتمال خروج الأوضاع عن السيطرة في ما يتعلق بغزة أو حتى مع إسرائيل التي تشهد علاقاتها السياسية بالقاهرة توتراً، أعرب راغب عن اعتقاده بأن "جميع السيناريوهات مفتوحة في الفترة المقبلة، ولا نستبعد أياً منها"، وأردف "لكن الأكثر منطقية ألا توجد دوافع لدى كل من إسرائيل ومصر للانزلاق نحو الصدام المسلح، وأن اتفاق السلام وأحداث السابع من أكتوبر أثبتا قوة الاتفاق الذي كان من الممكن من دونه أن تنفجر المنطقة"، مضيفاً أن "القوة العسكرية في مصر موجودة ومهمة نعم، لكن هدفها ردع الأعداء، وما دام أننا متمسكون بقيم السلام والقوة يمكننا منع الصراع المستقبلي"، وشدد راغب على أن التوتر بين القاهرة وتل أبيب على المستوى السياسي قائم بالفعل لكنه "لم يصل إلى مرحلة الصدام بعد".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بدوره استبعد نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية عماد جاد "أي سيناريو صدامي محتمل بين القاهرة وتل أبيب"، في ضوء الوجود العسكري المتزايد في سيناء، مشترطاً احتماله بحدوث "اقتحام أحد الطرفين عسكرياً لأراضي الآخر أو تنفيذ مخطط تهجير سكان غزة إلى سيناء بالقوة".
وقال جاد في حديثه إلينا، "أعتقد بأن الوجود العسكري المصري المكثف في المنطقة (ج) تم بتفاهمات مصرية- إسرائيلية، استناداً إلى اتفاق السلام بين البلدين وملحقه الأمني"، مشيراً إلى تصريحات سابقة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قبل أحداث السابع من أكتوبر حين أعلن صراحة وجود نحو 32 ألف عسكري في تلك المنطقة بتفاهمات مع تل أبيب في ضوء حرب مصر على الإرهاب خلال الأعوام الماضية.
وقال جاد "أدرك أن يكون كل طرف مستعداً عسكرياً في تلك الظروف وهو أمر طبيعي، فمن جانب إسرائيل هناك جبهة غزة وجبهات أخرى سواء في اليمن أو إيران أو سوريا ولبنان، ومن ناحيتنا في ضوء تلك التوترات والقلق ورغبة تل أبيب في تنفيذ مخطط التهجير، فإن لدينا الحق في استنفار قواتنا ووضعها في أعلى درجات الاستعداد والجاهزية"، مردفاً "لكن بالنسبة إلى سيناريو الحرب بين مصر وإسرائيل، فلن تندلع إلا في حال واحدة فقط لو أن أحد الطرفين دخل أراضي الطرف الآخر".
ووفق جاد، فعلى رغم التوتر الذي يخيم على العلاقات السياسية بين مصر وإسرائيل، هناك قناعة لدى البلدين بتجنب أي سيناريو صدامي لإيمانهم بأنه لن "يكون نزهة بالنسبة إلى الطرفين، ولن يخرج أحد منتصراً على الآخر وقد تشتعل معه المنطقة بصورة غير مسبوقة"، مضيفاً "نحن نتحدث عن طرفين يمتلك كل منهما القدرة على تدمير وإيلام الآخر، مما يعرف بتوازن الرعب. وفي الوقت نفسه هل يعني هذا أن الحرب مستحيلة بين البلدين، لا ليست مستحيلة، الحرب تسمى في العلوم السياسية ’ملجأ أخيراً‘ إذا عجزت كل الوسائل الدبلوماسية والخيار العسكري ليس خياراً سهلاً".
وأردف أن "البلدين يحرصان على تجنب الصدام على رغم اختلاف التصورات والرؤى خلال الفترة الأخيرة، أضف إلى هذا مدى سماح الطرف الأميركي بحدوث سيناريو كهذا"، مشدداً على أن مسألة التصعيد بينهما ليست "بسيطة أو سهلة"، لكن على رغم ذلك فإن التطورات المتسارعة في المنطقة تستدعي أن تكون مصر "مستعدة عسكرياً وأمنياً لأي سيناريو محتمل".