ملخص
ينتشر في غزة فيروس مجهول يتفشى بسرعة ولكن الأطباء هناك لا يجدون أدوات مخبرية لفحص ما هذا الفيروس ولا يستطيعون إقامة أقسام عزل… الوباء يهدد غزة كما الحرب.
"يعيش الغزيون من دون شبكة صرف صحي ولا وسائل نظافة شخصية، هذه الأوضاع تشكل بيئة مثالية لانتشار الأمراض المعدية، بخاصة مع ضعف مناعة السكان نتيجة سوء التغذية الحاد وانعدام وسائل الوقاية".
وصلت ريهام إلى مستشفى مدينة غزة تسعل بصعوبة شديدة وحرارتها تقترب من 40 درجة مئوية، وعندما بادر الطبيب بفحصها قطعت الإجراءات الطبية وهرعت تركض إلى الحمام فهي مصابة بالإسهال والقيء أيضاً.
"منذ متى وأنت تعانين من هذه الأعراض؟" يسأل الطبيب محمد المريضة، تجيب ريهام "أكثر من أسبوع" تعطس بعدها ثلاث مرات متتالية، وتكمل حديثها "لا أستطيع تذوق أي شيء، كما يصيبني صداع شديد في الرأس وسيلان الأنف".
مضاعفات لا تشبه الإنفلونزا الموسمية
ظن الطبيب محمد أن حالة ريهام عابرة وربما تكون أصيبت بفيروس الإنفلونزا الموسمية، كتب لها بعض المسكنات وعلاجاً لسيلان الأنف، ولأن المريضة لم تجد الأدوية في مستودعات وزارة الصحة ولا في الصيدليات الخاصة، غادرت إلى خيمتها من دون أدوية تخفف وجعها.
بعد حالة ريهام وصل إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزة التي صنفها الجيش الإسرائيلي منطقة قتال خطرة وفرض عليها حصاراً برياً ومنع عنها الغذاء والدواء والماء، نحو 1000 حالة مصابة بالأعراض نفسها التي تشكو منها المريضة.
انتبه الأطباء أن ما يصيب الغزيين ليس مجرد إنفلونزا موسمية، وإنما هناك فيروس ما يضرب قطاع غزة بأكمله وينتشر المرض بسرعة بين صفوف المدنيين الذين يعيشون في خيم مكتظة وتتزايد الحالات التي تصل إلى المرافق الطبية.
طب بدائي
يقول مدير عام وزارة الصحة في غزة منير البرش "عقدنا اجتماعاً عاجلاً لدراسة هذا المرض، ولكن وجدنا أننا لن نستطيع اكتشافه على رغم أننا في القرن الـ21، إلا أن غزة لا تتوفر فيها أبسط الإمكانات الطبية لتشخيص هذا المرض".
ويضيف البرش "الأطباء في غزة يمارسون الطب بوسائل بدائية، نستخدم الطوب لتثبيت الأرجل المكسورة، ونجري العمليات الجراحية تحت إضاءة الهواتف المحمولة، أما التنفس الاصطناعي فيتم يدوياً عند انقطاع الكهرباء بسبب نفاد الوقود".
درس الأطباء الأعراض التي تظهر على المصابين بالفيروس، يقول مدير الإغاثة الطبية الفلسطينية محمد أبو عفش "وجدنا جميع الحالات يعانون أعراض الرشح وفقدان التذوق والإسهال وارتفاع الحرارة وسعالاً شديداً وصداعاً في الرأس وقيئاً".
ويضيف "قررنا إجراء فحوص وتحاليل مخبرية، لكن لم نستطع فعل ذلك، فلا توجد أجهزة طبية ومخبرية لدينا ولا حتى مواد طبية للتحاليل والفحوص، كذلك فإن الاستجابة الطبية ضعيفة للغاية".
يشبه فيروس كورونا لكنه ليس هو
بطريقة بدائية وجد الأطباء أن أعراض المرض تتشابه إلى حد كبير مع مضاعفات فيروس "كورونا"، لكن أبو عفش يؤكد أن هذا التقدير نتيجة جهد ذاتي من الأطباء وليس نتيجة التحاليل والفحوص الطبية.
بينما كان الطبيب أبو عفش يتحدث، وصلت إلى مقر الإغاثة الطبية حالات جديدة تعاني المرض، يعلق على ذلك "هناك انتشار واسع وسريع للحالات، المراكز الطبية والمستشفيات عاجزة عن تشخيص المرض وعلاجه، ولا توجد قدرة على التعامل معه داخل المرافق الطبية المتهالكة بفعل الحرب".
لا يعرف أطباء غزة ما هذا الفيروس الذي ينتشر بهذه السرعة بين السكان، يقول مدير وحدة المعلومات في وزارة الصحة بغزة زاهر الوحيدي إن "غياب الإمكانات الأساسية يحول دون إجراء الفحوص المخبرية اللازمة لتأكيد الحالات بصورة رسمية". ويضيف "إنه فيروس غامض ومجهول لكنه يضرب قطاع غزة بسرعة بطريقة إكلينيكية يشبه كورونا ولكنه ليس كوفيد-19، عدم معرفة الفيروس وإلى أيو عائلة فيروسات ينتمي يضع عبئاً إضافياً هائلاً على كاهل المنظومة الصحية المنهكة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الحالات في مخيمات النزوح
تتبع الوحيدي الحالات المرضية التي تصل للمستشفيات ووجد أنها تعيش في مراكز الإيواء المكتظة، ولهذا السبب يعتقد الطبيب أن الفيروس ينتشر بسرعة قصوى، لافتاً إلى أن الأطفال وكبار السن هم الفئة الأكثر عرضة للمضاعفات.
يوضح الوحيدي أن الأعراض التي رصدت لدى المصابين أكثر خطورة مما كان يعتقد في البداية، مشيراً إلى تسجيل آلاف الحالات التي أصيبت بالفيروس لكن من الصعب تحديد الأعداد الحقيقية بسبب الاكتظاظ الكبير داخل مراكز النزوح والخيم.
أسباب الفيروس
في الواقع، تعاني غزة ضعف المنظومة الصحية المنهكة والمنهارة، وعلى رغم ذلك يُرجع الأطباء انتشار الفيروس المجهول إلى الاكتظاظ الكبير في أماكن النزوح، يقول مدير عام مجمع الشفاء الطبي محمد أبو سلمية "تتكدس العائلات في مناطق ضيقة وخيم غير مجهزة وهذه بيئة مرضية". ويضيف "يعيش الغزيون من دون شبكة صرف صحي ولا وسائل نظافة شخصية، هذه الأوضاع تشكل بيئة مثالية لانتشار الأمراض المعدية، بخاصة مع ضعف مناعة السكان نتيجة سوء التغذية الحاد وانعدام وسائل الوقاية".
يوضح أبو سلمية أن القصف الإسرائيلي الذي استهدف خطوط المياه أدى إلى تلوث كبير وتفشي فيروس خطر بين السكان الجوعى والمشردين، لافتاً إلى أن متخصصي الصحة حذروا من الظروف التي يعيشها النازحون في غزة والتي تشكل بيئة مثالية لانتشار الفيروسات والأوبئة وتؤدي إلى كارثة حتمية.
يبين أبو سلمية أن الفيروس تحول إلى وباء واسع النطاق تصعب السيطرة عليه، مما قد يقود إلى كارثة صحية شاملة في قطاع غزة، خصوصاً مع استمرار انقطاع الإمدادات الطبية، مؤكداً أن الأزمة تمتد لنقص حاد في الأدوية الأساسية، بما فيها الفيتامينات والمضادات الحيوية.
غزة لا تعرف كيف تتصرف
لا تعرف وزارة الصحة كيف ستتصرف مع الفيروس المجهول، يقول مدير عام وزارة الصحة منير البرش "طالبنا بوقف الحرب فوراً، لا نملك القدرة على فرض أية إجراءات لمواجهة الفيروس ولا حتى إمكانات لإقامة أقسام عزل داخل المستشفيات للتعامل مع المصابين به، أو حتى تطبيق إجراءات وقائية أساسية، مما يجعل السيطرة على تفشي الفيروس شبه مستحيلة".
ويوضح أن وزارة الصحة تواصلت مع منظمة الصحة العالمية، و"أبلغناها بانتشار الفيروس بصورة واسعة في غزة"، وأكدت الصحة العالمية أنهم يتواصلون مع الجانب الإسرائيلي لإدخال معدات الفحوص ووضع بروتوكولات علاجية عاجلة قبل تفاقم الأزمة وخروجها عن السيطرة، لكن حتى الآن لم يحرك أحد ساكناً.
تفشي الفيروس في غزة تزامن مع فرض إسرائيل حصاراً على المدينة التي تنوي احتلالها، وترافق مع إجبار المدنيين على النزوح القسري والعيش في خيم بدائية متلاصقة ومكتظة، وعلى رغم ذلك فإن تل أبيب تهدد القطاع بمواصلة الحرب.
يقول وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش "يجب قطع المياه والكهرباء والطعام عن قطاع غزة، ومن لا يلقى حتفه بالرصاص سيواجه خطر الموت جوعاً أو مرضاً"، مؤكداً أن إسرائيل لن تقبل بأية صفقات أو هدن إنسانية ما دامت "حماس" قادرة على إعادة تنظيم صفوفها.