ملخص
ترتبط هذه الهواجس بتاريخ حركة "طالبان" نفسها، إذ سبق لها خلال فترة حكمها السابقة في أفغانستان أن استخدمت المدارس الدينية مراراً بوصفها منصات لاستقطاب المراهقين والشباب، حيث كان التعليم الديني يمتزج تدريجاً بتعاليم "جهادية" وعسكرية. وفي كثير من الحالات، تحول التعليم إلى أداة لشرعنة العنف، في وقت جرى توظيف عدد من المراهقين بعد انتهاء هذه الدورات في هجمات تفجيرية وانتحارية، أو الزج بهم في ساحات القتال إلى جانب قوات "طالبان". وقد أسهم هذا الإرث التاريخي في تعميق قلق المراقبين إزاء أي تركيز احتكاري من جانب "طالبان" على تعليم الأطفال، ولا سيما الأيتام.
يسعى نظام "طالبان" إلى وقف نشاط دور الأيتام الخاصة ونقل الأطفال الأيتام إلى مراكز خاضعة لسيطرته، حيث يقدم التعليم الديني وفق رواية "طالبان" للشريعة الإسلامية. وقد أثار هذا التوجه مخاوف متزايدة في شأن الاستغلال الأيديولوجي للأطفال الأيتام ومستقبلهم.
وخلال إحدى رحلاته إلى أفغانستان الخاضعة لحكم "طالبان" أنشد المغني الأفغاني شفيق مريد إحدى أغنياته بين الأطفال الأيتام في دار الرعاية التي يملكها في كابول، من دون استخدام آلات موسيقية، مكتفياً بحمل آلة الناي التي تعد من الآلات ذات الطابع الصوفي. وأخيراً، اقتحمت قوات "طالبان" دار الأيتام نفسها واقتادت جميع الأطفال الأيتام، إلى جانب تجهيزات المركز إلى خارجها.
ويقول مريد إن "طالبان" نقلت جميع الأطفال المقيمين في دار الأيتام التابعة له إلى دور أيتام حكومية، ويوضح أن الحركة أبلغته "بأن نشاط دور الأيتام الخاصة محظور بأمر من زعيم 'طالبان' الملا هبة الله أخوند زادة، وأن جميع الأطفال الأيتام يجب أن يخضعوا لوصاية إمارة 'طالبان' الإسلامية".
وبعد ذلك، نشر ناشطون من "طالبان" على منصة "إكس" مقطع فيديو يظهر شفيق مريد وهو ينشد مع الأطفال الأيتام في دار الأيتام التابعة له، وادعوا أنه يستغل هؤلاء الأطفال لأغراض دعائية. ونشروا لاحقاً صور طفلين يتيمين تخرجا في دورة تعليم ديني، مؤكدين، عبر شبكات التواصل الاجتماعي، أن جميع الأطفال الأيتام يجب أن يخضعوا للتعليم الديني.
ويأتي وقف نشاط دور الأيتام الخاصة، بما في ذلك دار الأيتام التابعة لشفيق مريد، ونقل الأطفال الأيتام إلى مراكز خاضعة لسيطرة "طالبان"، في وقت تدرس فيه داخل هذه المراكز رواية "طالبان" المتشددة للشريعة الإسلامية، مما أثار مخاوف واسعة في أوساط المراقبين الاجتماعيين ونشطاء حقوق الطفل.
ولا تكمن الإشكالية الأساسية هنا في مبدأ التعليم الديني بحد ذاته، إذ كثيراً ما شكل هذا النوع من التعليم جزءاً من البنية الاجتماعية والثقافية في أفغانستان، بل في رواية "طالبان" للشريعة الإسلامية، التي تفرض على الأطفال واليافعين بشكل أحادي، غير قابل للنقد، ومشحون بحمولة أيديولوجية واضحة. ويشير منتقدون إلى أن ما يدرس في دور الأيتام الخاضعة لسيطرة نظام "طالبان" ليس تعليماً دينياً متنوعاً، بل إعادة إنتاج لقراءة محددة للدين توظف مباشرة في خدمة ترسيخ السلطة واستمرار حكم هذه الجماعة.
وتتزامن هذه المخاوف مع اتساع نطاق التعليم الديني وفق رؤية "طالبان" للشريعة الإسلامية منذ عودتها إلى السلطة في أفغانستان، ليشمل المدارس الحكومية والجامعات والسجون ومراكز التدريب العسكري والمؤسسات الرسمية، بحيث بات هذا النهج، بصورة مبسطة، يطاول تقريباً كل القطاعات الخاضعة لسيطرة الحركة، ويبدو الآن أن نظام "طالبان" يسعى إلى تعميم هذا التوجه الأيديولوجي ليشمل دور الأيتام أيضاً.
ويعد الأطفال والمراهقون، بحكم أوضاعهم العمرية والنفسية، أكثر الفئات تأثراً بالدعاية، ما يعزز المخاوف من تحول هؤلاء، نتيجة الحملات المكثفة والتلقين الفكري الذي يمارسه مدرسو "طالبان" العاملون في دور الأيتام، إلى جنود محتملين لهذا النظام في المستقبل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وترتبط هذه الهواجس بتاريخ حركة "طالبان" نفسها، إذ سبق لها خلال فترة حكمها السابقة في أفغانستان أن استخدمت المدارس الدينية مراراً بوصفها منصات لاستقطاب المراهقين والشباب، حيث كان التعليم الديني يمتزج تدريجاً بتعاليم "جهادية" وعسكرية. وفي كثير من الحالات، تحول التعليم إلى أداة لشرعنة العنف، في وقت جرى فيه توظيف عدد من المراهقين بعد انتهاء هذه الدورات في هجمات تفجيرية وانتحارية، أو الزج بهم في ساحات القتال إلى جانب قوات "طالبان"، وقد أسهم هذا الإرث التاريخي في تعميق قلق المراقبين إزاء أي تركيز احتكاري من جانب "طالبان" على تعليم الأطفال، ولا سيما الأيتام.
وفي الوقت الراهن، تروج على نطاق واسع مفاهيم مثل الشهادة و"الجهاد" ضد الكفار واستمرارية الحكم الإسلامي عبر وسائل الإعلام التابعة لـ"طالبان"، وحسابات ناشطيها على شبكات التواصل الاجتماعي داخل أفغانستان.
ومع ذلك، فإن توسيع دائرة التعليم الأيديولوجي بين أطفال محرومين من الأسرة والدعم الاجتماعي وحرية الاختيار، يفاقم خطر ترسيخ فكر "طالبان" في الأجيال المقبلة، فضلاً عن أن غياب أي آلية واضحة ومستقلة للرقابة على المحتوى التعليمي في دور الأيتام الخاضعة لسيطرة "طالبان" يزيد من حدة القلق من انتقال مفاهيم العنف والنزعة الحربية والطاعة الأيديولوجية إلى هؤلاء الأطفال، ضمن العملية التربوية نفسها، في وقت يفتقرون فيه عملياً إلى أي أدوات أو بدائل تمكنهم من مقاربة هذه التعليمات بصورة نقدية.