ملخص
حذر آمر المنطقة العسكرية بالجبل الغربي التابعة للمجلس الرئاسي أسامة الجويلي، من أن أي عمل مسلح داخل العاصمة مهما كانت مبرراته هدفه إفشال العملية السياسية التي تيسرها البعثة الأممية، وستكون نتائجه كارثية على الجميع.
عاد شبح الحرب الأهلية يخيم على مدينة طرابلس الليبية، التي شهدت تحشيدات عسكرية في مختلف مناطقها إثر توافد عديد من الأرتال العسكرية المحملة بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة قادمة من زليتن ومصراتة، فيما سقط عدد من القتلى والجرحي في مدينة الزاوية غرب طرابلس.
التحركات المسلحة تأتي إثر إعلان حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة حربها على المجموعات المسلحة الخارجة عن القانون في إطار استرجاع هيبة الدولة واستعادة مؤسساتها الشرعية.
وأمهلت قوة فرض القانون التابعة لوزارة الدفاع في حكومة الوحدة، "قوة الردع" الخاصة المهيمنة على القاعدة مهلة 48 ساعة لتسليم المطلوبين والمجرمين الفارين المنتمين لجهاز "دعم الاستقرار"، وفق ما جاء في بيان صادر عنها فجر اليوم الجمعة.
وطالبت قوة فرض القانون، "قوة الردع" بالامتثال الكامل لشروط الاتفاق المقترح والمتضمن تسليم المطلوبين للنائب العام من المجرمين الفارين المنتمين إلى جهاز "دعم الاستقرار" المنحل، والمطلوبين من المحكومين الذين تم تجنيدهم بصورة غير قانونية ضمن جهاز الشرطة القضائية، وأيضاً تسليم القيادات المتورطة مباشرة في جرائم الاغتصاب والتعذيب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والامتناع الفوري عن عرقلة الإجراءات التصحيحية التي شرعت الدولة في تنفيذها لإعادة هيكلة وتفعيل المؤسسات الأمنية الشرعية.
وحملت قوة فرض القانون "جهاز الردع" المسؤولية الكاملة عن أية مواجهة مسلحة قد تترتب على رفضه الالتزام بهذا الإنذار، مؤكدة أن أي تصعيد سيتم التعامل معه كخروج صريح عن سلطة الدولة، بما يستوجب الرد بما هو واجب، وبالوسائل التي تفرضها الضرورة لحماية الأمن العام.
ونوه البيان الذي اطلعت عليه "اندبندنت عربية" إلى أن هذه المهلة تمثل الإنذار الأخير، وأية مماطلة أو امتناع عن التنفيذ سيُعد تحدياً مباشراً لسلطة الدولة، وسيُقابَل بإجراءات حازمة وحاسمة تحفظ هيبة القانون وتصون أمن الوطن والمواطن.
وحذر آمر المنطقة العسكرية بالجبل الغربي التابعة للمجلس الرئاسي أسامة الجويلي، من أن أي عمل مسلح داخل العاصمة مهما كانت مبرراته هدفه إفشال العملية السياسية التي تيسرها البعثة الأممية، وستكون نتائجه كارثية على الجميع.
رفض الحرب
التحشيدات العسكرية قوبلت بالرفض من جانب أهالي طرابلس، وقال حراك "شباب سوق الجمعة" إن ميليشيات تابعة لحكومة الدبيبة تحشد للحرب وتعمل على زعزعة أمن العاصمة بهدف تعطيل العملية السياسية التي ترعاها البعثة الأممية، مؤكدين أن أبناء طرابلس جميعاً يقفون صفاً واحداً لحماية عاصمتهم، ويرفضون دخول أية قوة من خارج المدينة، مطالبين البعثة الأممية برصد هذه الخروقات ووضع المجتمع الدولي أمام حقيقة من يسعى لقتل شعبه. كما رفض أهالي تاجوراء استخدام مدينتهم كنقطة انطلاق للأعمال العسكرية.
وقال النائب علي أبو زريبة إن كل من يدفع نحو التصعيد ستحرقه النار التي أشعلها، منوهاً إلى أن كل من يحاول كسر طرابلس سيتحطم على جدرانها، فأهل الغرب الليبي إذا اجتمعوا ارتفع صوتهم أقوى من الحديد، وردهم سيكون أكبر وأعظم من كل رتل.
وتابع عضو مجلس النواب عبر صفحته بموقع "فيسبوك"، أن "طرابلس لا تُخضعها المدرعات، ولا تُرهبها التهديدات، ولا يفرض عليها أحد شروطه بالقوة".
عملية ضرورية
واتخذت قاعدة "معيتيقة" كقاعدة جوية عسكرية، حيث يعود تاريخ تأسيسها إلى عام 1923، من قبل القوات الاستعمارية الإيطالية، وتتمثل أهميتها في كونها مطاراً دولياً في طرابلس، وهي أيضاً تضطلع بدور كمركز لوجستي للطيران المدني والإسعاف والطيران الخاص، مما يجعلها محوراً حيوياً للحركة الجوية في ليبيا.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وحول إمكانية اندلاع مواجهة مسلحة في حال تعنتت "قوة الردع" الخاصة، قال المحلل السياسي إبراهيم لاصيفر إن قاعدة "معيتيقة" ستعيد إشعال المعركة في أية لحظة، بخاصة أن "قوة الردع" تميل لعدم تسليم القاعدة والرضوخ لشروط الحكومة، لتكون قاعدة "معيتيقة" بذلك سبباً في إعادة إشعال الحرب من جديد في العاصمة، في إطار عملية عسكرية لإعادة سيطرة الحكومة على مفاصل الدولة الليبية.
وأكد لاصيفر لـ"اندبندنت عربية"، أنه في هذه الحال لن تتمكن القوات المتحصنة في القاعدة من الصمود لأنها غير مؤهلة لخوض الصراعات المسلحة والقتال مع كتائب أخرى، إذ إن تدريبها أمني، لذا سيكون ميزان القوى غير متكافئ، بخاصة أن قائدها عبد الرؤوف كاره رفض سابقاً الانصياع لشروط حكومة الوحدة الوطنية.
ورداً على ما ذهب إليه البعض من أن هذه التحشيدات المسلحة جاءت لتعطيل مسار التسوية السياسية الليبية، أوضح المتخصص في الشأن الليبي، أن إحاطة المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه أمام مجلس الأمن الدولي كانت يوم 21 أغسطس (آب) الجاري، في حين أن الحراك المسلح بدأ في طرابلس منذ مارس (آذار) الماضي، كذلك فإن هذه التحشيدات هي جزء من الخطة العسكرية التي أعلنت عنها الحكومة بشكل واضح ورسمي على لسان رئيسها عبد الحميد الدبيبة، الذي قال إن هذه العملية العسكرية هي "إعادة فرض هيمنة الدولة على مفاصلها"، وتأتي على رأسها عملية قاعدة "معيتيقة".
سيطرة الدولة
وأشار إلى أن ما يحدث الآن حول قاعدة "معيتيقة"، يأتي في إطار إعادة سيطرة الدولة على السجون الخارجة عن شرعية الدولة واحتكار الدولة للسلاح، وكانت قد سبقتها عملية عسكرية ضد كتيبة "دعم الاستقرار" انتهت بتحييد رئيسها عبد الغني الككلي، لا سيما أن قاعدة "معيتيقة" تقودها مجموعة مسلحة خارج إطار القانون تقوم بأعمال قبض وعمليات تحقيق وسجن وسيطرة على المطار الدولي في طرابلس.
وتابع أن هذه الهيمنة التي تقوم بها "قوة الردع" هي خارج إطار الدولة، ولا يمكن للأخيرة التحكم فيها سواء عبر وزارة الداخلية أو وزارة العدل، التي منعت من الوصول لسجن "معيتيقة" الذي لا يحتكم لقرارات النائب العام الليبي، حيث فشلت حكومة الوحدة الوطنية وجميع الحكومات المتعاقبة قبلها في الإطلاع على مجريات التحقيق ووضع النزلاء في سجن "معيتيقة" الذي تسيطر عليه "قوة الردع".
وقال إن هذه العملية العسكرية التي تقودها حكومة الوحدة الوطنية ضد "قوة الردع" هي واجبة الحدوث حتى تعود هذه القاعدة إلى سلطة الدولة وشرعية الحكومة، بخاصة أن قوة الردع رفضت الحوار وشروط الحكومة في ما سبق. موضحاً أنها "عملية صعبة، ونتائجها غير محمودة، لكن لا مفر منها لإنهاء تغول المجموعات المسلحة التي أصبح نفوذها المالي والعسكري وعلاقاتها الدولية أقوى من نفوذ الدولة، ما تسبب في تقويض عمل أية حكومة ليبية، فقدوم أية حكومة جديدة سيصطدم بعقبة الميليشيات المسلحة، لذلك فإن استئصال هذه المجموعات واجب وطني".
ويرجح لاصيفر عودة العملية العسكرية التي بدأت بإزاحة قائد جهاز "دعم الاستقرار" عبد الغني الككلي، لأن هناك مماطلة من "قوة الردع" في الموافقة على الشروط السابقة للحكومة، مؤكداً أنها ستعمل هذه المرة أيضاً على مماطة أخرى في الرد على الشروط الحالية، ومنوهاً إلى أن نتائج هذه العملية المسلحة ستكون قاسية ولكنها في مصلحة الدولة الليبية ولا مفر منها، وقال إنه "إذا أردنا الذهاب نحو دولة المؤسسات فيجب تطبيق هذه الشروط، ليس على (كتيبة الردع) فقط، وإنما على جميع المجموعات المسلحة خارج شرعية الدولة".
فعل سياسي
المتخصص في الأمن القومي فيصل رزق، قال لـ"اندبندنت عربية" إن قاعدة "معيتيقة" بطبيعتها تمثل بؤرة هشّة أمنياً، لأنها تضم خليطاً من العناصر ذات الولاءات المتعددة، بما فيها مجموعات ذات خلفيات متطرفة وعابرة للحدود. ونوه إلى أن أية محاولة لفرض تسليم "قوة الردع" هذه القاعدة لن تُقرأ إلا كخطوة لتفجير صراع داخلي، لأن "الردع" ترفض عملية التذويب في محيط مشبع بالتناقضات.
ونبه إلى أن الخطر هو أن "معيتيقة" ليست مجرد منشأة عسكرية، بل نقطة تقاطع بين النفوذ المسلح المحلي والحسابات الخارجية، ما يعني أن أي احتكاك داخلها قد يتحول بسرعة إلى شرارة تشعل العاصمة وتربك المشهد السياسي كله، وهو ما يعوّل عليه الدبيبة أحياناً لخلق توتر يربك الأمم المتحدة ويمنحه هامش تفاوض أوسع، لأنه كلما اقتربت بعثة الأمم المتحدة من طرح خريطة طريق جديدة، يتحرك الدبيبة لتعزيز قبضته على العاصمة طرابلس عبر قوات من مصراتة مسقط رأسه، بهدف إضعاف "قوة الردع" ومكافحة الإرهاب.
وأكد رزق أنه في حال تحقق ذلك للدبيبة، سيقدم نفسه بوصفه الطرف الأقوى والجدير بالجلوس إلى طاولة التفاوض كرجل دولة، أما إذا خسر المعركة فإنه سيعطل مسار الأمم المتحدة التي ستجد نفسها منشغلة بإطفاء الحرائق بدل المضي قدماً نحو الانتخابات، منوهاً بأن هذه التحركات في جوهرها ليست مجرد مناورة عسكرية، بل فعل سياسي بامتياز.
أبرز السيناريوهات
ويربط العميد المتقاعد من قوات الجيش التونسي مختار بالنصر، تفجر معركة "معيتيقة" بعوامل داخلية وخارجية، على اعتبار أنها تقع في قلب طرابلس، وهي القاعدة الجوية والعسكرية الأهم في الغرب الليبي، وتحتوي على قوات تتبع لجهات مختلفة، منها "قوة الردع"، وفيها مصالح لقوى خارجية كالوجود التركي، ما يعني أن السيطرة على "معيتيقة" تعني النفوذ المباشر على العاصمة طرابلس، وهي رسالة تحدٍ لأية حكومة أو فصيل.
وأضاف أنه إذا استمرت الانقسامات بين الشرق والغرب، وانهارت جهود التهدئة من قبل اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) أو مبادرات الأمم المتحدة، سيكون للاعبين الدوليين دور في هذه المعركة، حيث سيتزايد التصعيد التركي أو الروسي أو أي تدخل خارجي آخر ليُشعل النزاع أكثر.
وأكد أن حجم الاشتباك في "معيتيقة" إن كان محدوداً قد يتم احتواؤه، لكن إذا ما تورطت فيه قوات من مصراتة أو الشرق الليبي مثل قوات حفتر فقد يتحول إلى صراع أوسع.
وحول أهم السيناريوهات المحتملة، أوضح بن نصر أن هناك فرضيتين تتعلق الأولى بتصعيد محدود يتوقف على حدوث اشتباك داخل القاعدة أو على أطرافها بسبب خلاف داخلي مثل ما حصل سابقاً بين "الردع" ومجموعات أخرى من دون أن يتحول إلى حرب شاملة، أما الفرضية الثانية فتحتمل تدخل أطراف إقليمية أو قوات من الشرق لدعم طرف معين في طرابلس، ما يُعيد سيناريو حرب 2019-2020 إلى الواجهة مجدداً.