ملخص
في كتابه "صيفٌ مع ألكسندر دوما" (لي إيكواتور، 2025) يستعيد الكاتب وعضو الأكاديمية الفرنسية جان-كريستوف روفان حياة مؤلف "الفرسان الثلاثة" و"الكونت دو مونت كريستو"، و"الفيكونت براجولون" و"الملكة مارغو"، و"الرجل ذو القناع الحديدي"، وعدداً آخر من الروايات الأقل شهرة، باعثاً بريشته سيرة هذا الأديب الشعبي الذي هجرته النخب الثقافية لفترة، ثم بُعث من جديد بفضل كتاباته التي كانت أكثر عمقاً واتساعاً مما تصوره بعض النقاد التقليديين، وكذلك تحول معظم رواياته إلى أفلام سينمائية.
في إطار برنامج إذاعي بعنوان "صيفٌ مع..."، تبثه "إذاعة فرانس أنتير"، بهدف تعريف المستمعين على شخصيات أدبية وفكرية بارزة مثل مونتاني، وباسكال، وكوليت، وسيرفانتس، وغيرهم، وتولي أدباء أو أساتذة جامعيين تقديم هؤلاء الأعلام، على أن تتحول هذه الحلقات الإذاعية لاحقاً إلى كتب، وُلد كتاب "صيف مع ألكسندر دوما"، لجان كريستوف روفان.
يضم الكتاب 42 فصلاً قصيراً، أعاد فيها روفان بأسلوبه النابض بالحيوية صياغة الحلقات الإذاعية التي بثت خلال هذا الصيف، مقدماً لنا ألكسندر دوما كما لم نعرفه من قبل، حتى وإن كنا قد قرأنا "الفرسان الثلاثة"، أو سحرنا "الكونت دو مونت كريستو" كما قدمته لنا شاشات السينما. ذلك أن رواية مسرى حياة ألكسندر دوما، كما رسم معالمها روفان، مغامرة حقيقية، لا تكتفي بالخيال بل تنبع من صميم الواقع، الذي يعيد المؤلف سرده بحس روائي لا يقل براعة عن موهبة بطل كتابه.
ودوما، الكاتب والروائي والمسرحي الفرنسي ذو الأصول الخلاسية، الذي ولد في فيلير-كوتري عام 1802، لجنرال خلاسي فرنسي نبيل ينحدر أصلُه من منطقة الكاريبي، وأم تدعى ماري لويز لابوريه، فقد والده وهو في الرابعة من عمره. فلم يُهيأ له حظ وافر من التعليم. لكن عشقه للقراءة والحكايات التي روتها له أمه وسعت مداركه وألهبت خياله. في العشرين من عمره انتقل دوما إلى باريس، وساعدته أصوله النبيلة على شغل وظيفة في القصر الملكي، ومذذاك، بدأ بكتابة مقالاته ومسرحياته ورواياته حتى وفاته في مدينة دييب عام 1870.
لمع نجم دوما أولاً ككاتب مسرحي، قبل أن تخلد الرواية التاريخية اسمه، لا سيما "الفرسان الثلاثة" و"الكونت دو مونت كريستو". لكنه، على رغم النجاح الساحق الذي حققه، لم يُمنح تلك الهالة الأدبية التي حظي بها أقرانه، إذ ظل أدبه موضع أخذٍ ورد في الأوساط النقدية، كأن عبقريته ظلت تُصغي أكثر إلى نبض القراء منها إلى نوايا النقاد، علماً أن إرثه كان أعمق وأرحب من الصور السطحية التي رسمها له بعضهم.
مسار طويل
يكشف لنا كتاب روفان عن مسار دوما منذ طفولته ومقاعد الدراسة، هو التلميذ الضعيف في مادتي الحساب واللغة اللاتينية، راوياً لنا كيف شق طريقه إلى عالم المسرح الباريسي مع "هنري الثالث وبلاطه" ثم مسرحية "كريستين"، وسط جيلٍ ذهبي جمعه ببلزاك وفينيي ولامارتين وفيكتور هوغو، الذي لم يكن يكبره إلا ببضعة أشهر، والذي نسج معه علاقةً عرفت مداً وجزراً، فتأرجحت بين المودة والتنافس. فقد كان هوغو، بنظر روفان، ابن البرجوازية المستنيرة، الذي أدرك مأساة الفقراء متأخراً مع "البؤساء"، فيما كان دوما من صلب الشعب، يعرف المعاناة ويخوض الحياة كما تخاض المعارك، بين وهج المجد وظلال الخيبة، وبين الثراء والإفلاس.
في هذا الكتاب، يتساءل روفان عما يعرف قراء دوما عن الجوانب المجهولة من شخصيته، معترفاً أن رواياته الكبرى لم تشغله سوى ثلاث سنوات من عمره وأن مسرحياته وانطباعاته عن الأسفار لا تزال بحسبه من أجمل ما كتب. هكذا يخبرنا أن ألكسندر دوما ذاق طعم المنفى والإفلاس، وخاض غراميات كثيرة صادقة، لكنها كانت قصيرة بحيث لم تخلُ من الألم، وأنه تألق في عالم المسرح والرواية مبتكراً عالماً وأسلوباً حوّل التاريخ إلى ملحمة. لكنه يلفت انتباه قرائه إلى أن دوما كان أيضاً شاهداً يقظاً على ثورتي 1830 و1848. فلم يتورع، وقد امتلك حنكة الانتهازي، عن اغتنام ما تيسر له من امتيازات في عهد لويس فيليب ثم نابليون الثالث، معرفاً إيانا على جانبٍ من نضاله السياسي، هو الذي شارك في ثورة يوليو (تموز)، وانضم إلى صفوف أنصار غاريبالدي، ناقلاً شحنة من البنادق من مرسيليا لدعم حملة السيطرة على نابولي، المدينة التي كانت تشبهه بتركيبتها الفريدة أكثر من أي مدينة أخرى، والتي مكث فيها أربع سنوات قبل أن يعود إلى فرنسا، حيث توفي عام 1870.
في كتابه "صيفٌ مع ألكسندر دوما"، يلامس روفان حياة الروائي الفرنسي بجسده وروحه. ذلك أن أوجه الشبه بينهما كثيرة. كلاهما جاء إلى عالم الكتابة بعد الخوض في مجالات عملٍ أخرى؛ وكلاهما ذاق طعم المجد والمغامرات مع النساء؛ وكلاهما كسر قوالب النخبة الثقافية. لكن الطبيب والسفير السابق، الذي نفض عنه الغبار الأكاديمي وتحرر من تكلف الصالونات، والذي لم يبخل على الأكاديمية الفرنسية بالنقد وهو عضو فيها، كتب، كما دوما، لكل الناس لا للنخبة، متخلياً عن النشر في دار "غاليمار" العريقة، مبتكراً لنفسه مساراً مختلفاً مع دار نشر "لي إيكواتور" و"كالمان-ليفي"، من دون أن يتخلى عن خفة ظله وحسه الساخر. هكذا يتبدى في بعض صفحات كتابه، متقمصاً شخصية إدمون دانتيس، بطل دوما الشهير، الهارب من سجن قلعة إيف، مجسداً بكل جوارحه ما يكتبه. فتارةً يأخذنا نصه إلى نزلٍ يعج بالدخان حيث مائدة الفرسان ووقع السيوف والشموع المتراقصة والحوارات المصقولة كالذهب، وتارةً أخرى إلى قصور النبلاء حيث تعيش مرسيدس حبيبة دانتيس أو إلى سفينة "فرعون"، أو إلى جزيرة مونت كريستو حيث خبأ الأب فاريا كنزه أو إلى مشاهدة مغامرات دارتانيان ورفاقه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من خلال هذا الكتاب، نتعرف إلى دوما رجلاً محباً للبذخ والحياة، لا يتردد في إنفاق كل ما يملك في سبيل تحقيق رغباته؛ رجلاً اشترى مسرحاً، وبنى قصراً، وسافر إلى روسيا بغية بناء سفينة خاصة. لكن انقلاب عام 1851 كان بمثابة نقطة فاصلة في حياته، إذ اضطر الأديب إلى الهرب من دائنيه. لكنه على عكس ما ظن البعض، لم يركع أمام الحزن ولا تهاوى تحت وطأة الشفقة، بل نهض من جديد، مؤسساً جريدته الخاصة التي أطلق عليها اسم "الفرسان الثلاثة"، والتي نشر فيها أعمال جيرار دو نيرفال وغيره من الشعراء والكتاب الفرنسيين.
ليس كتاب جان كريستوف روفان عن ألكسندر دوما مجرد تحية، ولا تمريناً في الإعجاب، إنه عبور مشترك في مدار كوكب الأديب، الذي يمثل فرنسا المتمردة والصاخبة والغامضة والتي لا تهدأ ولا تستكين. فيه رسم روفان صورة حية عن دوما النهم والمتعطش للحياة والمغامرة، والذي "يكتب كما تُعاش العاصفة، بلا روية، وبلا خوف من الغرق"، معرجاً في الوقت عينه على تاريخ الأدب والأدباء في القرن التاسع عشر، مشدداً على أن ألكسندر دوما، ما زال يتخطى الأزمنة. يكفي أن نعرف بحسبه أن الاقتباسات السينمائية والتلفزيونية لأعماله لا تعد ولا تحصى. فبعض رواياته كـ "الملكة مارغو" اقتُبست أربع مرات، و"عقد الملكة" اثنتي عشرة مرة، و"الكونت دو مونت كريستو" أربع عشرة مرة، أما "الفرسان الثلاثة"، فاقتُبست أكثر من أربعين مرة، مؤكداً قول فيكتور هوغو، إن دوما "أكثر من فرنسي؛ وأكثر من أوروبي، إنه كوني بامتياز".
هكذا يتبدى دوما في كتاب روفان رجلاً مفرطاً في كل شيء، عاقلاً في كل شيء، مجبولاً بالمرح والطيبة، متهوراً، صاخباً، قادراً على كتابة أشياء عادية جداً، بقدر ما هو قادر على إبداع أشياء عبقرية. فهو لم يكن يكتب أدباً، بل كان، على ما يقول، يكتب الحياة نفسها". لذا قال عنه الأخوان غونكور، إنه "أنا مضيئة"، ووصفه موباسان، "بالبركان الذي انفجر كتباً".
إن استعادة جان-كريستوف روفان لمسرى حياة ألكسندر دوما هو تعبير عن الافتتان والاحتفاء بكاتبٍ لامع اشتعل بوهج حياة زاخرة بالعطاء وخلف إرثاً أدبياً ثميناً لا يقدرُ من يقرأه أن يتوقف أو أن يشعر بالملل.